الأرجنتين وإسبانيا … نهائي كأس العالم الذي تجاوز حدود كرة القدم
"الحرب والسياسة والعلاقات الإنسانية"

بقلم: د. طالب عبد الجبار الدغيم
في البطولات الكبرى لا تحضر المنتخبات إلى الملاعب وحدها، وإنما يحضر معها هويتها وتاريخها، وذاكرتها الوطنية، والصور التي صنعتها الحروب والأزمات السياسية القديمة والحديثة، ولهذا تأخذ بعض المباريات معنى يتجاوز المنافسة الرياضية، خاصة عندما يكون بين الطرفين ماضٍ ثقيل أو قضية ما تزال حاضرة في الوعي الجمعي العام.
وقد ظهر ذلك بوضوح بعد مواجهة الأرجنتين وإنجلترا في نصف النهائي، حين أعادت المباراة إلى الواجهة نزاع جزر فوكلاند، أو مالفيناس كما يسميها الأرجنتينيون، وتعدها الأرجنتين جزءاً من أراضيها، بينما تخضع للإدارة البريطانية. وقد تحول النزاع عام 1982 إلى حرب استمرت أكثر من شهرين وانتهت باستعادة بريطانيا السيطرة على الجزر، لكن الهزيمة العسكرية لم تغلق القضية في الوعي الأرجنتيني، وبقيت المطالبة بالسيادة عليها جزءاً ثابتاً من الخطاب الوطني والسياسة الرسمية. ولهذا تحمل كل مواجهة كروية بين الأرجنتين وإنجلترا شيئاً من هذا التاريخ. وأشهر تلك المواجهات جرت في كأس العالم عام 1986، بعد أربع سنوات فقط من الحرب، حين سجل دييغو مارادونا هدفيه المعروفين في مرمى إنجلترا. ومع مرور الوقت اكتسب ذلك الفوز معنى خاصاً عند كثير من الأرجنتينيين، لأن الانتصار الرياضي جاء على الدولة التي خرجت منتصرة من الحرب. وتحدث مارادونا نفسه لاحقاً عن المشاعر التي أحاطت بالمباراة، وهو ما يفسر بقاء مواجهة إنجلترا مختلفة في الذاكرة الكروية الأرجنتينية.
وعاد هذا التاريخ إلى الواجهة في مونديال 2026. وبعد فوز الأرجنتين على إنجلترا في نصف النهائي، فخلال الاحتفالات بالفوز أحرقت مجموعات من المشجعين الأرجنتينيين أعلاماً إنجليزية، ومن ثم حمل اللاعبان من المنتخب الأرجنتيني، وهما ليساندرو مارتينيز وجيوفاني لو سيلسو لافتة كتب عليها «مالفيناس أرجنتينية»، وهي واقعة وثقتها وسائل إعلام دولية، الأمر الذي أثار ردود فعل بريطانية ومطالب بفتح تحقيق، فعادت قضية السيادة على الجزر إلى الصحافة والنقاش السياسي بسبب مباراة كرة قدم.
وكانت هذه الحادثة جزءاً من مناخ أوسع شهدته البطولة الأخيرة في أمريكا الشمالية، حيث حمل المشجعون الإيرانيون الأميركيون أعلاماً وشعارات معارضة للنظام الإيراني، كما تحولت مباريات إسبانيا بالنسبة إلى عدد من الفلسطينيين والمتضامنين معهم إلى مناسبة للتعبير عن الامتنان لموقف الإسبان حكومة وشعباً وفريقاً من الحرب الإسرائيلية في غزة، وهكذا كانت البطولة تتحرك بين كرة القدم والذاكرة السياسية، وبين المنافسة الرياضية والقضايا التي يحملها المشجعون معهم إلى المدرجات.
فحين تأهلت الأرجنتين وإسبانيا إلى النهائي أصبح هذا التداخل السياسي والأخلاقي والرمزي أكثر وضوحاً، لأن الدولتين كانتا تمثلان في تلك اللحظة اتجاهين سياسيين متباعدين في عدد من القضايا الدولية، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل والحرب في غزة. فالرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي تحول خلال فترة قصيرة إلى واحد من أبرز رموز اليمين الجديد خارج أوروبا والولايات المتحدة، وخطابه السياسي قائم على مواجهة اليسار والاشتراكية. وقد جعل التقارب مع إسرائيل جزءاً بارزاً من سياسته الخارجية، وأقام علاقة وثيقة مع حكومة بنيامين نتنياهو، في حين وفي المقابل تقود إسبانيا حكومة بيدرو سانشيز الاشتراكية، التي اختارت موقفاً مختلفاً تجاه الحرب في غزة، واعترفت رسمياً بدولة فلسطين، واتخذت مواقف نقدية تجاه السياسة الإسرائيلية؛ اتجاهاً أوروبياً مختلفاً يقوم على الاعتراف بالدولة الفلسطينية وانتقاد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وهو ما جعل المباراة الأخيرين، عند قطاعات من المتابعين، تتجاوز المقارنة بين منتخبين رياضيين إلى مقارنة بين المواقف التي تمثلها حكومتا البلدين.
ولم يكن غريباً، في هذا السياق، أن يعلن نتنياهو دعمه للأرجنتين ويربط موقفه بعلاقته بميلي، فقد ساهم ذلك في تعزيز القراءة السياسية للنهائي الكروي، كما أن قطاعات من الرأي العام العربي والمتعاطف مع فلسطين وجدت نفسها أقرب إلى إسبانيا بسبب موقف حكومتها، فتحولت المباراة على وسائل التواصل إلى مواجهة رمزية بين جمهور يرى في الأرجنتين صورة لحكومة ميلي القريبة من إسرائيل، وجمهور رأى في إسبانيا دولة أوروبية اتخذت موقفاً أكثر تقدماً تجاه الحقوق الفلسطينية. وعلى الرغم من هذا، لا يصح القول إن اليمين كله وقف مع الأرجنتين أو إن اليسار كله شجع إسبانيا، لأن الانتماء الرياضي أكثر تعقيداً من هذه الحسابات العددية أو الرمزية، فملايين الناس يشجعون المنتخبات لأسباب رياضية أو ثقافية أو شخصية، وهناك من أحب الأرجنتين بسبب مارادونا وميسي، ومن ارتبط بإسبانيا بسبب تاريخها الكروي. ولكن وجود هذا الاتجاه في النقاش العام كان واضحاً بما يكفي ليجعل النهائي جزءاً من الاستقطاب السياسي العالمي.
هذه المظاهر والقصص والتعابير الشعبية والرسمية ليست جديدة في تاريخ كرة القدم الطويل، فالمنتخبات الوطنية نشأت في عالم تشكلت فيه الدولة الحديثة حول العلم والحدود والهوية، ولذلك ارتبطت الرياضة الدولية منذ البداية بفكرة تمثيل الوطن. وإن اللاعب يرتدي ألوان بلده، والنشيد يعزف قبل المباراة، والعلم يملأ المدرجات، والفوز يتحول إلى احتفال وطني. وفي هذه البيئة يصبح الفصل الكامل بين السياسة والرياضة فكرة يصعب تطبيقها، خاصة في المباريات التي تجمع دولاً بينها تاريخ معقد.
ما تغير في السنوات الأخيرة هو سرعة انتقال المعنى السياسي للمباراة. حيث أصبحت وسائل التواصل قادرة على تحويل صورة أو تصريح أو موقف إلى قضية عالمية خلال دقائق، وبذلك أصبحت المباراة تجري في ملعبين في الوقت نفسه: ملعب يلعب فيه الرياضيون، وفضاء عالمي واسع يعيد فيه الجمهور تفسير كل ما يحدث وفق قيمه وغاياته ومواقفه الخاصة.
وفي نهاية المطاف يمكننا اعتبار نهائي الأرجنتين وإسبانيا خاتمة سياسية لبطولة بدأت فيها القضايا السياسية بالظهور وصولنا إلى المباراة الأخيرة؛ من مالفيناس في مواجهة إنجلترا، إلى الاحتجاجات الإيرانية، إلى حضور فلسطين في تشجيع إسبانيا، ومن ثم إلى الانقسام حول ميلي وسانشيز وموقفيهما من إسرائيل وغزة. وإن كرة القدم لم تصنع هذه الأزمات والخلافات، لكنها جمعت الأضاد في مكان وزمان واحد، وكشفت مرة أخرى أن الملاعب، مهما حاولت المؤسسات الرياضية تقديمها على أنها فضاءات منفصلة عن الاقتصاد والسياسة والعلاقات الإنسانية فهو غير دقيق، لأنها جزء من العالم الذي نعيش فيه، وتحمل إلى داخلها تاريخه وخلافاته وذاكرته المفتوحة.



