البحوث

تأملات تفسيرية في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾

بقلم: د. علي محمد الصلابي

يثني الله تعالى على رسله وأنبيائه الذين اطصفاهم من خلقه في كثير من آيات القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى:﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، فتجمع هذه الآية بين بيان فضل الله على عبده داوود بأن وهب له الذرية الصالحة، وبين وصف منزلة العبودية الصادقة التي تميّز سليمان عليه السلام والثناء عليه تحديداً لكثرة رجوعه ولجوئه إلى الله تعالى.

أ- ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾:

لقد وهب الله عز وجل لداوود (عليه السلام) سليمان وهباً دون مقابل ورحمة منه تعالى، لأنه هو الوهّاب الذي يعطي الهبة بلا عوض، ولا مقابل، ولا مَنٍّ، ويعطي ما يشاء لمن يشاء. وهبات الله ونعمه وعطاياه كثيرة، لا يدوِّنها قلم، ويحصيها حساب، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34].

إن الهبة من الوهاب سبحانه وتعالى، وهو الذي يكثر العطاء بلا عوض، ويهب لمن يشاء ما يشاء، بلا عوض، ويعطي الحاجة بغير سؤال، فقد وهب سبحانه داوود ولده سليمان (عليهما السلام) تفضلاً وكرماً وجوداً وأثراً من أثر اسمه الوهاب (عقيل، ص 232).

إن الله الوهاب سبحانه يهب شفاء لسقيم، وولداً لعقيم، وهدىً لضال، وعافية لذي بلاء، وقد وسع الخلق جودُه، ودامت مواهبه، واتصلت مننه وعوائده (الجليل، ص 684).

قال ابن القيم في قصيدته النونية الكافية الشافية:

وَكَذَلِكَ الْوَهَّابُ مِنْ أَسْمَائِهِ …..….. فَانْظُرْ مَوَاهِبَهُ مَدَى الْأَزْمَانِ

أَهْلُ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى وَالْأَرْضِ عَنْ ….. تِلْكَ الْمَوَاهِبِ لَيْسَ يَنْفَكَّانِ (الجليل، ص 684).

وإن التعبير بالهبة في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ﴾: إشارة إلى أنها عطاء خالص من الله تعالى، وإضافة الهبة إلى ضمير العظمة (نا) يدل على كمالها (الرويني، ص 210).

وهنا نسأل عن السر في تخصيص سليمان (عليه السلام)بالذكر، على الرغم من أن داوود (عليه السلام) رزق بأولاد آخرين. والجواب: لأن هذه الهبة مع كونه ولداً صالحاً لكن اللهاختصه بمقام النبوة، أي أن الله عز وجل وهب لداوود سليمان،أي نبيًّا، كما قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾؛ أيّ: في النبوة، وإلا فقد كان له بنون غيره (ابن كثير، 7/64).

وإن معنى (سليمان) هو الكامل المكمّل التام في جميع المجالات؛ الخَلق والخُلق، والرأي والرؤية، وهو سليم الطوية، وهو للحق لا يتغير، فلقد آتاه الله تعالى الحكمة. وتقول العرب: سليمان الحكيم. و(سليمان): تعني السليم؛ أيّ السالم من الآفات (محمد، ص 223).

ب ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾:

إن داوود (عليه السلام) كان له كثير من الأبناء والأولاد إلا أن الله خصه (عليه السلام) بالابن الصالح النبي الملك سليمان (عليه السلام)، وأثنى الله عليه في كتابه بكونه أوّاباً إلى الله كثير الطاعة والعبادة، والإنابة إلى الله سبحانه في أكثر الأوقات، ومن مزيد فضل الله على عبده داوود أن وهبه سليمان الذي ورث عن أبيه الملك والنبوة والحكمة، إذ أكرم الله تعالى سليمان (عليه السلام) بالملك والنبوة، وأعطاه الفهم الثاقب، والرأي السديد، ورجاحة العقل (الشعراوي، 21/12929).

﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: نِعم: تقال للمدح، والمدح هنا بالصفة العقدية، وهي العبودية لله تعالى (الشعراوي، 21/12929)، فقد اتصف بما يوجب المدح، وهو ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾؛ أي: رجاع إلى الله في جميع أحوال بالتأله، والإنابة، والمحبة، والذكر، والدعاء،والتضرع، والاجتهاد في مرضاة الله، وتقديمها على كل شيء(السعدي، ص 956).

وقد سار سليمان (عليه السلام) على طريق أبيه، وتمسّك بطاعة الله وأقام الحق والعدل بين الناس (طهماز، 7208).

 

 

 

 

المصادر والمراجع:

1. عقيل، حسين عقيل. صفات الأنبياء من قصص القرآن “إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ولوط”، سما للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2011.
2. الجليل، عبد العزيز ناصر. ولله الأسماء الحسنى، دار طيبة، الرياض، ط3، 1430ه 2009.
3. الرويني، عادل أحمد. تأملات في سورة مريم، ط1، 1432هـ – 2011م، جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم.
4. ابن كثير. تفسير ابن كثير، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420ه -1999.
5. محمد، خالد. أسماء الأنبياء ودلالاتها ومعانيها، نور حوران للنشر والتوزيع، دار العرب للدراسات، ط1، 2016م.
6. الصلابي، علي محمد. فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم، بيروت، دار المعرفة، ط5، 2009م.
7. الشعراوي، محمد متولي. تفسير الشعراوي، دار أخبار اليوم، القاهرة، 2013م.
8. السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تفسير السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الدمام: دار ابن الجوزي، ط4، 1435هـ.
9. طهماز، عبدالحميد محمود. التفسير الموضوعي لسور القرآن، دار القلم، دمشق، ط1، 1435ه.

 

 

د. علي محمد الصلابي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً