المقالات

المنهج العقائدي والفكري في العهد الأيوبي

د. علي محمد الصلابي

كانت العودة إلى هوية الأمَّة المسلمة، وإلى عقيدة أهل السنة، والجماعة، من أبرز معالم التجديد في العهد الزنكي والأيوبي، ولقد طال الانحراف، وانتشرت البدع، تحميها دولة ظالمةٌ وعلى رأسها مجموعة من الوزراء الفاسدين، وهي الدولة الفاطمية بمصر، فكانت العودة إلى تحكيم القرآن، والسنة النبويةـ من أضخم منجزات الدَّولتين النورية والصلاحية؛ فقد أُقيم العدل، وقُمعت البدع، وصبغت الدولة بالصِّبغة الإسلامية الصَّافية.

  • عقيدة الدولة الأيوبية وانتصارها لمذهب أهل السنة والجماعة

سار صلاح الدين الأيوبي (رحمه الله) على نهج نور الدين زنكي (رحمه الله) بتطبيق الشرع في سائر أمور الدولة، وتنفيذ العدل، وقضى على المظالم، وكان يشرف بنفسه لرفع المظالم، واعتمد في ذلك على القضاة، والفقهاء. وكان صلاح الدين قد اتصف بالإيمان، والعبادة، والتقوى، والخشية من الله، والثقة به، والالتجاء إليه، وكان حسن العقيدة، كثير الذكر لله تعالى، وصبغ دولته بعقيدة أهل السنة والجماعة التي بيَّنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)،  وسار على نهجها الخلفاء الراشدون، واستمرَّ الأيوبيون بعد وفاة صلاح الدين على هذه العقيدة.

 

وكان صلاح الدين (رحمه الله) كثير التعظيم لشعائر الدين الإسلامي، وكان مُبغضاً للفلاسفة وفرق الكلام، ومن يجادل بالشريعة السمحة، وإذا سمع عن مُعاند ملحدٍ في سلطنته كان يأمر بمقاضاته، ولقد أضعف المذهب الشيعي الإسماعيلي، واستطاع أن ينفذ المخطط الذي وضعه نور الدين زنكي للقضاء على الدولة الفاطمية العبيدية، وعمل على محاربة العقائد والمذاهب الفاسدة في مصر، وإعادة الفكر الإسلامي الصحيح إليها عبر إستراتيجيةٍ واضحة، حيث استفادت الدولة الأيوبية من الجهود العلمية، والوسائل الدعوية من الدولة السَّلجوقية، والزنكية، والغزنوية. فالدَّولة الأيوبية جاءت بعد دول سنية ساهمت في نشر القرآن، والسنة النبوية في ربوع العالم الإسلامي. وقد اهتم صلاح الدين الأيوبي بالمحافظة على أصول العقيدة الإسلامية على مذهب أهل السنة، ونهجوا منهج المذهب الأشعري، وحرصوا على محاربة أيَّ انحراف عنها. وكان أكثر الأيوبيين عارفين بأصول هذه العقيدة، وقد حرص صلاح الدين وخلفائه على أن تكون عقيدة أهل السنة هي ذات النفوذ في المؤسسات الفكرية؛ التي أنشأها في سلطنته (التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني، عبد المجيد بدوي، ص246).

 

 

 

 

  • توسُّع الأيوبيين في إنشاء المدارس السُّنِّيَّة:

بدأت هذه المرحلة عام 572هـ/1176م أيّ: بعد تمكن صلاح الدين (رحمه الله) من إخضاع معظم الشام لسلطانه، ثم عوده إلى مصر لتدبير شؤونها، ففي هذا العام أمر ببناء مدرستين: إحداهما للشَّافعية عند قبر الإمام الشافعي، عُرفت بالمدرسة الصلاحية، والثانية للحنفية. وتوالى بعد ذلك إنشاء المدارس السنية في أماكن متعدِّدة من القاهرة وغيرها من البلاد من قبل أمراء الأيوبيين وأعوانهم، ولن نستطيع الحديث عن كل هذه المدارس لكثرتها؛ إذ أصبح إنشاء المدارس الإصلاحية والوقفية سُنةً متَّبعةً من قبل قادة وأعيان الدولة في هذه الفترة رجالاً، ونساءً، وإنما سنركز حديثنا حول أشهر المدارس؛ التي كان لها دورٌ في عملية التَّحويل الكبير للبيئة، من المذهب الشِّيعي إلى المذهب السني.

1 ـ المدرسة الصلاحية

بدأ بناء هذه المدرسة عام 572هـ/1176م عند ضريح الإمام الشافعي، وكان وقفاً على الشَّافعية. ويصفها السيوطي بقوله: إنها تاج المدارس، ثم يذكر: أنَّ التدريس بها أسند للعالم الزاهد نجم الدين الخبوشاني، وقد زار ابن جبير هذه المدرسة، في أواخر ذي الحجة من عام 578هـ/1183م، وكان العمل في توسعتها ما يزال مستمراً. وقد ذكر ابن جبير: أنَّ هذه المدرسة لم يعمر مثلها في هذه البلاد، وليس لها نظير في سعة المساحة، والحفاوة بالبناء، يخيل لمن يطوف عليها: أنها بلدٌ مستقلٌّ بذاته، والنفقة عليها لا تحصى، تولى ذلك بنفسه الشيخ الخبوشاني، وسلطان هذه الجهات صلاح الدين يسمح له بذلك، ويقول: زد احتفالاً، وتأنقاً، وعلينا القيام بمؤونة ذلك، وذكر ابن جبير: أنه حرص على لقاء الخبوشاني، لأنَّ أمره كان مشهوراً بالأندلس، ولعلَّ في إشارة ابن جبير ما يؤكد: أن صلاح الدين كان يتخيَّر أساتذة مدارسه من أهل العلم، والفضل، والصلاح، ومن بين من ظهرت شهرتهم في العالم الإسلامي؛ حتى تتحقَّق على أيديهم الأهداف؛ التي يسعى إليها، وحتى يكونوا عنصر جذب لطلاب العلم من جميع أنحاء العالم الإسلامي(المواعظ والاعتبار،أبي العباس المقريزي،م1/427ص).

2 ـ مدرسة المشهد الحسيني

بنى صلاح الدين (رحمه الله) مدرسة بالقاهرة بجوار المشهد المنسوب، ظلماً وزوراً إلى الحسين، وجعل عليها وقفاً كبيراً، كما أشار المقريزي إليها أثناء حديثه عن المشهد الحسيني، فقال: ولما ملك السلطان الناصر جعل به حلقة تدريس، وفقهاء، فوّضها للفقيه: البهاء الدمشقي، وكان يجلس عند المحراب الذي الضريح خلفه، فلما وزر معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ (للملك الكامل)، جمع من أوقافه ما بنى به إيوان التدريس الآن، وبيوت الفقهاء العلوية، إذا كان الهدف الذي ابتغاه صلاح الدين (رحمه الله) من زرع المدارس السنية في مصر هو التمكين لمذهب السنة؛ فإنَّ لإنشاء هذه المدرسة في داخل المشهد الحسيني مغزىً خاصَّاً، فقد كان من المعاقل الأخيرة التي يلجأ إليها بقايا الشيعة في مصر، ومن استطاع الفاطميُّون أن يستميلوا عواطفهم من عوام أهل السنة، ولذا كان من الضروري أن توجدمدرسةٌ في هذا المكان لتعليم الدين الصحيح، ومحاربة ما نشره الفاطميُّون من بدع.

3 ـ المدرسة الفاضلية

ومن المدارس الهامة التي أنشئت في هذا العصر المدرسة الفاضلية؛ التي بناها القاضي الفاضل سنة 580هـ/1184م ووقفها على الشَّافعية، والمالكية، وخصَّص إحدى قاعاتها لإقراء القران الكريم، وتعليم علم القراءات على الإمام القاسم أبي محمد الشاطبي (صاحب الشاطبية: ت596هـ/1294م) ووقف على هذه المدرسة عدداً كبيراً من الكتب، قيل: إنها بلغت مئة ألف كتاب، وجعل إلى جانبها كتَّاباً وقفه على تعليم الأيتام. ووصف المقريزي هذه المدرسة بقوله: وكانت هذه المدرسة من أعظم مدارس القاهرة، وأجلِّها، كما بنى السلطان العادل (أخو صلاح الدين) مدرسة للمالكية، وكذلك فعل وزيره صفي الدين عبد الله بن شكر (ت630هـ/1232م) إذ أقام مدرسة للمالكيَّة في موضع دار الوزير الفاطمي يعقوب بن كلِّس، وكان ابن شاكر عالماً متفقهاً على مذهب الإمام مالك.

4 ـ دار الحديث الكامليَّة

وكان للملك الكامل بن العادل (رحمه الله) شغف بسماع الحديث الشريف، كما كان معظِّماً للسنَّة، وأهلها، راغباً في نشرها، فأنشأ بالقاهرة أول دار لتدريس الحديث، وهي: المدرسة الكاملية وذلك في عام 622هـ/1225م، ووقفها على المشتغلين بالحديث النبوي، ثم من بعدهم على الفقهاء الشَّافعية، وأسند مشيختها إلى الحافظ عمر بن حسن الأندلسي (المعروف بابن دحية: ت633هـ/1235م)، وكان عالماً بصيراً بالحديث، ومعتنياً به، وتأدَّب الملك الكامل على يديه.(صلاح الدين الايوبي، علي الصلابي،  ص212).

5 ـ المدرسة الصَّالحية

المدرسة التي بناها الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل (رحمه الله)، فقد أقامها مكان قصر الفاطميين الشرقي، وشرع في إنشائها عام 639هـ/1241م، مستوحياً فكرتها من المدرسة المستنصرية، حيث وقَفها على المذاهب الأربعة، ورتب فيها دروساً لهذه المذاهب في عام 641هـ/1243م. يقول المقريزي عنه: وهو أول من عمل بديار مصر دروساً أربعة في مكان، وتأتي أهمية هذه المدرسة في أنها أتاحت الفرصة للحنابلة كي يسهموا بجهودهم في حركة الإحياء السني في مصر ، ذلك أنَّهم حتى تاريخ إنشاء هذه المدرسة كانوا الفئة الوحيدة ـ من بين طوائف السنة ـ التي لم يهتمَّ الأيوبيون الأوَّلون بإنشاء مدارس لها ، ولعل السرَّ في عدم الاهتمام بأمرهم: أنهم كانوا قلَّة نادرةً.

 

 

 

 

لم تكن جهود الأيوبيين ـ في إنشاء المدارس ـ مقصورة على القاهرة وحدها، وإنما امتدَّت إلى مدن أخرى في مصر وفي الشام وجميع مناطق السلطنة؛ في الفيُّوم أنشأ تقي الدين عمر مدرستين: إحداهما للشَّافعية، والأخرى للمالكية، وأنشأ صلاح الدين مدرسة للشافعية بمدينة الإسكندرية عام 577هـ/1181م، وكانت الأوقاف الكثيرة، وتيسير سبل المعيشة في هذه المدارس للأساتذة، والطلاب إحدى الوسائل الهامة التي أسهمت في جذب العلماء، وطلاب العلم إلى مصر، وقد كان من المتَّبع عند تأسيس أيِّ مدرسة أن يوقف عليها ما يكفي لاستمرار الحياة العلمية بها.

لم يكتف صلاح الدين بإنشاء المدارس؛ وإنما كان حريصاً أيضاً على جذب علماء السنة إليها من جميع أنحاء العالم الإسلامي؛ كي يشاركوا بجهودهم في هذا الإحياء الفكري، بعد أن كرَّس الفاطميُّون جهودهم للقضاء على علماء السنة في مصر، وأفنوا من كان بها من أئمَّة المذاهب الثلاثة؛ قتلاً، ونفياً، وتشريداً، حتى إذا سقطت دولتهم؛ تراجع العلماء من سائر المذاهب السنية إليها، وكانت جهود صلاح الدين أكبر مشجع لهذه الهجرات التي قام بها العلماء السنيون إلى مصر(حسن المحاضرة، جلال الدين السيوطي،1م/ ص480).

تمكَّن صلاح الدين، وخلفاؤه بفضل جهودهم في جذب علماء السنة إلى مصر من أن يُخرجوها من عزلتها الفكرية، وأن يعيدوا صلتها الوثيقة بمراكز الثقافة السنية في العالم الإسلامي: كبغداد، ودمشق، وقرطبة بعد أن قطع الفاطميُّون كلَّ صلةٍ لها بهذه المراكز، وتخلَّف عطاء مصر في مجال الفكر السني ما يزيد عن القرنين ونصف من الزَّمان.

 

 

المصادر والمراجع:

1ـ المواعظ والاعتبار، أبي العباس المقريزي، مجلد1، ط1، مؤسسة الحلبي للنشر، القاهرة، مصر،1970م.

2ـ صلاح الدين الأيوبي، علي الصلابي، ط1، دار ابن كثير، دمشق، سوريا، 2009م.

3ـ حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، جلال الدين السيوطي، مجلد1، ط1 دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، مصر 1967م.

4ـ التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني، عبد المجيد بدوي، ط2، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، 1988م.

د.على الصلابي

اترك تعليقاً