المبشرون ودورهم في تدهور العلاقات الكُردية – المسيحية

أ.د. فرست مرعي
عضو الهيئة العامة لمركز الزهاوي
لقد تعرض تاريخ الكورد إلى كم هائل من حملات الدس والتشويه والتحريف طالت تكوينهم وإرثهم وتاريخهم ورموزهم، هذه المؤثرات انعكست بلا شك على علاقة الانسان الكوردي مع نفسه وبيئته وعلى علاقته بالآخرين، ومن ثم ولدت عقده الشك والريبة في النظر إلى الآخر بحجة أنٌة يريد سلب ما في يديه، والواقع التاريخي أكبر دليل على ذلك، فكردستان بلاد الكرد أضحت مسرحاً وممراً للعديد من الأقوام الغازية والفاتحة، وهذا ما تجلى في أن هذا الشعب عرف اليقظة والحذر منذ بدء ظهوره على هذه الأرض، وما زالت هذه السمة واضحة في تصرفات أبنائه، فأصبحت الشجاعة والأقدام والنجدة من شيمهم، ومن ثم نظر اليهم الآخرون بعين التوحش والبربرية، ولم يدر بخلدهم ان الكرد يعانون في قرارة انفسهم وفي واقعهم من الظلم والمرارة ما هم بحاجة إلى فهم الأخرين لهم. لذلك جاء تاريخهم الذي كتبه الآخرون (= مؤرخي الامم الاخرى)، وكأنه تاريخ مخلوقات لا تمت إلى هذا الكوكب بصلة. فهذا يعدهم من نسل الأشخاص الذين فروا إلى الجبال هرباً من بطش الضحاك، وذاك يعدهم من أحفاد الجن وهلم جرا… ولم يدر في فكر هؤلاء ان الكرد مثلهم في تكوينهم الخلقي وتاريخهم مثل بقية أمم المعمورة، فهم من نسل آدم وآدم من تراب.
وأستناداً الى ما تقدم، فاان الجدل يثار حول كل الرموز وأبطال الكرد أمثال: صلاح الدين الايوبي وانتهاءً بساسة وعلماء الكرد المعاصرين، رغم أنهم ليسوا معصومين عصمة الانبياء، وإنما هم ابناء واقعهم تتجاذبهم منغصات الحياة وتتقاذفهم يمنة ويسرةٌ.
والأمير بدرخان بك البوتاني داخل في هذا السجال فقد ثار جدل كبير حوله وحول حركته الاستقلالية التي قامت في منتصف القرن التاسع عشر، تلك الحركة التي كانت لها أصداء واسعة في المنطقة لا تقل شأناً عن حركة محمد علي باشا في مصر، وحركة داود باشا في العراق، ولكل منها ظروفها وأسبابها العديدة الخاصة بها. أمٌا فيما يخص حركة بدرخان باشا، فإن العامل الجيوبولوتيكي كان له تأثير واضح في عدم تسليط الضوء على هذه الحركة ودراسة وقائع حياة مؤسسها بدرخان باشا بما يتناسب مع أهمية هذه الحركة وقوة شخصية زعيمها ( = كاريزميته) ومقدرته الادارية والسياسية.
يقول الدكتور وادي جويدة متحدثاً عن شخصية بدرخان: ((إن الأمير كان له شخصية جذابة وتاريخية (ديناميكية)، وليس هناك أي شك في أن بدرخان أعظم شخصية تاريخية كردية))([1]).
وبخصوص أهمية الحركة الاستقلالية للدولة الفيدرالية الكوردية التي اقامها بدرخان باشا يقول جويدة : (( إن الأمير بدرخان كان له اعتقاد راسخ بأن الله أختاره لقيادة المسلمين الكرد نحو الوحدة، وتحريرهم من ظلم الحكام العثمانيين))([2])
المصادر السريانية القديمة
ودورها في تشويه سمعة الكرد ورموزهم
المصادر السريانية هي في الحقيقة مصادر آرامية، على أساس ان اللغة السريانية المدونة فيها المصادر المذكورة آنفاً هي أحدى لهجات اللغة الآرامية([3]).
والآراميون أمة قديمة من الأمم السامية التي هاجرت من الجزيرة العربية في منتصف الالف الثاني قبل الميلاد([4])، وقد انقسمت اللغة الآرامية إلى فرعين رئيسين في القرنين الأول والثاني الميلاديين احتوى كل منهما على عدة لهجات.
والمصادر السريانية موضوعة البحث تقع تحت قائمة الآرامية الشرقية، التي تحول إسمها إلى السريانية بعد دخول المسيحية إلى بلاد الرها ( = أورفة الحالية) في نهاية القرن الثاني الميلادي، مما حدا بمعتنقيها إلى أن ينفروا من التسمية القديمة – الآرامية – التي هي مرادفة للوثنية عند اليهود والمسيحيين، والاستعاضة عنها بكلمة – السريان – بدلاً من آرامي، والسريانية بدلاً من الآرامية، تلك التسمية التي اطلقها عليهم اليونانيون الذين كانوا قد احتلوا بلادهم (سوريا الحالية) سنة 312 ق. م في عهد الملك سلوقس الأول (311 – 281ق.م) الذين جعلوا اسم الآراميين لسكان المدن الوثنية مثل حران([5]).
ومما تجدر الاشارة اليه ان الكثير من المصادر السريانية بشقيها التاريخي والكنسي؛ أسهمت إلى حد كبير في تشويه صورة الكورد ووصفتهم بأبشع النعوت كالتوحش والهمجية والمغتصبين… الخ([6]). ففي حوادث سنة 1895م تكلم القس اسحق أرملة السرياني بقوله في التعريف بقرية (قرةباش): (( قرةباش قرية في شرقي ديار بكر تبعد عنها مسافة ساعتين… أهلها كلهم سريان تعجّل اليهم الاكراد في اليوم ذاته ونشموا ينهبون ويقتلون ويستبيحون وظلوا كذلك يومين كاملين لا تزداد قلوبهم إلا صلابة وتوحشاً – كحمير أو جحاش – ثار ثائرها. ولكنهم فاقوا الحمير بتوحشهم ” قيل لاحد الحمير نريد أن نغيرك ( نجعلك ) كردياً فبات ثلاثة ايام كئيبا لا يأكل عليقه)) ([7]).
وبخصوص تداعيات قتل الزعيم سمكو شكاك (اسماعيل اغا) لزعيم أتباع كنيسة المشرق الآثورية – النساطرة (مارشمعون) في شهر آذار/ مارس سنة 1918م في كوردستان ايران، واتهام الكتاب الاثورين للاكراد بالخيانة، فان احد رجال الدين المسيحي يتذكر ذلك الموقف من خلال صياغة مثل( غير مناسب) بقوله: ((اذا الكردي أصبح ذهباً لا تضعه في جيبك))([8]). فضلاً عن ذلك محاولة إرجاع أسماء قرى وقلاع ومواقع وجبال كوردية إلى أصول مسيحية سريانية – كلدانية – أشورية فيما بعد، للايحاء بأن المنطقة الكوردية كانت في حقيقة الأمر مهد الاقوام السريانية([9])، وأنها – استكردت فيما بعد – وأبلغ دليل على ذلك ما ذكره صاحب كتاب تقويم قديم في الكنيسة النسطورية في تفسيره لكلمة كوردستان بأنها (كلدانستان)، واستند في ذلك إلى كتاب المؤرخين السريان: ابن الحجري، وبن الصليبي، بيت يشوع، وأبو فرج بقولهم: ((انها كلدانستان لا كردستان، لأن أهالي الجبل جميعهم كانوا من شيعة الكلدانيين القدماء قبل المسيح (عليه السلام)، وفي زماننا بدلوا الكلدان بالكرد، وإلى الآن يقولون كردستان وهذا غلط))([10]).
وكوردستان بعد أن كان كانت كلدانستان!! أصبحت الآن (آشورستان)!! استناداً إلى اعمال المؤتمرات الآشورية العالمية التي يطالب المكسيماليون (المتطرفون) تأسيس دولة آشور المستقلة على الأراضي الواقعة في شمال العراق (كوردستان العراق)، فيما يريد المعتدلون دولة آشورية ذات حكم ذاتي (على مثال الحكم الذاتي الكردي)، ويعمد الفريقان كلاهما مهمة تأسيس الدولة الآشورية أمر واقعي ويأمل الطرفان بتحقيق ذلك في القرن الجاري (العشرين) ([11]).
لذلك كان لهذه الكتابات السريانية أثر كبير في تشكيل ذهنية منحازة سلفاً لكثيرين من كتابهم المتأخرين، فضلاً عن صب النار على الزيت من قبل بعض المنصرين والرحالة والدبلوماسيين الأوروبيين، وتحديداً الانكليز من ناحية تشويه سمعة الكورد ورموزهم، وهذا ينطبق على حد كبير مع الأمير بدرخان.
المبشرون والرحالة الاوروبيون
ودورهم في تشــويه ســـمعة الأميــر بدرخــــــــــان
كان للمبشرين الانكليز والامريكان دور لا يستهان في تشويه سمعة الكورد عامة والأمراء الكورد: كمحمد باشا الراوندوزي (ميريَ كه وره) وبدرخان باشا البوتاني، و الشيخ عبيد الله النهري، والشيخ محمود الحفيد، وسمكو شكاك، والشيخ احمد البارزاني، من خلال الملاحظات التي دونوها في كتبهم ومذكراتهم، والتي أسهمت إلى حد كبير في رسم السياسيات المغايرة لتطلعات وأماني الشعب الكوردي بعيد الحرب العالمية الأولى والتي ما زال الكورد يكتوون بنارها إلى وقت كتابة هذه الأسطر.
فكتابات هؤلاء الرواد الاوائل من المبشرين والرحالة الذين زاروا كوردستان وكتبوا عن عادات وتقاليد الكورد؛ رسمت هذا التشويه في اللاشعور الاوروبي، وأصبح من الصعوبة بمكان إفهام الرأي العالم الاوروبي وتحديداً المثقفين منهم والمهتمين بشؤون الشرق الأوسط ان هذا التشويه والخلط جاء في سياق تاريخي معين له ظروفه الخاصة، وأن هؤلاء المبشرين والرحالة كانوا أبناء بيئتهم، ورغم جدية بعض بحوثهم وتقاريرهم إلا أنها لا تخلو من روح التعصب ضد كل ما هو شرقي ومسلم في آن واحد، وإن تزامن مجيئهم إلى المنطقة على شكل ارساليات تبشيرية (تنصيرية) مع حدوث الصراع الكوردي المسيحي (أتباع كنيسة المشرق وأتباع الكنيسة السريانية الارثوذكسية والكاثوليكية) كل ذلك أدى إلى هذا الخلط والتشويه، وأن البعض من أبناء وأحفاد تلك الطوائف ما زالوا يعزفون على نفس الوتر الحساس في زيادة الطين بلة والمضي في تشويه سمعة الكورد؛ رغم مرور أكثر من قرن ونصف على تلك الاحداث المأساوية التي حدثت بين الجانبين الكوردي والمسيحي، التي كان الجانبين في غنىً عنها نظراً للتاريخ المشترك والجيرة والعيش المشترك، ولكنه في حقيقة الامر كان السبب الرئيسي هو تدخل القوى الاوروبية الكبرى في شؤون المنطقة، وليس التعصب الديني أو الاثني، فضلاً عن تعرض الكورد فيما بعد إلى مآسي ونكبات يندى لها جبين الانسانية في نهاية القرن العشرين.
ومها يكن من أمر فان الدول الاوروبية اهتمت بشؤون الشرق لاسيما بعد التوسع العثماني في اوروبا في أيام السلطان العثماني سليمان القانوني (1520 – 1566م) وانحسار هذه التوسع فيما بعد، واطلاق القيصر الروسي نيقولا الاول اسم الرجل المريض عليها سنة 1853م، حيث بدأت تلك الدول تحاول ايجاد موطئ قدم لها في اأراضي الدولة العثمانية من خلال إستغلال الاقليات المسيحية بشتى انتماءاتها الطائفية، وكانت البعثات الكاثوليكية من فرنسية وايطالية هي السباقة في ذلك، فبدأت بارسال البعثات والرحالة الى المنطقة، ولكن جهودها انصبت على تغيير مذهب النساطرة ومحاولة ربطهم بالكثلكة حيث نجحوا في ذلك إلى حدٍ كبير وتم تكوين طائفة منهم سميت بـ(الكلدان المتحدين)، أما جهود الولايات المتحدة وبريطانية فقد جاءت متأخرة ترجع إلى بداية القرن التاسع عشر وتحديدا الثلث الاول منه، وقد ارتبط التنصير البروتستانتي بشكل عام بتوسع المستعمرات الاوربية واسواقها الخارجية، حيث يشير أحد الباحثين إلى ذلك بقوله: ((ان النهضة الدينية البروتستانية في اوربا والولايات المتحدة منذ أواخر القرن الثامن عشر قد ارتبط بشكل وثيق مع الحركات الاقتصادية الامبريالية الجديدة، كما ان الثورة الصناعية اسهمت في تسهيل النقل والمواصلات بحيث لم يعد ذلك عائقاً أمام المبشرين)) ([12]).
وبخصوص أمريكا فانها دخلت ميدان العمل التنصيري لأول مرة عام 1810م عندما تأسست أول هيئة امريكية في مدينة بوسطن للاشراف على ذلك النشاط ورعايته([13]). وفي سنة 1835م أوفد مجلس البعثات البروتستانتية الطبيب والمنصر الامريكي (كرانت – Grant) على رأس بعثة تنصيرية إلى منطقة هكاري (كوردستان العثمانية)، حيث وصلها في سنة 1839م، وبعد اجتماعه مع المار شمعون الزعيم الروحي والزمني للقبائل النسطورية (الاثورية) والأميرالكوردي نور الله بك امير هكاري، استطاع ان يبني مركزاً تعليمياً للتبشير في قرية آشيتا في منطقة تياري (شمال غرب ناحية كاني ماسى)، ونجح في تكوين علاقة خاصة مع النسطوريين([14]).
أما بخصوص الانكليز فقد صدرت الاوامر لكل من الدكتور(ويليام أنسورث- William F Ainswirth) وكريستين رسام(= مسيحي موصلي ونائب القنصل البريطاني في الموصل) بزيارة النسطوريين في منطقة هكاري ودراسة أحوالها والاوضاع القائمة فيها، والتعرف على آفاق التحرك واقامة علاقات خاصة مع القبائل النسطورية، وفي 15 حزيران 1840م وصلا إلى قرية ليزان الواقعة في منطقة تياري (بالقرب من الحدود العراقية التركية) على مسيرة يوم شمال العمادية، وبعد اجتماعات عديدة مع المار شمعون وملوك القبائل النسطورية، تم الاتفاق على اقامة علاقة خاصة بين الكنيسة النسطورية والكنسية الانكليكانية من جهة، ومحاولة ثني البطريرك مار شمعون عن اقامة علاقة مع المبشرين الامريكان([15]).
كما قام (رسام) بمهمة ايضاح الخطوط العريضة التي قدمت البعثة من أجلها، والتي تضمنت مقترحات جمعية( ترقية المعرفة المسيحية The society of promotion Christian) ، غير انه يعترف بأن البطريرك (مار شمعون) لم يكن على معرفة بها وانه ليست لديه أية فكرة عن الكنيسة الانكليكانية (الانكليزية )، وكان مذعوراً في الوقت نفسه من اقامة علاقة ودية مع الكنسية الانكليكانية لانها تبدو مختلفة في عقيدتها عن كنيسته في المبادئ والممارسة، ومار شمعون لم يخفِ مشاعره للمبشرين: أنسورث ورسام مما فعلته الكنسية الكاثوليكية في روما بكنيسته قائلاً: ((البابا أرسل ناساً من روما، وأخضعوا قسماً من كنيستنا، عقيدته حديثة، وعقيدتنا قديمة، نحن لا نغير قط من طقوس عبادتنا، بل نحافظ عليها ونتقيد بها، وما نقل لنا من قبل الرسل وآبائنا، وعليك أن تعلم بأننا لا نغير قط معتقداتنا ولا طقوسنا))([16]).
ويبدو أن البعثة الانكليكانية كانت تريد اقامة صلة ما بين انكلترا والمار شمعون من أجل الوحدة بوجه الاتراك والاكراد فيما لو حدث ما يعكر صفو الأمن، لاسيما وإن مجيء هذه البعثة قد ولد قلقاً لدى الاوساط الكوردية وخاصة أميرها (نورالله بك) أمير منطقة هكاري الذي كان في حلف مقدس مع (الأمير بدرخان)([17]).
وعلى اية حال فقد توالت بعثات التبشير الانكليزية تترى على منطقة هكاري، بقصد محاولة دق أسفين بين الشعبين الجارين الكوردي والنسطوري- أتباع كنيسة المشرق، فقد وصل المبشر جورج بادجر Gorge Badger على رأس بعثة في شتاء سنة 1843م إلى قرية آشيتا(= الواقعة حالياً على الحدود العراقية – التركية مقابل ناحية كاني ماسى) للقاء البطريرك مار شمعون، حيث اجتمع معه بحضور مائة من الشخصيات البارزة من ملوك ( = رؤساء القبائل النسطورية) ورؤوساء وكهنة ( = رجال دين)، وقد الح البطريرك على اتباعه بضرورة عدم عقد حلف أو اتفاق مع الكورد، وانما عليهم اثبات اخلاصهم لباشا الموصل العثماني(= محمد اينجه بيرقدار)([18])، وبعد ان استرسل في الكلام قال: (( أيها الاصدقاء والاخوة إذا كنتم راغبين في إثبات اخلاصكم لباشا الموصل ولي، فأنني أنصحكم بما يتوجب عمله : عليكم تجميع قوة عسكرية قوامها 300 مقاتل من القرية (آشيتا) وتتوجهون لمقاتلة زينل بك (امير منطقة البروارى) اطردوا أتباعه من منطقة برواري، واذا كان بالامكان اعتقاله حياً أو ميتاُ، معلوماتي الخاصة انه لا يملك عدداً كبيراً من الاتباع…))([19]).
وفي تلك الاثناء وصل مبعوثان كورديان من قبل أمير هكاري (نور الله بك) إلى مار شمعون يطلبان فيه عقد اجتماع في موقع ما بين مدينة جولمرك وقرية جمي لتسوية خلافاتهما وارساء أسس التعاون والصداقة بين الجانبين، وحين سمع الشماس (اسحق) شقيق البطريرك مار شمعون فحوى الرسالة انفجر في موجة غضب وهياج قائلاً: ((نحن لسنا خاضعين لكم وإن ديارنا الآن ملك هذا الرجل))([20]) مشيراً الى المبشر الانكليزي( بادجر)، واختتم الشماس اسحق كلامه قائلاً: ((نعمل سلام معه؟ لا أبداً، إلا بحد الخناجر))([21])، وقد أثار هذا الكلام الصريح استياء الكورد وهزت مشاعرهم، لاسيما وان هؤلاء النساطرة قد تقووا بوجود هذا المبعوث الانكليزي في صفوفهم، ومما يزيد الأمر وضوحاً ان البطريرك نفسه كان قد أرسل رسالة عن طريق المبشر الامريكي( كرانت Grant) إلى المقيم السياسي البريطاني في بغداد في أواخر سنة 1841م، يطلب فيها تدخلاً أجنبياً لحماية النساطرة([22])، وقد أشار المبشر الانكليزي جورج بادجر إلى الشهرة السيئة التي تمتع بها الأمير الكردي بدرخان الذي ارتكب في عامي1843م و1846م مذابح رهيبة ضد النساطرة بحيث أباد قبيلتين من قبائلهم هما: تياري وتخوما إبادة كاملة([23])؟.
أما الرحالة والمنقب الانكليزي هنري لايارد (1817 – 1894م)، فقد كان له قصب السبق في تشويه سمعة الكورد وقائدهم بدرخان بك، ومحاولة تأليب الرأي العام الاوروبي والطلب من السلطان العثماني بضرورة وضع حد لهذه الامارة، وهذا ما حصل فعلاً بالقضاء على الامارة البوتانية وأسر بدرخان بك ونفيه إلى جزيرة قبرص([24]).
يقول لايارد عند زيارته لكوردستان (منطقة برواري بالا شمال مدينة العمادية): ((مختار هذه المنطقة هو كردي متعصب دينياً، وتمكن بشكل كامل تقريباً من القضاء على النساطرة الذين هم السكان الاصليون للمنطقة!!… فقد استولى عليها الأكراد… ولكن الأكراد كسولون للغاية، وعلاوة على هذا فهم يحاولون بشتى الوسائل شل همة النساطرة. تتصف هذه المنطقة بفقدان الأمن، السبب في هذا هو عبد القادر بك احد زعماء (البرواري) الذي ينتهز كل مناسبة ويستغل أية ذريعة ليسفك دم المسيحيين الجبليين الابرياء! هنا وبأمر منه، تم بأبشع الوسائل الوحشية القضاء على حياة العديد من النساطرة، فقط لأنهم بعد نجاتهم من حمامات الدم الاخيرة في تياري، أرادوا العودة إلى قراهم للالتحاق بزوجاتهم واطفالهم، أما السفاح المتوحش( زين الدين) وهو من عائلة عبد القادر بك فانه الأداة الطيعة في يد بدرخان الطاغي، المتعطش دائماً لسفك دم المسيحيين))([25]).
وفي محاولته إتهام بدرخان بك بالعجز عن احتلال مناطق تمركز النسطوريين في منطقة تياري – جبل آشيتا، ومحاولته استغلال عامل الزمن حتى تنفذ مؤن النسطوريين نظراً لشجاعتهم وعدم افساحهم المجال للجيش الكوردي لاحتلال قراهم، وعدم معرفتهم بمكان اختباء هؤلاء النساطرة، يقول بهذا الصدد :((ولكن بدرخان كشف المكان، إلا أنه عجز عن احتلاله بالقوة ولهذا أحاط كل المنافذ برجاله منتظراً ساعة الاستسلام، مؤونة النساطرة لم تكفيهم سوى لثلاثة أيام، بسرعة نفذت المياه والمواد الغذائية بسبب الحر الجهنمي. وضعيتهم بدت بدون مخرج، ولهذا قرروا اعلان الاستسلام تحت شروط وضمانات تعهد بدرخان التمسك بها مقسماً بالقران (الكريم) لن يصاب أي تياري بأذى بعد تسليمه سلاحه وما عنده للاكراد والعبور عن طريق المنافذ الجبلية. بعد حصول الاكراد على سلاح الاسرى النساطرة، مباشرة وجهوا أفواه البنادق الى العزل المنهكين، دون أن يرحموا فرداً منهم. طبقات من أشلاء القتلى النساطرة غطت سفوح الجبل. وعندما انهكهم الرمي، راحوا يقذفون من بقي حياً من فوق الصخور الشاهقة الى نهر الزاب الكبير. من الف نسطوري اعتصم بهذا الجبل لم ينجوا – كما قيل لي – سوى انسان واحد))([26]).
الكتاب السريان ومحاولة إجترار
مغالطات المبشرين الاوروبـــيـيـــــن
مما لا شك فيه ان المراجع السريانية التي تكلمت عن الصراع الكوردي النسطوري أيام الأمير بدرخان انما كان جل اعتمادها على ما أمده الرحالة من المبشرين الاوروبيين والامريكيين امثال: (لايارد) و(كرانت) و(بادجر) وكأنهم اختبروا هذه المعلومات وأعادوا صياغتها من جديد وصبها في قالب عصري لتشويه سمعة الكورد واعتبار بدرخان بك صاحب المجازر المروعة بحق النسطوريين والسريان واليزيديين على حد سواء، ولم أر والحق يقال كاتب محسوب على السريان، بشتى فئاتهم واطيافهم قد درس بحيادية هذا الموضوع في سياقه التاريخي والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة في منتصف القرن التاسع عشر؛ وتجليات هذا الصراع والعوامل التي أدت اليه إلا ما ندر([27]). وإن كان الجميع يحملون – البعثات التبشيرية – مسؤولية ما حدث.
يقول الكاتب الروسي النسطوري الأصل (ماتفييف بارمتي) محملاً البعثات التبشيرية مسؤوليتها عما حدث من صراع بين الجانبين: ((وقد لاحظ الباحثون بأنه منذ زمن دخول المبشرين (المنصرين) إلى المناطق الاشورية ازدادت الاشتباكات ومختلف انواع الصدامات بين الاشوريين والاكراد كثيراً))([28]).
ولكنه مع ذلك حمل بدرخان مسؤولية قتل الأشوريين واعتمد في ذلك على طروحات الرحالة والاثاري الانكليزي لايارد بقوله : ((وتفنن بدرخان ذو البربرية الوحشية بقتل الآشوريين ولم يكن متهماً بذلك بعض الاقطاعيين الاكراد فقط بل وكذلك المبشرون الانكليز والامريكان الذين اتسم نشاطهم في الجوهر بطابع عداء استفزازي))([29]).
وقد كتب الباحث الأثري الانكليزي الذي زار المناطق الاشورية (النسطورية) بعد حملات بدرخان الشريرة مباشرة يقول: ((وفي الحال رأينا آثار المذابح وكلما نقترب للإمام كما نصادف آثارها أكثر وأكثر حيث الجثث كانت ما تزال مترامية فوق الشجيرات، وعندما اقتربنا من منحدر صخرة كبيرة رأينا بأن هذا المنحدر مملوء بحدائل من شعر النساء تشدها الاربطة وقصاصات الأقمشة وكذلك بجماجم من مختلف الاعمار، ابتداءً من جماجم الاطفاء الرضع وانتهاءً بجماجم العجز العديمة الأسنان))([30]).
أما الكاتب السرياني اللبناني (ايشو مالك خليل جوارو) فانه هو الاخر يحمل المبشر الامريكي (كرانت Grant) مسؤولية ما حدث بقوله : ((وفي مقابلة أجراها لايارد مع البطريريك (مار شمعون) بعد المعركة وجد البطريريك ناقماً بشدة على المرسلين الامريكيين اكثر منه على الاكراد)([31])، ولكنه مع هذا حمل الكورد مسؤولية ما حدث رغم انه اشار ضمناً إلى وجود صراع خفي بين البطريريك مار شمعون وبين زعماء القبائل النسطورية (الاشورية) كانت السبب في تصدع العلاقات الكوردية المسيحية، (هجم الاكراد على الاشوريين ونشبت معركة طاحنة بينهم وادت دائرتها على الاشوريين القليلي العدد والشبه عزل من السلاح، فاحتل الاكراد مناطق بعض القرى الاشورية وذبحوا الكهول والشيوخ والنساء والاطفال واعتدوا على العذارى، نهبوا ما نهبوا وسلبوا ما سلبوا واغتصبوا ما اغتصبوا؛ في معركة أعادت إلى ذاكرة الناس بربرية تيمورلنك ووحشية المغول…))([32]).
أما الأب اسحاق ارملة السرياني فقد ألف كتاباً تحت عنوان (القصارى في نكبات النصارى) أورد فيه اتهامات رخيصة وباطلة ضد الكورد عامة وزعمائهم خاصة([33]). أما كتاب مجلتا حويودو (الاتحاد) ودربو اللتان تصدران في السويد فتضمنتا مقالات وبحوث تتهم فيها بدرخان بك بالبربرية والتوحش، ويجب وضعه في الصفحة السوداء من تاريخ الانسانية على حد تعبير رئيس تحرير مجلة حويودو ( شمعون دنحو)، ويذكر دنحو في رسالة إلى كاتب هذه السطور: “ان علينا أي الكرد والسريان (استنكار تلك المذابح التي قام بها بدرخان بك كي نمهد الطريق لنقاء وصفاء العلاقات السريانية الكوردية)”[34]). ولولا خوف الاطالة لذكرت منها الشيء الكثير.
أمثلة من مزاعم وتناقضات
المبشرين الغربيين والكتاب السريان
هناك مثل شعبي يتداول بين الناس وهو ان حبل الكذب قصير، وهذا ما يبدوا واضحاً في الروايات التي قيلت بشأن المجازر التي ارتكبها بدرخان بك ضد المسيحيين سواءً على صعيد المبشرين والرحالة، أو على صعيد الكتاب السريان أنفسهم، يذكر العقيد يوسف ملك خوشابا ابن زعيم قبلية تياري السفلى في كتابه (حقيقة الاحداث الاثورية المعاصرة)([35]) ما نصه : ((إن ما جاء في كتاب تاريخ الرؤساء (باللغة السريانية) لمؤلفه (العقيد) ياقو مالك اسماعيل ( = ابن زعيم قبيلة تياري العليا) الذي انحى باللائمة على عشيرة تياري الكبرى (السفلى) لعدم تمكنها من مساعدة عشيرة تياري العليا عندما هاجمها الاكراد؛ كان الغرض منه الطعن والتشهير فقط. إذ لو كان الكاتب صادقاً في زعمه فلماذا لم تهرع تياري العليا لنجدة قوذشان (قودجانس قرية فيها مقر البطريريك مار شمعون تقع شمال غرب مدينة جولميرك)، وعشيرة دز اللتين كانتا الضحية الأولى للهجوم الكردي المفاجئ، وإن الأسباب الحقيقية لعدم تمكن الاشوريين من مساعدة بعضهم البعض هي التي ذكرتها (وتتلخص) بأن الجيش الكردي أحسن تسليحاً وأكبر تنظيماً مقارنة بالمقاتلين الاثوريين، إضافة إلى ان عددهم يفوق المقاتلين الاثوريين بعدة أصناف، وكانت استراتيجية الأمراء المتحالفين (بقيادة بدرخان) تقضي بتطويق وفي آن واحد لكل العشائر الاثورية المراد تدميرها من كل الجهات، ومن ثم الانفراد بالهجوم عليها الواحدة تلو الأخرى، مع الاستعداد لتنفيذ الخطة وضرب أية عشيرة تتحرك لنجدة العشيرة المهاجمة))([36]).
ومن جانب آخر ينقل يوسف ملك خوشابا عن صاحب (كتاب تاريخ آشور في زمن المسيحية – يوناثان بيتا سليمان) الذي ينقل بدوره عن المنصر الامريكي كرانت رواية مفادها: ((بأنه في ساحة القتال سقط ما لا يقل عن عشرة آلاف كردي وحوالي خمسة آلاف وخمسمائة مقاتل اثوري))([37])، أي ان خسائر الكورد كانت ضعف خسائر النسطوريين، وفي هذا دلالة أكيدة على عدم حدوث مذبحة بحق النسطوريين؛ بل كان قتالاً يحدث بصورة اعتيادية بين أفراد القبائل في تلك المناطق الجبلية الوعرة سواءً أكانت كوردية أو نسطورية، ولكن الهالة الدعائية لهؤلاء المنصرين من أمثال: لايارد، وكرانت، وبادجر هي التي ضخمت المسألة وأدت إلى تشويه سمعة الكورد عامة وبدرخان بك خاصة، حيث ليس من المستبعد حدوث خسائر كبيرة في مثل هذه المعارك، إلى أن هذا الرقم المذكور أنفاً مبالغ فيه لأسباب سياسية ودينية، حيث ان عدد النسطوريين في تلك المنطقة لم يتجاوز 60000 شخص، ودارت المعركة بأسلحة بدائية بسيطة وفي منطقة جبلية ذات تضاريس وعرة ولمدة لا تتجاوز الشهر. كما ان الاستراتيجية الكوردية كانت تتلخص في مهاجمة كل قبيلة نسطورية على حدة، لذلك بالغ هؤلاء المنصرون في تضخيم عدد الضحايا من النسطوريين لإثارة الرأي العام الاوربي ضد بدرخان بك، وهذا ما حدث فعلاً فقد تدخل سفراء الدول الاوربية لدى الخليفة العثماني وطلبوا منه التدخل لوقف المذابح ضد النسطوريين([38]).
وقد أرسل الخليفة العثماني عبد المجيد الأول( 1839 – 1861م) فوراً وفداً رسمياً بزعامة كامل باشا إلى بدرخان بك يطلب فيها منه وقف المعارك وتسليم الأسرى النساطرة، وعندما التقى الموفد العثماني مع الامير بدرخان، دافع الأخير عن موقفه مؤكداً بان النساطرة هم الطرف المعتدي بايعاز من المنصرين ونائب القنصل الانكليزي في الموصل كريستيان رسام الكلداني الموصلي، وان حملته ضدهم كانت في حقيقتها حملة تأديبية لوقف اعتداءاتهم المتكررة ضد القرى الكوردية المتآخمة لمناطق تواجدهم.
ومهما يكن من أمر فان الوثائق البريطانية السرية التي نشرت مؤخراً تشير إلى اعتراف بدرخان بك بقتل حوالي 2000 شخص من الجانبين، بينما تشير وثيقة بريطانية سرية أخرى إلى حدوث خمسمائة اصابة فقط في الجانب النسطوري ليس الا، ونظراً لأهمية الوثيقة التي سجلها (ار. دبليو ستيفين) نائب القنصل البريطاني في الموصل عن لسان بدرخان بك سوف أورد مقتطفات منها لأهميتها:
((كان مار شمعون سابقاً الرئيس الروحي للنصارى السريان الخاضعين لامارة بوتان ولم يكن له أي دور في الأمور الدنيوية للطائفة، علماً أن الأمور الدنيوية كانت بيد طائفة من مجموعة من الأشخاص الذي يدعون هنا بـ الملوك(= رؤساء القبائل) وكانوا على علاقة بي، واذا وقع في السابق خلاف بين داخل الطائفة السريانية أو بين السريان وأبناء القبائل الكوردية الخاضعة لنا، كان يحسم بطريقة ودية بدون تدخل أحد. وكان الملوك يتعاونون مع قريبي نور الله بيك ولم يكن بينه وبين السريان خلاف.. ولكن في السنتين الأخيرتين (1841–1842م) بدأ المار شمعون يتدخل في السياسة بشكل قوي ويحيك المؤامرات ضد الأمير نور الله بيك وحسب فهمنا ان المنصر الاميركي مستر( كرانت) هو الذي حرض المار شمعون وقام بتزويده بآمال لاثارة المشاكل. علماً ان المنصر المذكور قام بتشييد بناية كبيرة على مكان مرتفع في(قرية آشيتا)، ففي هذه الاثناء دخل أنصار المار شمعون منطقتنا وقتلوا أثنين من أفراد القبائل الكوردية، وحسب العرف السائد في المنطقة قمنا باعتقال وقتل المجرمين من السريان للثأر لدماء الكورديين، وبالمقابل قام السريان بقتل أربعة اشخاص آخرين، قمت بشن حملة ثارية عليهم وقتل ثمانية من السريان. وبينما كانت هذه الاحداث جارية جاءني نور الله بك، رئيس منطقة هكاري مطالباً مساعدتي لتأديب النصارى السريان لقيامهم بالهجوم على عدة قرى كوردية ونهبها في منطقة جولميرك. ولبيت طلبه وبعد اخضاع السريان المتمردين هناك، غادرت المنطقة تاركاً فصيل مسلح في( آشيتا) تحت امرة زينل بك، ولكن حال مغادرتنا المنطقة قام المسلحون السريان بمحاصرة الفصيل الكردي هناك وقطعوا عنهم الماء والمؤن لمدة تسعة أيام، رغم ان زينل بك قد استسلم إلا أن العديد من رجاله قد قتلوا، وبعد التزود بالماء عاد زينل بك إلى القلعة وأرسل اليّ مطالباً النجدة. بعثت قوة قوامها 26 ألف رجل لرفع الحصار عنهم وتأديب السريان. لذلك ترى فان النصارى هم الذين سببوا هذه المأساة لأنفسهم ببدئهم الحرب. فالجولة الأولى من الحرب لم تكن ذات أهمية لأنني فقدت من الرجال والمؤن بقدر ما فقده السريان. وحدثت الجولة الثانية من الحرب نتيجة خيانتهم لزينل بك. ففي هذه المرة سمحت لبعض أفراد القبائل لقتل السريان ووقعت مذبحة. في الحقيقة لم يكن باستطاعتنا لجم غضب الجيش الذي أهينت كرامته وكبريائه. أنا متأسف للقيام بالحملة التأديبية ضد النصارى دون اشعار السلطة المركزية؛ ولم أتوقع تدخل الدول الاوربية لصالحهم، وبما ان النصارى يشكلون منذ زمن عنصراً متمرداً على الدولة، الحكومة المركزية اعتبرت اخضاعهم كمسؤول دولة كمسألة مؤكلة اليّ ضمن القانون…))([39]).
ويضيف الأمير بدرخان في معرض رده على تساؤلات نائب القنصل البريطاني بخصوص سيطرة الكورد على أراضي السريان ومصادرتها وقال: (( إنه ليس من الصعوبة بالنسبة لي من ان أتأكد بنفسي بزيارة المنطقة الجبلية للوقوف على الحقيقة على أرض الواقع، وقال الأمير إنه يتحداني أن أجد أرضاً سريانية مسروقة من قبل الكورد. ثم أضاف: وجد مار شمعون حليفاً قوياً ( = بريطانيا) لذلك يعتقد بأنه يكسب المزيد من خلال تضخيمه للاحداث، ويضيف الأمير بدرخان: فمثلاً يقول المار شمعون بان عدد القتلى هو 4000 شخص أو 5000 شخص والحقيقة أن عدد القتلى لا يتجاوز 2000 قتيل…))([40]).
ومهما يكن من أمر فان الدعاية وتضخيم الاحداث هو ديدن الكتاب السريان ومن لف لفهم، فان تتبعنا ما جرى من خسائر في الحركة الاثورية الشهيرة في العراق سنة 1933م لوجدنا ان عدد ضحاياهم الذين سقطوا في منطقة سميل يقارب 300 شخص بشهادة أحد المنصفين من زعمائهم([41])، بينما نرى هذا العدد يرتفع إلى أكثر من خمسة الآف عند معظم كتابهم([42]) وكأنهم أرادوا بهذا مجاراة اليهود في إدعائهم بقتل هتلر لستة ملايين شخص منهم لكي يثيروا الرأي العام العالمي لقضيتهم ويحصلوا على ما يريدون، ومع ذلك فان قتل المدنيين الاثوريين العزل في قرية سميل وفي غيرها من الاماكن ونهب اموالهم وممتلكاتهم من أي جهة كانت عراقية حكومية او كوردية عشائرية هي جريمة وجناية ضد البشرية ومحل ادانة واستنكار وشجب0
وبهذه الطريقة استطاع النسطوريون وأد المشروع القومي الكوردي في مهده، والذي حاول الأمير بدرخان تأسيسه في منتصف القرن التاسع عشر، وتجلى هذا واضحاً في البيان الذي أصدره مؤتمر علماء كوردستان المنعقد في منطقة أورمية (كوردستان ايران) بعد سقوط الفيدرالية الكوردية بقيادة الأمير بدرخان، حيث حمل البيان المذكور- النساطرة- أتباع كنيسة المشرق وأعداء الإسلام من المنصرين – مسؤولية هزيمة الأمير بدرخان. وهكذا حقق النساطرة غرضهم بتأليب الدول الاوربية والدولة العثمانية على الكورد (المتعصبين دينياً) على حد زعمهم؛ مما أدى إلى تعاون الدول الاوربية مع الدولة العثمانية في القضاء على امارة بوتان سنة 1847م، حيث كانت هذه الامارة آخر قلعة للصمود الكوردي في الدولة العثمانية([43]).
(1) د. عثمان علي: دراسات في الحركة الكوردية المعاصرة، أربيل، مكتبة التفسير، 1424هـ، 2002م، ص 31 – 32 نقلاً عن
- Jwaideh (Kurdish Nationalist Movement) Syracuse University. 1960. pt. 1. p 184
(2) دراسات في الحركة الكوردية المعاصرة، ص32.
- Jwaideh (Kurdish Nationalist Movement) Syracuse University. 1960. pt. 1. p 184
(3) مراد كامل: تاريخ الأدب السرياني من نشأنه حتى العصر الحاصر، القاهرة ص 63؛ أحمد هبو: المدخل إلى اللغة السريانية وآدابها، حلب، ص 7.
(4) طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، بغداد، مطبعة الحوادث، 1973م، ص 39؛ انطوان مورتكات: تاريخ الشرق الأدنى، دمشق، ص 269.
(5) أ. ولفنسون: تاريخ اللغات السامية، القاهرة، ص 145 – 146؛ هنري س. عبودي: معجم الحضارات السامية، طرابلس، ص 475.
(6) على سبيل المثال لا الحصر: تاريخ مختصر الدول لابن العبري، وله أيضا تاريخ كنسي تحت اسم تاريخ الزمان، تاريخ الانطاكي المعروف بصلة تاريخ أوتيخا، عمرو بن متي: أخبار فطاركة كرسي المشرق من كتاب المجدل؛ البير أبونا: تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية من انتشار المسيحية حتى فجر الإسلام؛ افرام برصوم: اللؤلؤ المنثور في الآداب والعلوم السريانية؛ التاريخ الكبير لميخائيل السرياني؛ تاريخ الرهاوي المجهول عربه عن السريانية ووضع حواشيه: البير أبونا.
(7) القصارى في نكبات النصارى، بيروت، 1919م، ص59.
(8) كيوركيس بيت بنيامين اشيشا: الرئاسة، شيكاغو، 1987، ص24، والكتاب عبارة عن مخطوطة لم تطبع حسب علمي.
(9) يوسف حبى: كنيسة المشرق الكلدانية – الاثورية، لبنان – جامعة الروح القدس- الكسليك، 2001م، ص 161 – 195.
(10) بطرس عزيز، تقويم قديم في الكنيسة النسطورية، ص 12.
(11) رياض السندي: جوستن بيركنز (اول مبشر إلى كوردستان)، مجلة كولان العربي، العدد 55 ، أرييل، كانون الأول، 2000م، ص 94.
(12) رياض السندي: جوستن بيركنز (اول مبشر إلى كوردستان)، مجلة كولان العربي، العدد 55 ، أرييل، كانون الأول 2000، ص 94.
(13) د. عبد الفتاح علي يحيى: النشاط التبشيري الامريكي في كوردستان في النصف الأول من القرن التاسع عشر، مجلة جامعة دهوك – المجلد السادس، العدد الأول، تموز 2003، ص 18.
(14) صلاح هروري: امارة بوتان في عهد الأمير بدرخان، دهوك، مطبعة خبات، 2000م، ص 116.
(15) هرمز ابونا: الاشوريون بعد سقوط نينوى، شيكاغو، امريكا ،1999م، المجلد الخامس، ص 273 – 283.
(16) هرمز أبونا: الآشوريون بعد سقوط نينوى، ج5، ص 281 – 282.
(17) صلاح هروري: المرجع السابق، ص 842 – 75.
(18) هرمز أبونا: الآشوريون بعد سقوط نينوى ،ج5، ص292.
(19) هرمز أبونا: الآشوريون بعد سقوط نينوى، ج5، ص294، نقلاً عن Badger.
(20) سلامة حسين كاظم: التبشير في العراق، وسلسلة أهدافه، رسالة ماجستير غير منشورة قدمت إلى مجلس كلية الشريعة جامعة بغداد، 1985م، ص 144.
(21) هرمز أبونا: المرجع السابق، 5/ 296، نقلاً عن Badger.
(22) عبد الفتاح علي يحيى: المرجع السابق، ص 23؛ وكان الدكتور عبد الفتاح قد ذكر ان ابن أخ البطريرك هو الذي تحدث إلى رسول أمير هكاري، والصحيح ان شقيقه الشماس اسحق هو المتكلم.
(23) الكسندر آداموف: البصرة في ماضيها وحاضرها، ترجمة: الدكتور هاشم صالح التكريتي، منشورات مركز دراسات الخليج العربي بجامعة البصرة، ص 211 نقلا عن Badger.
(24) صلاح هروري: المرجع السابق، ص 127 – 110.
(25) هنري لايارد: البحث عن نينوى، ترجمة: ميخائيل عبد الله، السويد، دار سركون للنشر، 1998م، ص 20 – 21.
(26) هنري لايارد: المصدر السابق، ص 33 – 34.
(27) يستثنى من ذلك الدكتور وادي جويدة في اطروحته باللغة الانكليزية تحت عنوان الحركة الوطنية الكوردية، حيث درس هذا الموضوع بروح غاية في الحيادية ونحج في ذلك إلى حد كبير.
(28) ف. ب. ماتفييف (بارمتي) الآشوريون والمسألة الآشورية، ترجمة: ح. د. ا، دمشق ، مطبعة الأهالي، 1989م، ص 70.
(29) بارمتي: الآشوريون والمسألة الآشورية، ص 70.
(30) بارمتي: المرجع السابق، ص 71.
(31) ايشو مالك خليل جوارو: الآشوريون في التاريخ، ترجمة واشراف: سليم واكيم، منشورات واكين اخوان، بيروت 1962، ص 164 – 167.
(32) ايشو مالك: الآشوريون في التاريخ، 165.
(33) اسحاق ارملة السرياني: القصارى في نكبات النصارى، بيروت، 1919م، ص 100 وما بعدها، وللكتاب طبعة جديدة منقحة أصدرتها دار سركون للنشرفي السويد، وفيها مقدمة لشمعون دنحو ضمنها هجوماً لاذعاً ضد الكورد عامة وبدرخان بك خاصة.
(34) شمعون دنحو: رسالة جوابية إلى الدكتور فرست مرعي بتاريخ 16/11/1999 حول العلاقات الكوردية السريانية، ومما تجدر الاشارة اليه ان شمعون دنحو بالتعاون مع الكاتب العراقي سليم مطر والدكتور محمد البندر نشروا سلسلة من المقالات في الصحافة والمجلات السريانية الآشورية في السويد والولايات المتحدة… واستراليا وفي مواقع الانترنت تتضمن هجوماً على القومية الكوردية فضلاً عن اعتبار كوردستان منطقة سريانية، وان القبائل الكوردية بالتعاون مع الدولة العثمانية قاموا بتكريد هذه المنطقة، وان كوردستان سوريا هي ارض الجزيرة الفراتية، وان كوردستان تركيا هي أراضي أعالي بلاد ما بين النهرين، وان مدينتي كركوك واربيل تابعتين للارث الرافديني، وان مدينتي دهوك والسليمانية تابعتين لكوردستان فقط بغض النظر عن مدن: وان، وسعرت (سيرت)، وبدليس فإنهاء إما مدن ارمنية أو سريانية؟.
(35) يوسف ملك خوشابا: حقيقة الاحداث الاثورية المعاصرة، بغداد، 2000م.
(36) يوسف ملك خوشابا: حقيقة الاحداث الاثورية المعاصرة، ص 8 – 9.
(37) يوسف ملك خوشابا: حقيقة الاحداث الاثورية المعاصرة، ص 11.
(38) د. عثمان علي: دراسات في الحركة الكوردية المعاصرة، ص 42 – 43.
(39) د. عثمان علي: دراسات في الحركة الكوردية المعاصرة، ص 52–53 نقلاً عن تقرير نائب القنصل البريطاني في الموصل إلى سفير بريطانيا العظمى في استنبول في 10 تموز عام1844م.
(40) دراسات في الحركة الكوردية المعاصرة، ص 54.
(41) 38- يوسف ملك خوشابا: حقيقة الاحداث الاثورية المعاصرة، المرجع السابق، ص 243 – 244.
(42) راجع مثلاً جميع المؤلفات التي أصدرتها الاحزاب الآشورية وكتابهم أو الذين تطرقوا إلى هذه الحالة.
(43) د. عبد الفتاح علي يحيى: النشاط التبشيري الامريكى في كوردستان في النصف الاول من القرن التاسع عشر، ص