الحركة الصهيونية في فلسطين أداة وظيفية للغرب

أ.د. فرست مرعي
الحركة الصهيونية في فلسطين أداة وظيفية للغرب
أ.د. فرست مرعي
في الثاني من (نوفمبر / تشرين الثاني عام 1917م) وقبل احتلال بريطانيا لفلسطين بشهر كامل، أصدر وزير الخارجية البريطاني البروتستانتي آنذاك “اللورد آرثر جيمس بلفور” (1916 – 1919م) في عهد رئيس الوزراء البريطاني “ديفيد لويد جورج” التصريح الشهير الذي أصدرته الحكومة البريطانية والذي تعلن فيه تعاطفها مع الأماني والأحلام اليهودية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وحين صدر هذا الوعد كان أعضاء اليهود لا يمثلون أكثر من 5% من مجموع السكان في فلسطين.
وكان مما جاء في هذا الوعد الشهير الذي أُرسل إلى اللورد (إدموند روتشيلد) أحد زعماء وأثرياء الحركة الصهيونية البريطانيين، “يسعدني أن أُنهي إليكم نيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي: “تعاطفًا مع أماني اليهود الصهاينة التي قدّموها ووافق عليها مجلس الوزراء، إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسوف تبذل ما في وسعنا لتيسير تحقيق هذا الهدف. وليكن مفهومًا بجلاء أنه لن يتم شيء من شأنه الإخلال بالحقوق أو الأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى”.
ومنذ العصر الكولونيالي( = الاستعماري) في القرن التاسع عشر وإدراك بريطانيا الإنجيلية نفسها كقوة عسكرية وصناعية صاعدة (= القوة البحرية الاولى في العالم)، أصبحت مقولات كبار مصلحيها وخبرائها الإستراتيجيين من العسكريين والسياسيين تترى بضرورة إسكان اليهود في فلسطين لتحقيق هذه النبوءات.
ففي عام (1839م)، قال اللورد (أنطوني أشلي) الإصلاحي الإنجيلي في خطاب له “إن اليهود رغم أنهم غلاظ القلب وغارقون في المعصية وينكرون اللاهوت، فإنهم ضروريون بالنسبة للأمل المسيحي في الخلاص”.
وفي عام (1841م) كتب ضابط الأركان البريطاني في الشرق الأوسط “هنري تشرشل” (107- 1869م) إلى رئيس مجلس الممثلين اليهود في بريطانيا “موسى مونتغيور” (1784 – 1885م) قائلاً: “لا أستطيع أن أُخفي عنك رغبتي الجامحة في أن أرى شعبك يحقق مرة أخرى وجوده كشعب. إنني أعتقدُ أنه يمكن تحقيق الهدف بدقة، ولكن لابد من توافر أمرين لا غنى عنهما؛ أولا إن على اليهود أنفسهم أن يتحملوا الأمرعلى الصعيد العالمي وبالإجماع، وثانيا إن على القوى الأوروبية أن تساعدهم وبكلمة واحدة، يجب وضع سوريا وفلسطين تحت الحماية الأوروبية وحكمهما بالمعنى وروح الإدارة الأوروبية. لا بد أن يصل الأمر إلى هذا الحد في النهاية. يا لها من فائدة عظيمة، بل كم هي ضرورية، عندما تُناقش وتُناقش القضية الشرقية أخيرًا بهذا النور الجديد المُلقى حولها، أن يكون اليهود مستعدين ومستعدين ليقولوا: “ها نحن هنا جميعًا ننتظر، متلهفين للعودة إلى تلك الأرض التي تسعون إلى إعادة تشكيلها وتجديدها. نشعر بالفعل بأننا شعب. لقد انتشر الشعور بيننا واشتعل وأصبح طبيعة ثانية؛ أن فلسطين تطالب بعودة أبنائها. لا نطلب سوى استدعاء من هذه القوى التي يعتمد مصير الشرق على نصائحها للبدء في المهمة المجيدة المتمثلة في إنقاذ بلدنا الحبيب من التأثير المُدمر لقرون من الخراب، وتتويج سهوله ووديانه وقممه الجبلية من جديد بكل جمال ونضارة ووفرة عظمته البكر.”
ورغم هذه المقولات التي نراها تخرج من زعماء الحركة الصهيونية من المسيحيين الإنجيليين قبل اليهود، فقد ظل تاريخ الحركة الصهيونية متعثرًا قبل ظهور هرتزل، وظلت الصهيونية فكرة غير قادرة على التحقق، لأن وقود هذه الحركة وهم اليهود أنفسهم لم يكونوا متحمسين للهجرة من أوروبا إلى فلسطين، واستمر ذلك حتى ظهور الصحفي النمساوي ثيودور هرتزل (1860 – 1904م) مؤسس الحركة الصهيونية.
ومن جهته يرى الاكاديمي المصري “عبد الوهاب المسيري” في موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية” أن هرتزل حل الإشكالية القديمة بضرورة إحياء مشروع إعادة اليهود لفلسطين بطرق عملية، وبيَّنَ التنظيرات التي سبَقَه إليها الصهاينة المسيحيون، فيقول إن هرتزل قام “بوضع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية استنادًا للصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي نبعت من صميم هذه الحضارة ومن تاريخها الفكري والاقتصادي والسياسي، ولم يكتف بوضع العقد وإنما قام بتأسيس المنظمة التي طرحت نفسها كإطار تنظيمي يمكن من خلاله توقيع العقد مع الحضارة الغربية”.
وأشار هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول عام (1897م) إلى ضرورة التفاهم التام مع الوحدات السياسية المعنية حتى يتم الحديث عن حقوق الاستعمار والمنافع التي سيقدمها الشعب اليهودي برمته مقابل ما يُعطى له. ويتأمل المسيري في هذا “العقد الصامت” بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية، وإدراك الطرفين الأهمية النفعية المادية المتبادلة لكل منهما، وأن هذا العقد سيتضمن تعهد الحركة الصهيونية بإخلاء أوروبا أو على الأقل الفائض البشري اليهودي وتوطينهم في منطقة خارج هذا العالم الغربي وداخل دولة وظيفية.
وتتحقق نتيجة ذلك عدة أمور مهمة، على رأسها أن “يؤسس المستوطنون في موقعهم الجديد قاعدة للاستعمار الغربي، وتتعهد الصهيونية بتحقيق مطالب الغرب ذات الطابع الإستراتيجي ومنها الحفاظ على تفتُّت المنطقة العربية، وستقوم الحركة الصهيونية بالسيطرة على الشباب اليهودي وحشد يهود الغرب المعروفين بثرائهم ليدعموا هذا المشروع الغربي”.
ونظير ذلك “سيقوم الغرب ككل برعاية هذا المشروع ودعمه، كما أنه سيساعد الحركة الصهيونية في الهيمنة على يهود العالم الغربي.. ويمكن القول إن الحل مُتضمّن في تعهّد الدول الغربية بضمان بقاء الدولة الوظيفية (اليهودية في فلسطين المحتلة)، الأمر الذي يعني استعدادها لاستخدام الآليات المألوفة المختلفة ضد السكان الأصليين من طَرد أو إبادة أو محاصرة”، على حد وصف المسيري.
ويعد “الوعود البلفورية” مصطلحا سكّه المسيري للإشارة إلى مجموعة من التصريحات التي أصدرها رجال السياسة في الغرب يدعون فيها اليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ويعدون بدعمه وتأمينه مقابل أن يقوم اليهود بخدمة مصالح الدول الراعية . بالإضافة إلى ذلك، تنحو الحضارة الغربية منحى “التماسك العضوي”، أي أن عدم التجانس والاختلاف يصبح سلبيًا كريها، وعدم قدرة هذه الحضارة على التوصل إلى إطار تتعامل من خلاله مع الأقليات وخاصة اليهود إلا من خلال “التهميش” وجعلهم “جماعة وظيفية”.
ويعد “نابليون بونابرت” (1769 – 1821م) من أوائل القادة الغربيين الذين أصدروا وعدًا بلفوريًا، وهو أيضًا أول مَن غزا المشرق العربي والإسلامي في العصر الحديث، وسنلاحظ في هذا الوعد أن فرنسا “تُقدّم فلسطين لليهود في هذا الوقت بالذات. وهذه هي اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرر لآلاف السنين. تدعوكم فرنسا للاستيلاء على إرثكم، بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء”.
لا يختلف تصريح نابليون عن وعد بلفور، فنابليون يعتبر أعضاء الجماعات اليهودية شعبًا غريبًا عن وطنه، مما يعني إسقاط المواطنة عنه، وهو شعب مرتبط بفلسطين، ورغم وجود عبارات مثل “الشعب الفريد” والذين عاشوا “تحت قيد العبودية والخزي منذ ألف عام” و”ورثة فلسطين الشرعيين”، فإننا سنجد حقيقة الدوافع الخفية لنابليون في تشريعاته داخل فرنسا.
ولم يكن نابليون يكن كثير الحب والاحترام لليهود، بل إن الهدف من وراء تحفيزهم للهجرة إلى فلسطين هو تفريغ فرنسا منهم بسبب المشكلات التي كانت قد بدأت في الظهور بسبب هذا الوجود عشية الثورة الفرنسية، والأمر الثاني أن يكونوا “جماعة وظيفية” في خدمة المصالح الفرنسية، وهذا ما قاله ملك إيطاليا لهرتزل، وقد وافقه على رأيه.
وهناك أيضًا وعد بلفوري ألماني صدر بعد عدة أشهر من إنشاء الحركة الصهيونية؛ فقد تمكن هرتزل من لقاء أحد كبار المسوؤولين الألمان الذي تحدث مع القيصر عن الموضوع، وصدر خطاب من دون إيلونبرج باسم حكومة القيصر إلى هرتزل في (سبتمبر / أيلول 1898م).
ومما جاء في الخطاب “إن صاحب الجلالة على استعداد أكيد ليناقش الأمر (توطين اليهود) مع السلطان (العثماني)، وأنه سيسعده أن يستمع إلى مزيد من التفاصيل منكم في القدس. يحبّ جلالته أن يخبركم باستعداده أن يأخذ على عاتقه مسؤولية محمية (يهودية) في حالة تأسيسها. وجلالته حينما يكشف لكم عن نواياه فهو يعوّل بطبيعة الحال على مقدرتكم على الكتمان”.
ولم يكن هدف قيصر ألمانيا “فيلهلم الثاني- وليم الثاني” ( 1888 – 1918م) مختلفًا عن هدف نابليون من قبله، ففي تعليقه على تقرير سفير ألمانيا في سويسرا عن المؤتمر الصهيوني الأول سنة (1897م)، يورد الأسباب التي دعت ألمانيا لتأييد المشروع الصهيوني، ومنها أن توطينهم سيعمل على رخاء فلسطين وإنعاش الخزانة العثمانية حليفة ألمانيا، ولم يكن وقتها يدرك الرفض القاطع من السلطان “عبد الحميد” لهذه الأفكار والوساطة الألمانية. وكان فيلهلم يرى أن طاقة اليهود ستوجّه إلى أهداف أكثر نبلا من استغلال المسيحيين، وأن إفراغ ألمانيا من اليهود الذين فيها “وكلما عجّلوا بالذهاب. كان ذلك أفضل، فلن أضع أية عراقيل في طريقهم”.
ويعلّق المسيري على هذا الوعد بقوله “لعل موقف القيصر من اليهود بما يتسم به من كره عميق لهم، وترحيب شديد بالتخلص منهم، واستعداد تام لتوظيفهم في خدمة المصالح الألمانية، لا يختلف كثيرًا عن موقف نابليون من قبله أو موقف بلفور من بعده”.
لا يختلف هذا التصريح عن تصريحات كل من نابليون وقيصر ألمانيا من قبل ولكن يضاف إليه ما يمكن وصفه بالمكر الإنكليزي حين ادّعوا أن هذا التصريح لن يخل بـ”الحقوق المدنية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين”. وبالرجوع لبلفور نفسه الذي كان قد تولى رئاسة وزراء بريطانيا بين عامي (1903 – 1905م)، فإننا سنراه يهاجم اليهود المهاجرين لبلاده لرفضهم الاندماج مع السكان، واستصدر لأجل ذلك تشريعات تحد من الهجرة اليهودية لخشيته من الشر الماحق ببلاده منهم.
فضلاً عن ذلك، كانت هناك أسباب اقتصادية تدفع دول أوروبا الغربية إلى منع تمركز يهود شرقي أوروبا القادمين من روسيا ورومانيا في غربها ولا سيما في بريطانيا، ثم في الولايات المتحدة فيما بعد.
ومن اللافت أن المادة (401) من قانون أميركي صدر عام (1940م) تنصّ على أن أي مواطن يصوّت في انتخابات سياسية في دولة أجنبية يفقد جنسيته الأميركية على الفور، إلا أنه في عام (1967م) استُثني من هذا القانون يهود الولايات المتحدة، وصدر هذا القرار عن مجلس القضاء الأعلى بأغلبية صوت واحد فقط، كان صوت العضو اليهودي في المجلس بايس أفرديم.
وكما يقول الباحث اللبناني” محمد السماك” في كتابه (الصهيونية المسيحية) إنه كما يتمتع يهود الولايات المتحدة بهذا الاستثناء من دون سائر المواطنين الأميركيين، فإن إسرا – ئيل أيضا تتمتع بمعاملة استثنائية من دون سائر دول العالم. فعندما احتلت إسرا – ئيل في عام (1967م) بالقوة المسلحة سيناء في مصر، والجولان في سوريا، والضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس في فلسطين، استُثنيت من تطبيق القانون الدولي الذي يعدّ احتلال ومصادرة أراضي دولة أخرى بالقوة العسكرية عملا غير شرعي، فالقانون يُطبق على كل دول العالم عداها. ويعود هذا الموقف الأميركي والغربي الإنجيلي من إسرا – ئيل إلى إيمان دينيّ يؤكد أن وجودها في حد ذاته معبّر عن إرادة إلهية ويُجسّدها.
وعندما شذّ عن هذه القاعدة الرئيس الأميركي الأسبق الجنرال “دوايت آيزنهاور” (1953 – 1961م) واعترض على احتلال إسرا – ئيل صحراء سيناء في عام (1956م) إثر مشاركتها في حرب السويس مع بريطانيا وفرنسا (العدوان الثلاثي)، اعتُبر موقفه اعتراضًا على إرادة الرب.
وتجنبًا لهذه المواجهة، سكت الرئيس الأسبق “ليندون جونسون” (1963 – 1969م) في عام (1967م) على الحرب الإسرا – ئيلية التي وجّهتها للأقطار العربية في مصر وسوريا وفلسطين، بل سكت عن استهداف الصهاينة للسفينة العسكرية الأميركية” ليبرتي”، الذي أدى لمقتل 34 بحّارًا أميركيا وإصابة 171 آخرين بجروح مختلفة. ويرصد السمّاك في كتابه السابق أن إسرا – ئيل حينما غزت لبنان عام (1982م) كان بين قواتها جنود يهود أميركيون، ذلك بأن اليهودي الأميركي لا يتمتع فقط بحق التصويت السياسي خارج الولايات المتحدة، ولكنه يتمتع أيضًا بحق العمل العسكري داخل صفوف القوات الإسرا – ئيلية المسلّحة، وهو امتياز لا يتمتع به أي مواطن أميركي آخر.
فالدفاع عن إسرا – ئيل ليس مجرد عمل عسكري يتم بقرار سياسي، إذ إن ربط الدفاع عن إسرا – ئيل بعقيدة دينية يجعل أي اعتراض أو أي عرقلة للدفاع عنها ومؤازرتها اعتراضًا على إرادة إلهية وعرقلة لهذه الإرادة.
ومن المواقف المعبّرة عن ذلك قول الرئيس الأميركي الأسبق “جيمي كارتر” (1977 – 1981م) “إن قيام إسرا – ئيل في عام (1948م) يعني العودة أخيرا إلى أرض الميعاد التي أُخرج منها اليهود منذ مئات السنين. وإقامة الأمة الإسرا – ئيلية هو تحقيق للنبوءة التوراتية والتنفيذ الجوهري لها”.
هذه النبوءة التوراتية القديمة هي جزء لا ينفصل من عقيدة المسيحية البروتستانتية التي جاءت كعملية تهويد كبرى للمسيحية، وأصبح الترابط العضوي والفكري بين الجانبين منذ القرن السادس عشر الميلادي وحتى اليوم لا يكاد ينفصل.
أما الرئيس “رونالد ريغان ” (1981 – 1989م) ففي سعيه لكسب الأصوات اليهودية حرص على زيادة الروابط مع المؤسسات اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة قبل موعد الانتخابات الرئاسية، وقام ريغان بتعيين اليهودي مارشال بيرغر مسؤولا عن التنسيق بين لجنة الحملة الانتخابية والمجموعات اليهودية في الولايات المتحدة، وعين اليهودي “ألبرت شبيغل” رئيسا لحملته الانتخابية، وأخذ شبيغل يعرض لليهود سجل ريغان المؤيد لإسرا – ئيل، ومنها حضور ريغان تجمعات مؤيدة لإسرا – ئيل خلال حرب الأيام الستة (= حرب حزيران) في عام (1967م)، عندما كان حاكما لكاليفورنيا. وخلال حملته الانتخابية زار ريغان المنظمة اليهودية بناي بريث في واشنطن في (3 سبتمبر/ ايلول عام 1980م)، وألقى خطابا قال فيه: “إن إسرا – ئيل ليست أمة فقط بل هي رمز ففي دفاعنا عن حق إسرا – ئيل في الوجود إنما ندافع عن ذات القيم التي بنيت على أساسها أمتنا”.
وبعد سقوط الشاه الايراني “محمد رضا بهلوي” عام (1979م) وقبل أنتخابات الرئاسة الأمريكية أدلى ريغان بتصريح لجريدة الواشنطن بوست في (15 أغسطس / آب 1979م)، جاء فيه: “إن أي منظمة إقليمية مؤيدة للغرب لن تكون لها أية قيمة عسكرية حقيقية دون أن تشترك إسرا – ئيل فيها بشكل أو بآخر”.
وكان أهم موضوع في الحملة الانتخابية للمرشح “ريغان” هو مزاعمه بعجز إدارة كارتر في تقدير أهمية (إسرا – ئيل) كرصيد استراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ففي مقالة له في الواشنطن بوست ذكر بأن وضع الولايات المتحدة ستكون أضعف في المنطقة بدون الأرصدة السياسية والعسكرية التي توفرها إسرا – ئيل كقوة مستقرة وكرادع للهيمنة الراديكالية.
فضلاً عن ذلك، كانت هناك أسباب اقتصادية تدفع دول أوروبا الغربية إلى منع تمركز يهود شرقي أوروبا القادمين من روسيا ورومانيا في غربها ولا سيما في بريطانيا، ثم في الولايات المتحدة فيما بعد.
والغريب أن المادة (401) من قانون أميركي صدر عام (1940م) تنصّ على أن أي مواطن يصوّت في انتخابات سياسية في دولة أجنبية يفقد جنسيته الأميركية على الفور، إلا أنه في عام (1967م) استُثني من هذا القانون يهود الولايات المتحدة، وصدر هذا القرار عن مجلس القضاء الأعلى بأغلبية صوت واحد فقط، كان صوت العضو اليهودي في المجلس بايس أفرديم.
وكما يقول الباحث اللبناني” محمد السماك” في كتابه (الصهيونية المسيحية) إنه كما يتمتع يهود الولايات المتحدة بهذا الاستثناء من دون سائر المواطنين الأميركيين، فإن إسرا – ئيل أيضا تتمتع بمعاملة استثنائية من دون سائر دول العالم. فعندما احتلت إسرا – ئيل في عام (1967م) بالقوة المسلحة سيناء في مصر، والجولان في سوريا، والضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس في فلسطين، استُثنيت من تطبيق القانون الدولي الذي يعدّ احتلال ومصادرة أراضي دولة أخرى بالقوة العسكرية عملا غير شرعي، فالقانون يُطبق على كل دول العالم عداها. ويعود هذا الموقف الأميركي والغربي الإنجيلي من إسرا – ئيل إلى إيمان دينيّ يؤكد أن وجودها في حد ذاته معبّر عن إرادة إلهية ويُجسّدها.
وعندما شذّ عن هذه القاعدة الرئيس الأميركي الأسبق الجنرال “دوايت آيزنهاور” (1953 – 1961م) واعترض على احتلال إسرا – ئيل صحراء سيناء في عام (1956م) إثر مشاركتها في حرب السويس مع بريطانيا وفرنسا (العدوان الثلاثي)، اعتُبر موقفه اعتراضًا على إرادة الرب.
وتجنبًا لهذه المواجهة، سكت الرئيس الأسبق “ليندون جونسون” (1963 – 1969م) في عام (1967م) على الحرب الإسرا – ئيلية التي وجّهتها للأقطار العربية في مصر وسوريا وفلسطين، بل سكت عن استهداف الصهاينة للسفينة العسكرية الأميركية” ليبرتي”، الذي أدى لمقتل 34 بحّارًا أميركيا وإصابة 171 آخرين بجروح مختلفة. ويرصد السمّاك في كتابه السابق أن إسرا – ئيل حينما غزت لبنان عام (1982م) كان بين قواتها جنود يهود أميركيون، ذلك بأن اليهودي الأميركي لا يتمتع فقط بحق التصويت السياسي خارج الولايات المتحدة، ولكنه يتمتع أيضًا بحق العمل العسكري داخل صفوف القوات الإسرا – ئيلية المسلّحة، وهو امتياز لا يتمتع به أي مواطن أميركي آخر.
فالدفاع عن إسرا – ئيل ليس مجرد عمل عسكري يتم بقرار سياسي، إذ إن ربط الدفاع عن إسرا – ئيل بعقيدة دينية يجعل أي اعتراض أو أي عرقلة للدفاع عنها ومؤازرتها اعتراضًا على إرادة إلهية وعرقلة لهذه الإرادة.
ومن المواقف المعبّرة عن ذلك قول الرئيس الأميركي الأسبق “جيمي كارتر” (1977 – 1981م) “إن قيام إسرا – ئيل في عام (1948م) يعني العودة أخيرا إلى أرض الميعاد التي أُخرج منها اليهود منذ مئات السنين. وإقامة الأمة الإسرا – ئيلية هو تحقيق للنبوءة التوراتية والتنفيذ الجوهري لها”.
هذه النبوءة التوراتية القديمة هي جزء لا ينفصل من عقيدة المسيحية البروتستانتية التي جاءت كعملية تهويد كبرى للمسيحية، وأصبح الترابط العضوي والفكري بين الجانبين منذ القرن السادس عشر الميلادي وحتى اليوم لا يكاد ينفصل.
أما الرئيس “رونالد ريغان ” (1981 – 1989م) ففي سعيه لكسب الأصوات اليهودية حرص على زيادة الروابط مع المؤسسات اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة قبل موعد الانتخابات الرئاسية، وقام ريغان بتعيين اليهودي مارشال بيرغر مسؤولا عن التنسيق بين لجنة الحملة الانتخابية والمجموعات اليهودية في الولايات المتحدة، وعين اليهودي “ألبرت شبيغل” رئيسا لحملته الانتخابية، وأخذ شبيغل يعرض لليهود سجل ريغان المؤيد لإسرا – ئيل، ومنها حضور ريغان تجمعات مؤيدة لإسرا – ئيل خلال حرب الأيام الستة (= حرب حزيران) في عام (1967م)، عندما كان حاكما لكاليفورنيا. وخلال حملته الانتخابية زار ريغان المنظمة اليهودية بناي بريث في واشنطن في (3 سبتمبر/ ايلول عام 1980م)، وألقى خطابا قال فيه: “إن إسرا – ئيل ليست أمة فقط بل هي رمز ففي دفاعنا عن حق إسرا – ئيل في الوجود إنما ندافع عن ذات القيم التي بنيت على أساسها أمتنا”.
وبعد سقوط الشاه الايراني “محمد رضا بهلوي” عام (1979م) وقبل أنتخابات الرئاسة الأمريكية أدلى ريغان بتصريح لجريدة الواشنطن بوست في (15 أغسطس / آب 1979م)، جاء فيه: “إن أي منظمة إقليمية مؤيدة للغرب لن تكون لها أية قيمة عسكرية حقيقية دون أن تشترك إسرا – ئيل فيها بشكل أو بآخر”.
وكان أهم موضوع في الحملة الانتخابية للمرشح “ريغان” هو مزاعمه بعجز إدارة كارتر في تقدير أهمية (إسرا – ئيل) كرصيد استراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ففي مقالة له في الواشنطن بوست ذكر بأن وضع الولايات المتحدة ستكون أضعف في المنطقة بدون الأرصدة السياسية والعسكرية التي توفرها إسرا – ئيل كقوة مستقرة وكرادع للهيمنة الراديكالية.
في عام (1985م) وقف مندوب إسرا – ئيل بنيامين نتنياهو أمام الأمم المتحدة قائلا “لقد كان هناك شوق قديم في تقاليدنا اليهودية للعودة إلى أرض إسرا – ئيل، وهذا الحلم الذي يراودنا منذ (2000م) عام تفجّرَ من خلال المسيحيين الصهيونيين”.
تُلخّص هذه المقولة من نتنياهو حقيقة العلاقات الصهيونية المسيحية اليهودية فالصهيونية لم تكن قط حركة يهودية فقط، بل كان مبدؤها وداعمها الأكبر المؤمنين بها من المسيحيين الإنجيليين لأهداف دينية متعلقة بتسريع عودة المسيح عليه السلام عند اشتعال معركة “هيرمجدون”، التي لن تحصل إلا بوجود اليهود في فلسطين.
كما لا يمكن نسيان اعتراف الادارة الامريكية بالقدس كعاصمة أبدية لإسرا – ئيل في ادارة الرئيس الامريكي (دونالد ترامب) الاولى عام (2017م)، واحتفاله رسمياً بالعيد اليهودي – الحانوكاه – في البيت الابيض مع اركان ادارته وبحضور بعض الحاخامات الامريكيين في (7 ديسمبر / كانون الاول عام2017م). كما يشير أحد المقالات الى زيارة نائب الرئيس الامريكي السابق “مايك بنس” لإسرا – ئيل في (21 يناير / كانون الثاني 2018م)، ومن ثم تفقده لحائط البراق فيما يسمى ب(حائط المبكى) لابساً القبعة اليهودية (=الكيباه)، كما كان سلفه الرئيس ترامب قد فعل نفس الشيء في زيارته الاخيرة لإسرا – ئيل، وأشار الأمريكيون أيضا إلى أن الحائط الغربي- حائط المبكى (حائط البراق)، والذي يقع في القدس الشرقية سيكون جزءاً من دولة إسرا – ئيل في أي اتفاق سلام؟.
وكان الرئيس الفرنسي ماكرون قد احتفل بالعيد اليهودي (الحانوكاه) رغم الادعاء بأن فرنسا عَلمانية حتى النخاع، وعدها العديد من السياسيين والمؤرخين والمراقبين الفرنسيين بأنها مخالفة صريحة للعلمانية الفرنسية.
الذي حدث في الأشهر الأخيرة بعد عملية 7 اكتوبر 2023م (طوفان الاقصى) هو أنّ المشروع الصهيوني فقد الأمان والاستقرار الذي صنعه على مدى قرنٍ ونصفٍ، المشروع الصهيوني كأنه اليوم فقط قد بدأ. اهتزاز كامل في ماضيه،خلخلة في حاضره، شك في مستقبله، احتمالات النكاسب تتساوى مع احتمالات الخسارة، رهان صعب، مقامرة من نوع جديد.لاسيماعندما وصل الامر بمحكمة العدل الدولية أن أدانت رئيس الوزراء الإسرا – ئيلي (بنيامين نتننياهو) ووزير حربه السابق (يواف غالانت) بارتكاب مجازر حرب بحق الشعب الفلسطيني
وأخيراً يبدو أن بعض زعماء اوروبا بدأوا ينظرون الى الكيان الإسرا – ئيلي الوظيفي بنظرة أخرى بعد الضغط الشعبي الهائل، وبعد أن بانت حقيقة هذا الكيان المغتصب أمام أنظار العالم قاطبة، سيما وأن الذييحكم الكيان الإسرا – ئيلي عصابة يمينية متطرفة جداً لا تألوا جهداً في القضاء على كل بشر وحجر في قطاع غزة والضفة الغربية بل وحتى سوريا ولبنان واليمن وكل من يتصدى لمشروعهم، ولا يألون قتلا وذبحاً وتشريداً وتهجيراً وتجويعاً في هذا الشعب الاعزل أما أنظار زعماء وشعوب العالم المتمدن المتحضر!، في مقابل أن العديد من الساسة الاوروبيين من البرلمانيين ورجال الدين بما فيهم بعض اليهود وغيرهم من أعضاء المجتمع المدني اصحاب الضمائر الحية وقفوا وقفة مشرفة وانسانية أمام حملة الابادة والمجازر الوحشية الصهيونية وداعميهم من زعماء ورؤوساء وزارات دول كأمريكا وايطاليا والمانيا الملطخة أيديها بجرائم الهولوكوست ضد اليهود الالمان والبولنديين والتشيك والمجريين العزل، وكأنهم ينتقمون من ماضيهم السىء الملىء بالاجرام والعنف والقسوة تجاه مخالفيهم في العرق والدين والمذهب، عن طريق دعم الآلة العسكرية الجهنمية الصهيو – غربية ضد الفلسطينيين الابرياء العزل، حيث يتساوى أمامهم الضحية والجلاد، بل وصلت الامور الى الطلب من الجلاد ايقاع المزيد من القتل والذبح والترويع بالفلسطينيين كحالة نفسية لا شعورية تصيبهم كلما ذكروا الهولوكوست، وكأنهم بهذا العمل الشيطاني الخبيث يحاولون اراحة أنفسهم وضمائرهم المثقلة بالسادية وتأنيب الضمير. لذلك بدأ بعض قادة الدول التي زرعوا هذا الكيان السرطاني في قلب الجسم الاسلامي بمراجعة انفسهم ليس عن طريق ادانة آلة القتل والذبح والتشريد الصهيونية، ولكن عن طريق التلويح بأنه اذا لم يتوقف العنف(= بمساواة الجلاد والضحية؟)، فإنهم سعترفون بدولة فلسطينية قابلة بالبقاء امام الكيان الإسرا – ئيلي، والامثلة واضحة لفرنسا وبريطانيا وكندا.
أما غيرها من الدول الاوروبية كإيرلنده واسبانيا فمواقفها مشكورة بسبب كاثوليكيتها كعقيدة مسيحية ضد اليهد كقتلة السيد المسيح( عليه السلام) حسب تصورهم، ومعرفتهام بجذور الحركة الصهيونية، لان اسبانيا طردت جميع يهودها في القرنين السادس والسابع عشر، حيث آواهم المسلمون من العرب والبربر والعثمانيون على حدٍ سواء، وهذا جزاء سنمار، والله غالب على أمره.



