الأسرة | أولويات التربية والسلوك في إعداد الجيل

بقلم : مريم عز الدين
إن من جملة التناقضات التي تحيط بمجتمعاتنا المسلمة اليوم، طلب الآباء والأمهات درجات من التفوق العلمي أو الثقافي أو الاجتماعي تصل إلى حد المثالية أو الكمال من أبنائهم في الوقت الذي يشيرون إليهم بالفاشلين غير المنضبطين!!
ثم وفي كل نقاش يعده الكبار بناءً والشباب يستمعون إليه مجبرين يظنونه مضيعة للوقت وهو كذلك، يتغنون بأمجاد الماضين من الشباب مشيرين بمناسبة ودونما أخرى أن شباب اليوم لا يشبههم ولن يستطيع تحقيق عشر ما حققوه وتتردد عبارة “فما حال أولادنا وشبابنا من فلان” عشرات المرات في نقاشات (بناءة) كهذه التي اتحدث عنها!!
ليدخل في مسامع الشاب أو الابن أفكار هدامة لشخصيته مزعزعة لثقته بكيانه وما هو عليه؛ ما تلبث أن تتحول إلى قناعات يتصرف وفقها عقله الباطن، لاسيما مع العوامل الأخرى التي تتظافر مع هذا الخطاب من سوشيال ميديا تصور الحياة الوردية فقط إلى مسلسلات تنقل الواقع بصورته المادية المجردة، ليجد الشاب نفسه إذا ما حاول البدء بأبسط مشاريع حياته محاطًا من كل الجوانب بأفكار تحول دون تمامها أو تجعلها مشاريع عرجاء لا تقوى على مواجهة صعوبات الحياة فضلًا عن تلك التي تقبع في رأسه.
إذن في الوقت الذي يلوم فيه (الناضجون) سلوكيات أو طرق عيش (الشباب) ينسون أو يتناسون أو لربما يتغافلون عن دورهم في هذا محتجين بعناد الجيل مرة وبصعوبة الحياة مرات، غير أن الحقيقة المؤلمة التي يجب على الجميع إدراكها قبل فوات الأوان أن الشباب ليسوا سوى ضحية!!
ضحية تسارع الحياة وصعوبة الظروف مرة وتقصير الآباء والإخوة والدعاة مرات أُخرى.
تعالوا نستعرض بعض الأمثلة التربوية من حياته صلى الله عليه وسلم وكيف كان يربي الصحابة (الفتية والشباب تحديدًا):
_تحمل المسؤولية
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى نبوغًا في مجال ما عند الصحابة رضوان الله عليهم وظفه فورًا فيما ينفع المجتمع المسلم فهذا زيد بن ثابت يقول: “أتيَ بيَ النبي مَقْدَمه المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة. فقرأت عليه فأعجبه ذلك، فقال: ” تعلّمْ كتاب يهود، فإنّي ما آمنهم على كتابي “. ففعلتُ، فما مضى لي نصف شهر حتى حَذِقْتُهُ، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأتُ له»، عندما كان زيد مؤمّنًا في سنه الصغيرة تلك على مكاتبات النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، دفعته هذه المسؤولية إلى طلب أُخرى لم يكن عمره هذه المرة يقوى عليها غير أنه أصر دونما كلل حيث صحبه آباؤه معهم إلى غزوة بدر، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام رده لصغر سنه وجسمه، وفي غزوة أحد ذهب مع جماعة من أترابه إلى النبي يرجون أن يضمهم للمجاهدين وأهلهم كانوا يرجون أكثر منهم، ونظر إليهم صلى الله عليه وسلم شاكرًا وكأنه يريد الاعتذار، فيقول زيد (رضي الله عنه): فلم أجز في بدر ولا أحد وأجزت في الخندق.
ثم كانت معه رضوان الله عليه راية بني النجار يوم تبوك، بعدما كانت أولاً مع عُمارة بن حزم.
هكذا يُبنى النشء وهكذا علمنا صلى الله عليه وسلم بناء القادة الشجعان، إذ لم يكن لزيد يوم حفظ القرآن أي من هذه الأحلام لكن عندما أُسندت إليه مهمة أتمها على أكمل وجه واستغل حماسته في أعظم أمر، لابد لنا اليوم أن نبدأ بتربية أبنائنا بهذه الطريقة ليس بطريقة، احفظ وسأعطيك الشيء الفلاني، انجح وستحصل على (آيباد)…
_الاستشراف الطيب
عندما أُسِرَ سُهيل بن عمرو ـ قبل اسلامه ـ يوم بدر قال عمر: (يا رسول الله انه رجل مفوّه فَدَعني انتزع ثنيتيه السفليتين، فلا يقوم خطيباً عليك بعد اليوم)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وعسى ان يقومَ مقاماً يَسرُّك يا عمر). فكان كذلك اذ إنه عندما توفي صلى الله عليه وسلم، قام أبو بكر الصديق رضى الله عنه مُعزّياً المسلمين في المدينة المنورة ومثبّتاً قلوبَ الصحابة فخطب فيهم خطبة بليغة. وقام سهيل في مكة المكرمة يحذو حذو أبي بكر، فألقى خطبة شبيهة بخطبة أبي بكر، حتى ان كلمات الخطبتين تواردت على معنى واحد، الى حدٍ ما.
كما قال عليه الصلاة والسلام لسُراقة وقد لحق به يوم الهجرة : “كيف بك اذا اُلبستَ سوارَيْ كسرى” وفي عهد عمر رضي الله عنه جاءت زينة كسرى وحليه فألبسها عمرُ سراقةَ وقال: “(الحمد) للذي سَلَبهما كِسرى والْبَسهما سُراقةَ وصدّق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم”.
هذا الاستشراف الطيب الذي أخبر به أعداءه صلى الله عليه وسلم فكيف بمن هم حوله؟!
علينا أن نحرص على ما نرسمه في مخيلات أبناءنا عن مستقبلهم، طبعًا بما هو متاح لنا من معطيات.. لا أطلب استشرافًا خارجًا عن طاقة البشر الاعتياديين كما أمقت استشرافًا من نوع (لن تنجح في شيء، انت لست نافعًا كنت في عمرك كذا وكذا، أكثر شيء تستطيع فعله تنه الثانوية…)، تذكر دائمًا أنت تصنع فشل شباب الأمة بكلمات تخرج جزافًا منك.
_الرفق واللين
عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله ﷺ قال: إن الله يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.
قال ابن حجر -رحمه الله- في كتاب الأدب من صحيح البخاري شارحاً هذا الحديث: “يعني أن الرفق يتأتى معه من الأمور ما لا يتأتى مع ضده، تأتيك بالرفق أشياء، وتنفتح لك مغاليق أمور لا تنفتح لك بغير الرفق مطلقاً”. [فتح الباري لابن حجر:10/449]، الرفق الذي يأتي بالخير رفق لا يضر لا يصبح معه الأبناء منفلتين، رفق استخدمه صلى الله عليه وسلم مع الصبية الذين جاءوا يطلبون الجهاد، كما طبقه مع من أخطأ ممن حوله في حقه، رفق يسمح للكبير أن يثبت أنه كذلك وللصغير أن يعجب بهذا الرفق.
وللأسف نشهد اليوم رفقًا بمعناه السلبي في حالات، وشدة مفرطة في حالات أخرى والاثنين سواء في صناعة جيل فاشل، حيث نرى تهاونًا كبيرًا مع كل التجاوزات السلوكية أو الشرعية أو حتى الاجتماعية لدى شبابنا بدعوى أنهم شباب وبالمقابل شدة كبيرة في مجال التحصيل العلمي أو العملي للسبب ذاته؟!
مما يصنع قناعة لدى الشاب أن الدنيا مقدمة على الآخرة وأن المطلوب منه نتاج ملموس واضح وأي شيء آخر يمكن التهاون فيه وتجاوزه.
_الله أولًا
عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا، فقال: (يا غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي وقال:: حديث حسن صحيح.
كان غلامًا ورغم ذلك علمه صلى الله عليه وسلم أن الله قبل كل شيء ولكل شيء ومع كل شيء، ولابد للمربين اليوم أن يتأسوا بهذا المنهج؛ إذ من المحزن جدًا أن يخاف الفتى أو الشاب من كل شيء وكل أحد سوى الله..
وما شاهدناه ونشاهده من غش خلال الامتحانات الالكترونية وتغاضي الآباء عن هذا السلوك الشنيع ما هو والله إلا صورة سيئة محزنة عن أمة تدعي أنها تستجلب النصر وتخطط لنهضة، هذا السلوك الذي يبرره فاعلوه وهم السواد الأعظم من الناس بعذر أقبح منه (الكل يغشون)!!
يا لها من مهزلة أولم تعلموا أنه صلى الله عليه وسلم قال: “من غشنا فليس منا”؟!
أيها الآباء حان الوقت لتربوا أبناءكم على مخافة الله في السر والعلن، على مخافته في الخلوات قبل الشهادة وألا نجاح إلا نجاح الآخرة، وكل شيء لا ينجيك وأنت تخطو على الصراط اتركه فورًا.
أمثلة كثيرة تزخر بها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة يجب أن تغدوا دستورًا للآباء وللمربين والمصلحين، إذ ما كان عليه الصلاة والسلام ينطق عن الهوى حاشاه، ولذا فحلم بناء الجيل الذي ينهض بالأمة لابد أن يمر من خلال التأسي بهديه صلى الله عليه وسلم.
كما لابد من ثورة على المصطلحات المتداولة والأفعال المتوارثة والتربية التقليدية التي تمثل رعاية مادية فقط نظنها خطأ تربية حقيقية.
إذ هناك ضرورة استجدت للأمة ألا وهي تربية جيل يمكنه مجابهة الفوضى الحاصلة في العالم جيل يمثل قدوة يحتذى بها لا تابع يجر يمينًا شمالًا بحسب ما يقرره غيره، وذلك لعمري لن يحصل إلا بالعودة إلى الأصول كما أسلفنا، قال تعالى:” إِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ” (النور:54).
المصدر: جريدة البصائر