البحوث

إحياء الاسلام بين أحمد خان الهندي وجمال الدين الأفغاني

دراسة تحليلية مقارنة

تمهيد: لمحة عن حركات الاصلاح والنهضة في التاريح الاسلامي

لقد برزت حركات الاصلاح الاسلامي في الربع الاخير من القرن التاسع عشر الميلادي في كل من الهند  والدولة العثمانية  ومصر ومناطق أخرى من العالم الاسلامي، لاسيما وأن روادها قد انبهروا بالحضارة الغربية، وأن أجزاء عديدة من العالم الاسلامي قد وقعت فريسة للاستعمار الاوروبي؛ لذا حاول هؤلاء المصلحون القيام بحركة موائمة بين الاسلام ومتطلبات العصر، أي التوفيق بين الحياة والفكر الاسلاميين وبين مطالب الحضارة الغربية الحديثة.

وحركة الاحياء اتجاه نشأ في العالم الإسلامي في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، يسعى إلى محاولة إيجاد مصالحة بين الإسلام وبين الفكر الغربي المعاصر، عن طريق إعادة النظر في تعاليم الإسلام ونصوصه وتأويلها تأويلا جديدًا ينسجم مع المعارف والأوضاع العصرية السائدة. إنه اتجاه يسعى إلى محاولة التوفيق بين الدين والعصر الحديث بإعادة تأويل الدين وتفسير تعاليمه في ضوء المعارف العصرية السائدة.

وقد تناول عدد من الباحثين هذه الظاهرة بالعرض والتحليل واستعمل بعضهم مصطلح العصرانية Modernism لوصفها، وإن كان عدد من الكتاب قد فضل استعمال لفظ” التجدد أو التطوير أو  التحديث، أو  الاحياء” أحيانًا، وأحيانًا لفظ التجديد.

والعصرانية لا تعني مجرد الانتماء إلى العصر، بل تعني وجهة نظر في الدين مبنية على الاعتقاد بأن التقدم العلمي والثقافة المعاصرة يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة، ولو أدى ذلك إلى تطويع مبادئ الدين وأحكامه لقيم الحضارة الغربية ومفاهيمها وإخضاعها لتصوراتها ووجهة نظرها في شؤون الحياة.

فقد ظهر في الهند السير أحمد خان الهندي(1817 – 1890م)، وهو أحد كبار الشخصيات الاسلامية في الهند، وكان هذا الشخص يحاول القيام بحركة تجديدية في الاسلام لأن الانكليز كانوا قد سيطروا على الهند بعد ثورة عام1857م، وألغوا الحكم المغولي وخفضوا رتبة المسلمين؛ وهذا ما أدى الى أن المسلمون قد همشوا في المجتمع الهندي الى درجة كبيرة، سيما وأنهم أقلية بالنسبة الى الغالبية الهندوسية، وكان قد تراكم لدى الكثير من السكان الهندوس الشعور بالنقص الذين كانوا خاضعين لحكم المسلمين لسبعة قرون خلت، وهكذا أصبح المسلمون فجأة معرَّضين للخطر الشديد، خاصة بعد أن حمل البريطانيون المسلمين اللوم عن أحداث ثورة 1857م. لا يمكن نسيان جحافل المبشرين والمستشرقين الذين كانوا يجوبون الهند شمالاً وجنوباً للانتقاص من الاسلام وعده ديناً لا يصلح للوقت الحاضر[1].

وقد ساند السير احمد خان في اتجاهه  الاصلاحي كل من  تلميذيه شراغ علي( 1844 – 1895م)، والسيد أمير علي(1849 – 1928م)، غير ان الكثير من علماء المسلمين في الهند سموا هذه الحركة بالاعتزال الجديد؛ بسبب افتتان السيد احمد خان بالعلم الطبيعي والحضارة الغربية المادية؛ لذلك أنشأ الانكليز لهم عدة جمعيات ومعاهد لدعم فكرتهم مثل كلية عليكره عام 1875م، التي تستند على تفسير القرآن الكريم على أساس طبيعي، يناقض تماماً القول بالمعجزات وخوارق العادات، بالاضافة الى القول بأن النبوة غاية تحصل وتكتسب عن طريق الرياضة النفسية[2].  وكان من تداعيات هذه الحركة ظهور الحركة القاديانية في الهند  بزعامة الميرزا غلام أحمد القادياني(1835 – 1908م)، الذي أدعى التجديد في البداية، ثم إدعى بأنه المهدي، وزعم أنه المسيح الموعود، ثم تدرج في أفكاره الى أن إدعى النبوة بدعم من الانكليز.

وفي الوقت نفسه فقد ظهر السيد جمال الدين الافغاني (1838 – 1897م) في الدولة العثمانية ودعا الى حركة إصلاح شاملة في جميع الميادين على أمل اللحاق بالركب الاوروبي المتطور، وسانده في ذلك تلميذه الشيخ محمد عبده(1849 –1905م) مفتي الديار المصرية الذي حاول هو الاخر القيام بحركة إصلاح في مؤسسات الازهر والقيام بغربلة المناهج الدراسية القائمة على المتون القديمة غير الملائمة للعصر الحديث، ومحاولة غربلتها وتجديدها بما لا يخرج عن نطاق الكتاب والسنة النبوية الصحيحة، لذلك لقي الرجلان معارضة شديدة من علماء المسلمين التقليديين[3].

وكان من نتئج هذه الحركة ظهور حركات الاحياء الاسلامي المتمثلة في المناداة بالجامعة الاسلامية بزعامة السلطان عبدالحميد الثاني(1867 – 1909م)، والحركة السلفية بقيادة الشيخ محمد رشيد رضا(1875 – 1935م) منشىء مجلة المنار، وحركة الاخوان المسلمين في مصر بقيادة الشيخ حسن البنا(1906 – 1949م) فيما بعد وغيرها.

المبحث الاول، حركة احياء أحمد خان الهندي ونتائجها

ولد سيد أحمد خان في دلهي في السابع عشر من تشرين الثاني سنة 1817م، وهو سليل عائلة أرستقراطية نبيلة رحل أجداده من بلاد العرب الى هراة ومن هراة الى دلهي في عهد أكبر شاه ، أي الفترة التي كانت تحكم فيها الأسرة المغولية في الهند، والده ثقفه ثقافة دينية سائرا على عادة أهل زمانه، حيث حفظ سيد احمد خان القرآن الكريم وهو في سن صغيرة كبقية صغارالمسلمين في الهند، ثم أخذ بقراءة بعض الكتب والدواوين الشعرية لشعراء مشهورين ومنهم الشاعر والمتصوف الفارسي سعدي الشيرازي وهما (كلستان وبوستان)، ثم أخذ في قراءة اللغة العربية فقرأ كتاب شرح وتهذيب مختصر المعاني وكتاب المطول، ثم انعطف لقراءة العلوم الرياضية[4].

في عام ١٨٣٧م توفي والده وكان سن سيد احمد خان الحادية والعشرين، فقطعت الحكومة المغولية ما كان مخصصا لوالده من الرواتب الا نزرا يسيرا كانت تدفعه لوالدته، كما وضعت الحكومة يدها على الأملاك التي كانت لوالده والتي كانت ملكيتها متصله بحياته وبموت الوالد خرجت الأملاك من أيديهم، وامام هذه الظروف اضطر سيد احمد خان للإعتماد على نفسه . لتحصيل رزقة وتدبير أمور معشيته، فالتحق عام 1837م بخدمة الحكومة أمينا للسجلات في القلم الجنائي في دلهي، ثم تدرج في المناصب الى أن عين قاضيا مدنيا في مدينة فاتح بوز من إقليم أكرا ثم جعلته قاضياً في مدينة بنجور، إلا ان عمله كقاضٍ لم يمنعه من المطالعة والتأليف والنشر فعرف السلطان المغولي الاخير بهادر شاه قيمته ومكانته وفضله فأنعم عليه بلقب فخري هو (جواد الدولة ) وأضاف اليه لقبًا آخر وهوعارف جنك عام ١٨٤٢م ، وألف سيد أحمد كتابًا سماه (آثار الصناديد )، الذي شاع ذكره في ذلك الوقت وترجم الى اللغتين الانكليزية والفرنسية وهو عباره عن كتاب بحث فيه آثار مدينة دلهي ومبانيها القديمة، وبناءً على هذا الكتاب قررت الجمعية الملكية الآسيوية في لندن جعله عضوًا فخريًا فيها وأرسلت إليه إشعارًا بذلك.

وكان للسيد احمد خان موقف من الثورة الهندية التي قادها المسلمون عام 1857م وبالتالي من الانكليز حيث يقول بهذا الصدد:” انظروا الى انكلترا، لقد كانت ثروتها تتمشى يوما فيوماً مع تربيتها، كلما زادث ثروتها زادت تربيتها، وقد كانت منذ قرن وأمامها الكثير من الصعاب والعقبات التي تعوق التربية أكثر مما عندنا، ولم يكن إذ ذاك لها سكك حديد وآلات ميكانيكية للطباعة ولا نحو ذلك،إنما كلن لها سعة نظر وقوة إرادة.لو أن الهند سنة1857م تعرف العالم وتعرف قوتها وقوة خصمها من الانكليز، وتزن الأمور بميزان صحيح وتدرك كالج الأمور، ما حدثت الحوادث الأليمة التي حدثت سنة  ١٨٥٨ـ ألا إن الجهل سبب لكل شر . وأول ما بدأ به خطته في التربية إنشاؤه جمعية أدبية علمية في عليكره ـ حيث كان قاضيا بها سنـة ١٨٦١م كان الغرض منها نشر الآراء الحديثة في التاريخ والاقتصاد والعلوم، وترجمة أهم الكتب الإنكليزية في هذه الموضوعات إلى اللغة الأردية، وقد كان يرى أن تعلم هـذه العلوم باللغة الإنكليزية لا يكفى في تثقيف عدد قليل لا يجزى، إنما الذي يفيد فائدة كبرى نقل هذه العلوم إلى لغة البلاد حتى يشترك في فهمها والاستفادة منها أكبر عدد ممكن . ولذلك كانت خطته التي بدأ بها وسار عليها، نقل هذه الكتب الهامة من اللغة الإنكليزية إلى الأوردية ، ولم يمنعه إعجابه بالإنكليز ولغتهم وثقافتهم من أن يكون صلبا حازماً شديداً في طلبه نقـل الكتب الإنكليزية للشعب، لا نقل الشعب للغة الإنكليزية [5].

وشجع الانكليز السيد أحمد خان على زيارة انكلترا فأكرموه لاعتباره من أعيان البلد وحدث حادث كان له أكبر الأثر في إصلاحه، ذلك أنه في سنة 1869م، وهو في نمو الثانية والخمسين من عمره ، تقرر إرسال ابنه  محمود  إلى انكلترا ـ عضو بعثة ـ فانتهزها السيد أحمد فرصة وسافر معه ؛ وحدثت له على السفينة طرائف روبت عنه ، من أحاديث في الدين تحدث بها مع أصدقائه من الإنكليز تدل على غيرته على الإسلام مع سمة عقل ، وابتهج حين مروره على شاطی’ جزيرة العرب لأنها مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم  [6].

وكان السيد احمد عندما نزل إنكلترا قابل كثيراً من عظمائها وشخصياتها، منها الملكة فكتوريا (1837 – 1901م) فضلاً عن االكاتب الاسكتلندي المعروف توماس كارليل (1795 – 1881م)، وقد حدثه السيد طويلا عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولعله كان لذلك الاثر المحمود في كتابة كارليل، الفصل البديع عن محمد البطل في كتابه ( الأبطال )، وأخذ السيد يدرس نظم التربية في انكلترا، ولفت نظره تربية الإنكليز للشعب أكثر مما لقت نظره تربيتهم للخامة من المتعلمين . لقد دون إعجابه يخادمة للمنزل تقرأ وتكتب، وبربة المنزل لها رأى في السياسة العامة، وبالحوذي يقرأ الجريدة ويحتفظ بها ليتم قراءتها عند انتظار راكب . ونادى إذ ذاك بفكرته المتقلبة على ذهنه قائلا : ” إن الذين يريدون إصلاح الهند الحقيقي يجب أن يجعلوا نصب أعينهم نقل العلوم والفنون والآداب الأوروبية إلى لغة البلاد الأصلية، وأحب أن يكتب هـذا الرأي بأحرف كبيرة جدا على جبال الهملايا لتذكره الأجيال القادمة . إن تقدم الغربيين إنما جاء من أنهم عالجوا الآداب والعلوم بلغتهم ، ولو كانت العلوم والفنون تعلم في انلترا باللغة اللاتينية أو اليونانية أو العربية أو الفارسية لظلوا جاهلين جهل الهند ثما لم نهضم العلوم والفنون وتتمثلها بلغتنا فسنظل في حالتنا السيئة ” [7].

وشهد النصف الثانيّ من القرن التاسع عشر فترة ثرية مع قيام مجموعة كبيرة من المفكرين المسلمين في أنحاء مختلفة من العالم، بفحص أصول التشريع الإسلاميّ دينيًا، وارتكزت المشكلات الدينيّة في قلب هذه الفحوصات على صلاحية المعرفة المستقاة من المصادر خارج القرآن، كالسنة النبوية، ومنهجية مصادر التشريع التقليدية من الاجماع والقياس، وتمثلت الخطوة الإبستمولوجيّة(= المعرفية) التي قام بها هؤلاء في إعادة تفسير القرآن والحديث النبوي وتغيير الإجماع والقياس في ضوء العقلانية العلمية، ومن بين هؤلاء الذين كان لهم تأثير عميق في اتجاه الإصلاح: الأفغاني وسيّد أحمد خان ومحمد عبده وأمير علي؛ لقد أعجب هؤلاء بالتقدّم العلمي الذي أحرزه الغرب، وحاولوا الدفاع عن عالمية الإسلام، وكونه على استيعاب البيئة المتغيّرة في كلّ عصر[8].

اجتهد سيد أحمد خان في مجال الإصلاح الاجتماعيّ ودعا الناس إلى أنْ يتركوا العادات والأعراف التي تحول بينهم وبين التقدّم الاجتماعيّ، وحثّهم على أنْ يعتنقوا طريقة علميّة جديدة في شؤون حياتهم، ونصحهم أن يوسّعوا أفق تفكيرهم ويخرجوا من قيود التقاليد البالية والأعراف الزائفة، وصرّح “بأنّ أي شعبٍ لا يمكن له أن يتمتّع بالحياة المتحضّرة القويمة ما لم يتحرر من القيود التي تحدق به من كل جانب، كما حض على التخلص من المعتقدات الدينيّة التي لا صلة لها بالدين الحقيقيّ ، فالمعتقدات الدينيّة الجوفاء دائمًا ما تقف عقبة في طريق الحضارة، وبصورة خاصة المعتقدات الخرافية. وركز خان على ضرورة تربية النشء تربية علميّة صحيحة، وتثقيف النساء وتعليمهم بعض الحرف، وعليهم بذل كلّ الوسائل لتيسير العملية التعليمية، لأنّ ذلك من شأنه أنْ يطوّر الفنون والصناعات المختلفة، وأصدر لذلك مجلة (تهذيب الأخلاق) استهدف من خلالها تحفيز المسلمين في الهند، لإدراك قضايا العصر الحديث، وإصلاح ما فسد من أفكار توهن حيويّة المجتمع.  إنّ النظرة الاولى الى عناوين المقالات التي كتبها السيد أحمد خان في هذه المجلة تقفنا على طبيعة نشاطاته وتأثيرها في مجال الإصلاح الاجتماعيّ، إذ يوضّح بعض هذه المقالات دائرة نشاطه وأبعاد حركته الإصلاحية، ويمكن الاشارة الى بعض تلك العناوين لنعرف مدى تقاطعه مع المفكرين والمصلحين الذين سبقوه سواءً في شبه القارة الهندية أو في غيرها من دول وكيانات العالم الاسلامي : “الثقافة – التعليم- التقاليد والمراسم- الثقة بالنفس- التضامن الوطني- حرية الفكر والرأي- التظاهر الكاذب- العصبيّة- حقوق المرأة- الاستعباد”، وغير ذلك من جوانب الحياة الاجتماعيّة.

عندما لاحظ السيد أحمد خان تدني وضع المسلمين المادي والمعنوي ونظر إلى انعدام كفاءتهم المعرفية وغياب أهليتهم الحضارية للحصول على حقوقهم من المستعمر البريطاني، تأكد أن الخطيئة مرتكَبة من الضحية لا من الجاني، وأنه لا يمكن ردّ حق أول من يهدره هم أهله، فألزم نفسه بالابتعاد عن التحريض السياسي وتهييج الناس والرمي بهم عرضة للبطش الإنكليزي وللمزيد من تردي أحوالهم. ابتعد عن كل ذلك ليكرس عمله للتربية ولتعليم وتهذيب النفوس باللأخلاق العالية وتنوير العقول بالعلوم والمعارف. هذه هي (اللعنة السياسية) التي تحدث عنها الإمام محمد عبده، وهذا هو المبدأ الإصلاحي الذي بلوره في ما بعد المفكر المصلح الجزائري مالك بن نبي (1905م-1973م)، وما بات يعرف بقابلية الاستعمار.

وكان السيد أحمد خان الهندي شخصية مثيرة للجدل نظراً لافكاره الجريئة ومواقفه التي طرحها  في الساحة في منتصف القرن التاسع عشر، سواءً في تعاونه مع المحتل البريطاني لبلده الهند وخاصة إبان ثورة عام1857م، أو في ضوء تصوره للوحي القرآني والتفسير الذي قدمه للقرآن الكريم وأنكر فيه المعجزات والكثير من الغيبيات، لذلك يعده العديد من الباحثين العرب والمسلمين من المفكرين الممالئين للاستعمار أو بالاحرى من أصحاب الاتجاه العلماني التغريبي، رغم أنه يعد مصلحاً  كبيراً بنظر مفكرين آخرين محسوبين على الاتجاه العلماني بشقيه المعتدل أو الراديكالي.

فتذكر مجلة العروة الوثقى ـ للسيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده ـ التي صدر العدد الأول منها في مدينة باريس في 13 مارس/ آذار عام 1884م وانتهت بالعدد الثامن عشر في 17 أكتوبر/تشرين الاول عام 1884م،  وفي أحد أعدادها وصفاً لهدف الحركة التقدمية التي قام بها السيد أحمد خان في الهند فتقول: “… لما استقرت أقدامهم – الانجليز – في الهند وألقوا به عصاهم ومحيت آثار السلطنة التيمورية (نسبة إلى تيمورلنك مؤسس دولة المغول في القرن السادس عشر الميلادي)، نظروا إلى البلاد نظرة ثانية فوجدوا فيها خمسين مليوناً من المسلمين، كل واحد منهم مجروح الفؤاد بزوال ملكهم العظيم، وهم يتصلون بملايين كثيرة من المسلمين شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وأحسوا أن المسلمين ما داموا على دينهم وما دام القرآن يتلى بينهم فمحال أن يخلصوا في الخضوع لسلطة أجنبي عنهم . خصوصا إن كان ذلك الأجنبي خطف الملك منهم بالخديعة أو المكر تحت ستار المحبة والصداقة . فطفقوا يفتشون بكل وسيلة لتوهين الاعتقاد الإسلامي وحملوا القسس والرؤساء الروحانيين على كتابة الكتب و نشر الرسائل محشوة بالطعن في الديانة الإسلامية مفعمة بالشتائم والسباب لصاحب الشريعة ـ برأه الله ماقالوا ـ فأتوا من هذا العمل الشنيع ما تنفر منه الطباع ولا يمكن معه لذي غيرة أن يقيم على أرض تنتشر فيها تلك الكتب، وأن يسكن تحت سماء تشرق شمسها على مرتكبى ذلك الافك العظيم “[9].

ويشير المصلحان في المجلة بأن غاية المستعمر الانكليزي والسائرين في ركابه هو إضعاف العقيدة الاسلامية في نفوس المسلمين وحملهم على اعتناق ما يراه المستعمر مناسباً لهم والقضاء على موارد المسلمين الاقتصادية سواءً في السيطرة على موارد الاوقاف والمدارس الاسلامية،” وما قصدهم بذلك إلا توهين عقائد المسلمين وحملهم على التدين بمذهب الانكليز، هذا من جهة  ومن جهة أخرى أخذوا في تضييق سبل المعيشة على المسلمين وتشديد الوطأة عليهم والإضرار بهم من كل وجه  فضربوا على أيديهم في الأعمال العامة وسلبوا أوقاف المساجد والمدارس، و نفوا علماءهم وعظمائهم إلى جزائر ( إندومان) و(فلفلان )، رجاء أن تفيدهم هذه الوسيلة إن لم تفدهم الأولى – في رد المسلمين عن دينهم بإسقاطهم في أغوار الجهل بعقائدهم حتى يذهلوا عما فرضه الله عليهم . فلما خاب أمل أولئك الحكام الجائرين في الوسيلة الأولى وطال عليهم الأمد في الاستفادة من الثانية ـ نزعوا إلى تدبير آخر في إزالة الدين الإسلامي من أرض الهند أو إضعافه ؛ لأنهم لا يخافون إلا من المسلمين أصحاب ذلك الملك المنهوب والحق المسلوب. فاتفق أن رجلا اسمه أحمد خان بهادور ( لقب تعظيم في الهندم) كان يحوم حول الانكليز لينال فائدة من لديهم ، فعرض نفسه عليهم وخطا بعض خطوات لخلع دينه، والتدين بالمذهب الإنجليزي وبدأ الأمر بكتابة كتاب يثبت فيه أن التوراة والانجيل ليسا محرفين ولا مبدلين، لينال بذلك الزلفي عندهم . ثم راجع نفسه فرأى أن الإنجليز لن يرضوا عنه حتى يقول : إنى نصراني،  وأن هذا العمل الحقير لايؤتى عليه أجراً جزيلا، خصوصا وقد أتى بمثل كتابه ألوف من القسس والبطارقة . وما أمكنهم أن يحولوا من المسلمين عن الدين أشخاصا معدودة، فأخذ طريقا آخر في خدمة حكامه الإنجليز بتفريق كلمة المسلمين و تبديد شملهم [10].

ويبدو أن السيد جمال الدين الافغاني هاجم السيد أحمد خان بشدة من خلال الاطلاع بنفسه على أوضاع المسلمين فيها إثر زيارته الى الهند عام1879م واطلاعه على الاحوال عن كثب حيث يقول بخصوص مذهب الطبيعيين:” فظهر بمظهر الطبيعيين الدهريين  ونادى بأن لا وجود إلا للطبيعة العمياء، و ليس لهذا الكون إله حكيم ـ  وإن هذا إلا الضلال المبين ـ وأن جميع الأنبياء كانوا طبيعيين لا يعتقدون بالإله الذي جاءت به الشرائع – و نعوذ بالله – و لقب نفسه بالطبيعي. وأخذ يغرى أبناء الأغنياء من الشبان الطائشين فمال إليه أشخاص منهم، تملصا من قيود الشرع الشريف وسعياً خلف الشهوات البهيمية فراق لحكام الإنجليز مشربه ورأوا فيه خير وسيلة لإفساد قلوب المسلمين فأخذوا في تعزيزه و تكريمه، وساعدوه على بناء مدرسة في عليكره، وسموها مدرسية المحمديين، لتكون فخاً يصيدون به أبناء المؤمنين ليربوهم على أفكار هذا الرجل أحمد خان بهادور[11].

وكان السيد أحمد خان قد ألف تفسيراً للقرآن الحكيم سماه (تفهيم) من عدة أجزاء وصل فيه الى سورة النحل في رواية، والى سورة الكهف في رواية أخرى، حيث يعلق السيد الافغاني على ذلك بقوله:” كتب أحمد خان  تفسيرا على القرآن الكريم لحرف الكلم عن مواضعه وبدل ما أنزل الله وأنشأ جريدة باسم، تهذيب الأخلاق، لا ينشر فيها إلا ما يضلل عقول المسلمين ويوقع الشقاق بينهم ويلقى العداوة بين مسلمي الهند وغيرهم، خصوصاً بينهم وبين العثمانيين. وجهر بالدعوة لخلع الأديان كافة، لكن لا يدعو إلا المسلمين. ونادى: الطبيعة الطبيعة ليوسوس للناس بأن أوربا ما تقدمت في المدنية وما ارتقت في العلم والصنعة، وما فاقت في القوة والاقتدار إلا برفض الأديان والرجوع إلى الغرض المقصود من كل دين على زعمه وهو: بيان مسالك الطبيعة . قد افترى على الله كذبا”[12].

ويتطرق السيد الافغاني الى زيارته للهند ومدى اغترار الكثير من ضعاف العقول من المسلمين بأفكار السيد أحمد خان حيث يقول:” لما كنا بحيال الدين في الهند ـ في سنة 1879م – أحسسنا بعض ضعاف العقول اغتراراً بترهات الرجل وتلامذته، فكتبنا رسالة في بيان مذهبهم الفاسد وما ينشأ عنه من المفاسد، وأثبتنا أن الدين أساس المدنية وقوام العمران، وطبعت رسالتنا في اللغتين الهندية والفارسية اسمها (الرد على الدهريين) [13].

وبخصوص الدهريين أو الطبيعيين(= النيتشريين) في أوروبا فإن الافغاني يذكر نكتة بشأنهم وهو أنهم رغم ذلك يحبون أوطانهم بعكس الدهريين أو الطبيعيين المحسوبين على الاسلام فإنهم يدعون لترك الدين،” فإن من ترك الدين في البلاد الغربية تبقى عنده محبة أوطانه ولا تنقص حميته لحفظ بلاده من عاديات الأجانب . أما أحمد خان وأصحابه فإنهم كما يدعون الناس لنبذ الدين يهونون عليهم مصالح أوطانهم ويسهلون على النفوس تحكم الأجنبي فيها، ويجتهدون في محو آثار الغيرة الدينية والجنسية . . . لا لأجر جزيل ولاشرف رفيع ، ولكن لعيش دني. ونفع زهيد . وهكذا يمتاز دهري الشرق عن دهرى الغرب بالخسة والدناءة، بعد الكفر والزندقة[14].

ويقول السيد جمال الدين الأفغاني في عدد آخر من أعداد هذه المجلة : “… من هذا ـ من أسباب السياسة الأوروبية ـ ما سلك الإنجليز في الهند لما أحسوا بخيال السلطنة يطوف على أفكار المسلمين منهم لقرب عهدها بهم، وفي دينهم. ما يبعثهم على الحركة إلى استرداد ما سلب منهم، وأرشدهم البحث في طبائع الملل إلى أن حياة المسلمين قائمة على الوصلة الدينية، وما دام الاعتقاد المحمدي والعصبية الملية سائدة فيهم فلا تؤمن بعثتهم إلى طلب حقوقهم فاستهدوا طائفة ممن يتسمون بسمة الإسلام ويلبسون لباس المسلمين وفي صدورهم غل و نفاق وفي قلوبهم زيغ وزندقة وهم المعروفون في البلاد الهندية بالدهريين والطبيعيين . فاتخذهم الإنجليز أعواناً لهم على إفساد عقائد المسلمين و توهين علائق التعصب الديني ليطفئوا بذلك نار حميتهم ، ويبددوا جمعهم ، ويمزقوا شملهم ، وساعدوا تلك الطائفة على إنشاء مدرسة عليكره و نشر جريدة لبث هذه الأباطيل بين الهنديين حتى يعم الضعف في العقائد وتهن الصلات بين المسلمين فيستريح الانجليز في التسلط عليهم …” [15].

فحركة السيد أحمد خان كانت تقوم على الافتتان بالعلم الطبيعي والحضارة الغربية المادية، كما يفتتن في عصرنا الحاضر بعض المفكرين بما يسمى “العلم   Seeince  ” وبالمركبات الحضارية التي قامت عليه . والافتتان بالعـــــلم الطبيعي أو بالطبيعة كما يقال يؤدى إلى خفة وزن القيم الروحية والمثالية ، وهي القيم التي تقوم عليها رسالة الأديان السماوية التي يمثلها الإسلام أوضح تمثيل . وقد يصير الافتتان بهذا العلم الطبيعي الى انكار كل قيمة أخرى مما لا يشاهد في الطبيعة ويدرك بالحس الانسان . ومن هنا ربط السيد جمال الدين الأفغاني بين إلحاد السيد احمد خان ومذهبه الدهري أو الطبيعي، مع بقاء انتسابه إلى الإسلام، ونعت بالإلحاد رغم ما اكان يكرره (السيد أحمد خان ) من القول من أنه يدافع: الاسلام وأنه يبغى أن يوجد طريقا للمسلم المعاصر يوفق فيه بين إسلامه وتقبله الحياة العصرية التي قامت على إثر نهضة العلم الطبيعي[16].

وقد نهج السيد أحمد في تفسيره للقرآن الكريم منهج المطبق لآياته على أساس طبيعي، يناقض تماما القول بالمعجزات وخوارق العادات ، ولهذا جعل (النبوة) غاية تحصل وتكتسب عن طريق الرياضة النفسية . فهي غاية إنسانية طبيعية وطريقها طريق إنساني غير خارق للعادة، ولكنه مع ذلك يقر ختم الرسالة الإلهية ببعثة المصطفى عليه السلام، وفي شرحه لآيات القتال أضعف من فرضية الجهاد، في الوقت الحاضر، كما أنه في الآيات الأخرى الخاصة بأهل الكتاب عبر في غير لبس عن توهين الفجوة بين أهل الكتاب من جانب والمسلمين من جانب آخر، وطلب التعاون بين المسلمين والغربيين ودعا إلى ما أسماه إنسانية الأديان،  أي المعنى الإنساني العام الذي تدعو الأديان السماوية إلى اعتباره وحفظه[17]. وهو ما يشبه اليوم فكرة العالمية، التي تتبناها اليهودية الرأسمالية والشيوعية الدولية . وقد كانت من قبل تلقب بالفكرة الماسونية، وفي هذه الفكرة تنمحى كل الفوارق بين الأوطان والقوميات والأديان والمذاهب، ولم يكن السيد أحمد خان داعية فقط لهذا التجديد أو لهذه التقدمية في الإسلام وإنما كان كذلك صحفياً، ومؤلفاً، ومدرسا، ومشرفا على كلية علمية دينية ( الكلية الانكليزية الشرقية المحمدية). خرجت الكثير من شباب الهند التقدميين وتحولت فيما بعد الى الجامعة الاسلامية بعد استقلال الهند عام 1948م، وفيها تدرس المسيحية بالعناية التي يدرس بها الاسلام، مع أخذ حظ وافر من العلوم الحديثة والنظم الجامعية الغربية (= الانكليزية) [18].

وعلى أية حال فيعلق أحد كبار الباحثين المسلمين المعاصرين على حركة االسيد أحمد والمدرسة التي أنشأها بالقول:” أما في العالم الإسلامي فقد كان رائد العصرانية فيه هو “سيد أحمد خان” (1232- 1325هـ/ 1817 – 1898م)، فقد كان “سيد خان” أول رجل في الهند الحديثة ينادي بضرورة وجود تفسير جديد للإسلام: تفسير تحرري وحديث وتقدمي، وقد وصف الأستاذ العلامة السيد “أبو الحسن علي الحسني الندوي” مدرسته التي أنشأها بأنها قامت “على أساس تقليد الحضارة الغربية وأسسها المادية، واقتباس العلوم العصرية بحذافيرها وعلى علاّتها، وتفسير الإسلام والقرآن تفسيرًا يطابق ما وصلت إليه المدنية والمعلومات الحديثة في القرن التاسع عشر المسيحي، ويطابق هوى الغربيين وآراءهم وأذواقهم والاستهانة بما لا يثبته الحس والتجربة ولا تقرره علوم الطبيعة في بادئ النظر من الحقائق الغيبية”[19].

ومهما يكن من أمر فإن السيد أحمد خان (1817م-1898م) هو من أكبر رجال الإصلاح الإسلامي في القرن التاسع عشر الميلادي، ومؤسس جامعة عليكرة بالهند. نشأ في أسرة كان لها اتصال وثيق بالملوك المغول الذين حكموا الشبه القارة الهندية قبل الاحتلال البريطاني، ودعى فيها إلى تجديد الفكر الإسلامي، وله آراء تفرد بها. وتثير بعض أفكاره الحرة واجتهاداته الجريئة الجدل إلى اليوم بين مؤيّد ومكفّر. بصفة عامة قد إتسمت نظرته للدين بالسماحة واليسر وعمق النظر، تأثر به مفكرون مسلمون كبار من أمثال المصلح الإسلامي القاضي السيد أمير علي (1849م-1928م)، والفيلسوف الشاعر محمد إقبال (1877م-1938م) والمجدد فضل الرحمن (1919م-1988م). وألّف العديد من الكتب، ردّ فيها على بعض المغرضين من المستشرقين، ومنهم المستشرق الاسكتلندي “وليم موير”(1819 – 1905) الذي ألف كتاباً باسم ( حياة محمد)  كان عبارة عن مجموعة من المقالات نشرها في مجلة كلكتا في سنوات 1852 –1858م وطبعت في كتاب في اربع مجلدات عام1861م جانب فيه الصواب في الكثير من المعلومات والتحليلات، وحذفت منه أجزاء في طبعات لاحقة وكانت دليلا لكثير من كبار المستشرقين في السير على خطاه كنولدكه وكولدزيهر وشاخت، فتصدى ﻟﻨﻘﺎﺷﻬﺎ ﻏﲑ واﺣﺪ ﻣﻦ اﻟﻌﻠﻤﺎء، وﻻﺷﻚ أن أولهم ﻛﺎن السيد أحمد ﺧﺎن اﻟﺬي أﻟﻒ ﻋﺪدا ﻣﻦ المقالات ﻟﻠﺮد ﻋﻠﻴﻬﺎ، وﻓﻴﻤﺎ ﺑﻌﺪ، ﻃﺒﻌﺖ ﻫﺬﻩ المقالات في ﺻﻮرة ﻛﺘﺎب[20] ، ثم ﺟﺎء اﻟﻘﺎﺿﻲ ﺳﻴﺪ أﻣﲑ ﻋﻠﻲ اﻟﺬي أﻟﻒ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺳﻠﻮبب ﻻﻳُﺸﻌﺮ اﻟﻘﺎرئَ بأنه يرد ﻋﻠﻰ أﺣﺪ، ﻟﻜﻨﻪ ﻋﺮض المادة ﻣﻦ ﺣﻴﺚ أنها تجيب إﺷﺎرةً ﻋﻦ جميع اﻹﺷﻜﺎﻻت المثارة ﻣﻦ ﻗِﺒﻞ وﻟﻴﻢ ﻣﻮﻳﺮ[21].

 

المبحث الثاني: حركة إحياء جمال الدين الافغاني ونتائجها

 

جمال الدين الافغاني هـو محـمـد بن صفدر الحسيني، ولد في أسعد أباد في أفغانستان، ونشأ في كابل  وتـلـقـى العـلوم العقلية والنقلية فيها . سافر إلى الهند ، وحج عام ١٢١/٣ هـ/1858 م وعاد إلى وطـنـه وأقام في كابل . انتظم في سلك رجال الحكومة في عهد دوست محمد خان ( ۱۷۹۳ ـ ١٨٦٣ م ) ، ثم رحل إلى الآستانة ماراً بالهند ومصر فجعل فيها من أعـضـاء مجلس المعارف ، ونفي منها عام ١٢٨٦ هـ/ ١٨٧١ م ، فقصد مصر وساهم في نهضتها الإصلاحية الدينية والسياسية ، وتتلمذ عليه كثيرون من بينهم الإمام محمد عبده . ونفي جمال الدين الأفغاني من مصر عام ١٢٩٦ هـ/ ١٨٧٩ م ، فرحل إلى حيدر أباد ثم إلى باريس وأنشأ فيها مع الشيخ محمد عبده جريدة ( العروة الوثقى ) ثم دعاه الـسـلـطـان عـبد الحميد الثاني إلى الآستانة وظل فيها حتى وفاته 1314هـ /1897م.[22]

كان للثقافة الواسعة التي حصلها الأفغاني ، والتجربة السياسية التي عاشها في عدة أقطار إسلامية ، واطلاعه عن كثب على أحوال المسلمين السياسية والاجتماعية ، كان لكل ذلك دور واضح في تحليل جمال الدين الأفغاني لأسباب التدهور في أوضاع المسلمين الـسـيـاسـيـة والاجتماعية والفكرية ووسائل الإصلاح التي رآها كفيلة بانهاض المسلمين وعلاج ما يعانون من مشاكل [23].

وأكـد الأفغـانـي على أن الـسـبـب الـرئيسي والعامل الأكبر في تدهور أحوال المسلمين وضياع ما كان لهم من مجد وعزة، راجع إلى إهمال ما كان سبباً في هذا المـجـد والعزة ، ألا وهو الدين الذي كان يعمل على جمع  الأهواء وتوحيد الكلمة، على خلاف عصبيات الجنس المفرقة للأهواء والمشتتة للكلمة[24].

ورأى أن حـكـام المسلمين بـابـتـعـادهم عن العلم بحقيقة الدين وحكمته وانصرافهم إلى إبراز فوارق الجنس وعصبيات القبائل ، قد ساهموا بحالة القطيعة الـسـيـاسـيـة الـقـائـمة بين دولهم ، في الوقت الذي حرصوا فيه على إقامة علاقات مع أعـدائـهـم [25] . وانتقد الأفغاني الدور السلبي لعلماء المسلمين وعدم قيامهم بما يلزم تجاه تقوية الجامعة الإسلامية بين شعوبهم، فهو يرى أن هؤلاء العلماء لم يقوموا بـواجـبـهـم في الاتصال فيما بينهم أولا، والقيام بواجب توعية شعوبهم بخطر الفرقة وأهمية الاتحاد  ثانيا [26].

كما انتقد أيضا دور الأفراد والشعوب ، وخص منهم من تثقفوا بالثقافة الغربية ولـم يـأخـذوا منها إلا مظاهرها ومن الحضارة الغربية رسومها وأشكالها، حتى غـدوا عناصر تخريب ومعاول هدم في جسم أمتهم و بيد أعدائهم  واستبعد أية محاولة جزئية للإصلاح ، كأن تكون بإصلاح الجانب التعليمي أو باقتباس ما عند الغرب من نظم وأساليب ، وهو ما ظهرت بوادره في كل من استانبول ومصر فهذه الوسائل ، كما يقول الأفغاني ، لم تعمل على تحسين أحوال هذه الامة[27].

وعلى أية حال فالسيد جمال الدين الافغاني زعيم من زعماء الحركات الاسلامية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فبجانب وقوفه على عيوب الحياة الاسلامية، رأى رؤية مباشرة لوناً إيجابياً من الحياة، خالياً من كثير من العيوب والنقائص، ارتحل أولاً في بلاد الهند، ومصر، والحجاز، وإيران ، والعراق، واستانبول من بلاد الشرق، وارتحل ثانياً إلى لندن، وباريس، وميونخ في ألمانيا، وبطرسبرج في روسيا من بلاد الغرب. ورحلته هنا وهناك كشفت له عن ضعف في جانب وقوة في جانب آخر، واستكانة في جانب وتحفز في جانب آخر. وليذله وكشفت أن له عن أن هذا التحفز من الجانب المستكين ووقوفه على المسيحية أراه أن الإسلام في نفسه أداة قوة، ومنعة، وعزة وسطوة، بينها مسيحية الغربيين وسيلة للضعف والاستكانة ، ولذا يقول: الجانب الآخر ليلتهم هذا الجانب وليبدل وضعه في التاريخ . ومعرفته بالإسلام  ثم وقوفه على المسيحية أراه أن الاسلام في نفسه أداة قوية، ومنعة، وعزة، وسطوة، بينما مسيحية الغربيين وسيلة للضعف، والاستكانة، ولذا يقول:” … و بعد، فموضوع بحثنا الآن الملة المسيحية والملة الإسلامية. وهو بحث طويل الذيل . وإنما نأتى فيه على إجمال ينبئك عن تفصيل : إن الديانة المسيجة بنيت على المسالمة والمياسرة في كل شيء ، وجاءت برفع القصاص واطراح الملك والسلطـة ، ونبذ الدنيا وبرجها، ووعظت بوجوب الخضوع لكل سلطان يحكم المتدينين بها، وترك أموال السلاطين للسلاطين، والابتعاد عن المنازعات الشخصية والجنسية، بل والدينية.. ومن وصايا الإنجيل : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر . ومن أخباره : أن الملوك إنما ولايتهم على الأجساد وهي فانية، والولاية الحقيقية الباقية على الأرواح  وهي الله وحده [28].

أما بخصوص الاسلام فإن للسيد جمال الدين الافغاني رأي آخر، ” فالديانة الإسلامية وضع أساسها على طلب الغلب والشوكة، والافتتاح والعزة ورفض كل قانون يخالف شريعتها، ونبذ كل سلطة لا يكون القائم بها ماء الولاية على تنفيذ أحكامها . فالناظر في أصول هذه الديانة ، ومن يقرأ سورة  من كتابها المنزل يحكم حكما لا ريب فيه : بأن المعتقدين بها لا بد أن يكونوا أول . ملة حربية في العالم ، وأن يسبقوا جميع الملل إلى اختراع الآلات القاتلة وإتقان العلوم العسكرية، والتبحر فيما يلزمها من الفنون، كالطبيعة، والكيميا،،  وجر الأثقال والهندسة وغيرها . ومن تأمل في آية : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة…}، أيقن أن من صبغ بهذا الدين فقد صبغ بحب الغلبة وطلب كل وسيلة إلى ما يسهل له سبيلها، والسعى إليها، بقدر الطاقة البشرية، فضلا عن الاعتصام بالمنعة والامتناع من تغلب غيره عليه . ومن لاحظ أن الشرع الإسلامي حرم المراهنة إلا في السباق والرماية ، انكشف مقدار رغبة الشارع في معرفة الفنون العسكرية والتمرن عليها …”[29].

وبسبب كثرة تنقل السيد جمال الدين والمفارقات التي رآها في حياة المسلمين وحياة الغربيين لذا حاول الاسراع في دعوته لكي ينهض هذه الامة الاسلامية المغلوبة على أمرها هي أن تكون دعوته نحو التعجيل بحياة إيجابية داخل البلاد الإسلامية أقوى، أو على الأقل، تسير جنبا إلى جنب مع الدعوة إلى مكافحة العيوب الداخلية ـ وهي عيوب نشأت عن إهمال الإسلام بسبب ماتراكم عليه من غبار سوء الفهم، أو سوء القصد منذ القرن الثالث الهجرى لوقت كتابة هذه الاسطر سنة 1881 – 1884م،لذلك كان يضع أمام سامعيه مثلا منظوراً من الحياة يريد أن يصل إليه المسلمون، ولكن عن من طريق التمسك بإسلامهم الذي أودع في كتاب الله ، وليس عن طريق ذاك الذي شوهته العقول المغرضة وحرفته الألسنة الملتوية[30].

و لكن جمال الدين الأفغاني كان ـ إلى جانب ذلك – ينتزع الأمثلة من تاريخ الشعوب، ومن تاريخ الأمة الاسلامية نفسها، كما ينتزع الشواهد المحسوسة التي تفزع المسلمين من السياسة الاستعمارية في البلاد الإسلامية (في الهند ومصرعلى الخصوص)، هذه الأمثلة التي كان ينتزعها من شواهد الحياة الإسلامية ومظاهرها في وقته، مع بيان مدى ألاعيب السلطات الأجنبية ودسائها ، وهدفها الذي نهايته بسط النفوذ الأوربى لصالح الجماعة الأوربية وحدها على رقعة العالم الإسلامي . هذا الاحتكاك المباشر نفسه هو الذي أظهر حركة جمال الدين في صورة حركة سياسية، وهو نفسه السبب في أن يلقى جمال الدين بمركز الثقل في نشاطه على الحرية السياسية ، في الشرق الإسلامي ، للمواطنين جميعاً ، مسلمين ومسيحيين[31] .

وبخصوص تأكيد الافغاني على الامة أكثر من الحديث عن شخصية المسلم نفسه  والحديث عن الأمة، أكثر من الحديث عن المسلم، والحديث عما يحب أن يكون من صلة بين الحاكم والأمة من تبادل المشورة بينهما، لاعلى نحو أن يكون أولها سيداً والطرف الآخر مسوداً ومستعبداً . كما بدا الحديث عن مقاومة الاستعمار الغربي في صورة سافرة ـ بدا ذلك كله أكثر من الحديث عن مقاومة البدع، أو محاربة فرقة معينة من الفرق الإسلامية [32].

وقد تلون نشاط بهذا اللون السياسي العام، ولكن عماد هذا النشاط و أساسه الذي يقوم عليه  ومصدره الذي يجب أن يخرج منه، بقي و القرآن، والقرآن وحده ما يقول:” لا ألتمس بقولى هذا ـ في الدعوة إلى الوحدة ـ أن يكون مالك الأمر. في الجميع شخصاً واحداً ، فإن هذا ربما كان عسيراً، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهة وحدتهم الدين، وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع ، فإن حياته بحياته و بقاءه ببقائه”[33].

وفي حديث عن مقاومة الاستعمار الغربي ـ و بالأخص عن مقاومة الاستعمارالانكليزي، فقد كان الانكليز يسيطرون على الهند ومعظم أطراف الجزيرة العربية والسودان سيطرة مباشرة، وكانوا يخططون لاستعمار أفغانستان وايران ومصر وأجزاء أخرى من العالم الاسلامي، وما فعله الانكليز من المجازر بحق المسلمين في الهند سنة 1857م وما بعدها[34].

وكان الافغاني يدعو إلى نبذ الخصومة بين  أهل السنة والشيعة، ليؤلف بين سلطتين قويتين في رقعة العالم الإسلامي إذ ذاك ، بين  سلطة الاستانة (= استنبول) وسلطة إيران القاجارية، بعد ذهاب دولة الهند  المغولية الإسلامية إبان فشل الثورة الاسلاميةعام 1857م فيبدو لذلك سياسياً، أو وسيطاً في مجال السياسة.

كما كان يحارب المذهب الطبيعي ـ الدهري ـ الذي انتشر في الهند سنة ١٨٧٩م والذي قال فيه : إنه سيفرق المسلمين هناك إلى طائفتين: طائفة القديم وطائفة الجديد، طائفة أصحاب الطاعة والولاء للحاكم المستعمر والطائفة الأخرى المناوئة المقاومة لنفوذه وولايته، كما سيفرق بين مسلى الهند من جانب، والخلافة العثمانية من جانب آخر . فيظهر مرة أخرى في دعوته هذه بمظهر الرجل الذي يريد أن يحافظ على وحدة الإمبراطورية الإسلامية الجغرافية. ولكنه في هذا الرد يقاوم الإلحاد الديني بصفة عامة، ويوضح ضرورة الدين للمجتمع الإنساني، أي دين . ثم يذكر مزايا الإسلام التي تكفل للإنسان متعة في هذه الحياة، أرفع بكثير من تلك المتعة التي بهيتها له اعتناق المذهب الطبيعي (المادي أو الدهري)، فهو في هذا مسلم عمله عمل إسلامي كذلك ويعنينا الآن بالذات مقاومته للفكر الإسلامي الذي قام بالخدمة الاستعمار[35].

ويرى الافغاني أن أسلوب الاستعمار الغربي في البلاد الإسلامية يتخذ صوراً مختلفة للقضاء على الشخصية الإسلامية التي مصدرها القرآن، والتي تجمع بين المسلمين في رباط واحد، وأخطر صورة يراها من بين الصور، تلك الصورة التي تسعى لإفساد عقيدة المسلم إما بتشكيكه فيها، أو بمحاولة صرفه عنها . ولذلك عد المذهب الطبيعي ـ وهو ما سماه بمذهب الدهريين في الهند – سلاحا خطراً ضد المسلمين، ضد قوتهم في وحدتهم، وضد مصدر هذه القوة، وهو الإسلام . وخطورة هذا المذهب على الإسلام في نظر جمال الدين – وإن كان تحدياً للدين من حيث هو دين ـ أن الذين يدعون إليه في الهند و لبسوا ثوب المسلم، وقصدوا إلى إضعاف المسلم بالذات في عقيدته ، كما نقلنا عنه فيما مضى، إنه صريح فيما نقل عنه سابقاً بتحديد من سماهم جماعة الدهريين ومع في الهند ، وبغايتهم من نشر هذا المذهب بين المسلمين ، ذكر في موضع آخر بأنه لا يقصد برده توجيهه إلى هذه الجماعة، ولا إلى التشنيع عليهم، وإنما قصده إحقاق الحق في ذاته فقط [36].

كان للثقافة الواسعة التي حصلها الأفغاني ، والتجربة السياسية التي عاشها في عدة أقطار إسلامية ، واطلاعه عن كثب على أحوال المسلمين السياسية والاجتماعية ، كان لكل ذلك دور واضح في تحليل جمال الدين الأفغاني لأسباب التدهور في أوضاع المسلمين الـسـيـاسـيـة والاجتماعية والفكرية ووسائل الإصلاح التي رآها كفيلة بانهاض المسلمين وعلاج ما يعانون من مشاكل[37] .

أما الوسيلة الشافية التي يراها الأفغاني لإصلاح أحوال المسلمين، فهي تقوم على أساس إنهاض دولة إسلامية من حالة ضعفها وتنبيهها ، للقيام على شئونها وإيصالها إلى مصاف الدول القوية، ولـم يـكـن هـنـاك غير الدولة العثمانية مؤهلة لهذا الدور، باعتبارها أكبر وأقوى دولة إسلامية ، وهـي مـوطـن السلطنة ومقر الخلافة الإسلامية، وعلى رأسها خليفة المسلمين السلطان عبد الحميد ، الذي يقول فيه الأفغاني: “كنا على يقين ولا نزال عـلـيـه أن الذات الشاهانية، وهي الأب الأكبر لعموم المسلمين ودولـتـه الكافلة للشريعة الحافظة للدين، هي الأجدر بالالتفات إلى وهي حـركـة الأعـداء في البلاد الإسلامية ، وهي لا تألو جهداً في تعويق سيرهم وإحباط أعمالهم “.  وقد كان الأفغاني مدركا لمقدار ما للدولة العثمانية وسلطانها من ثقة في نفوس المسلمين ، مما يسهل التفافهم من حولها[38].

وقد ذكر الأفغاني في خاطراته، تفاصيل ما دار بينه وبين السلطان عبد الحميد، حـول مـشـروع سـيـاسـي تـقـوم عـلـيـه حركة الجامعة الإسلامية، يرمي إلى إقامة دولة إسـلامـيـة اتحادية تشمل كافة الدول والشعوب الإسلامية التي كانت قائمة و بزعامة الـدولـة الـعـثـمـانية، وذلك بتشكيل خديويات، على غرار خديوية مصر، من كافة ولايات الدولة العثمانية، على أن تستقل ذاتيا، وترتبط بعاصمة الدولة استنبول في شؤونـهـا الهامة . أما المرحلة الثانية فيتم خلالها انضمام كافة الممالك الإسلامية الأخرى كإيران والأفغان والهند إلى هذه الدولة الإسلامية  . [39]

والمتفحص لتفاصيل المشروع السياسي الذي عرضه الأفغاني على السلطان يدرك أن هذا المشروع في كثير من جوانبه نظري وغير قابل للتنفيذ، ويستدرك الأفغاني على نفسه قائلة: “انه ربما كان تحقيق هذا المشروع ممكنا في المراحل الأولى لتأسيس دولة آل عثمان وهي في كامل قونها وهيبتها، أما الآن فلا”[40].

كما أن في هذا المشروع الذي عرضه الأفغاني دليلا على اختلاف وجهة نظر كل من الأفغاني والسلطان عبد الحميد تجاه حركة الجامعة الإسلامية، فالأفغاني لم تكن لديه فكرة واضحة هما يريده عملياً من حركة الجامعة الإسلامية، فهو أحيانا يعرض مشروع دولة إسلامية اتحادية وأحيانا يكتفي بأن يكون المسلمون متحدي الاتجاه والهدف والـشعـور دون أي تفكير في وحدة سياسية تنتظم كافة دولهم وحكوماتهم[41].

أما بالنسبة للسلطان عبد الحميد، فما كان يطمع في أكثر من وحدة شعوب الدولة العثمانية والتفافها حول سلطة مركزية في العاصمة العثمانية، وتضامن كافة مسلمي العالم مع دولة الخلافة [42].

 

المبحث الثالث: دراسة تحليلية مقارنة بين نتائج الحركتين على الواقع الاسلامي المعاصر

 

كان السيد جمال الدين الافغاني هو أول من اتهم السيد أحمد خان بالمروق من الدين؟ وكان من أوائل من تناولوا أفكار السيد أحمد خان بالتعليق والنقد الذي وصل إلى حدّ التجريح ومحاولة النيل من شخصه، ففي مقال كتبه في مجلة العروة الوثقى التي كان يصدرها بالتعاون مع تلميذه الشيخ محمد عبه في باريس وصفه بـالدهريّ والطبيعي والمسيحيّ، واعتبره “أكبر دعاة هذا المذهب باعتباره أحد مسلمي الهند، وهو أحمد خان بهادور. وكان أحد هؤلاء الذين أرادوا أن يصيبوا نفعً خسيسًا بمساعدة الإنجليز لهم على تحقيق أهدافهم، فقدّم نفسه لخدمتهم، وبدأ بأن يؤلف كتابًا يبرهن فيه على أنّ التوراة والانجيل لم يحرفا، غير أنّه ما لبث أن أدرك أنّه لن يفيد أولياء نعمته شيئا بالطعن فى الإسلام، إذ سبقه المستشرقون إلى ذلك دون جدوى،  كما أنّ اعتناقه للدين المسيحي لن يكون ذا خطر، إذ رأى أنّه لن يتّبعه أحدٌ من مسلمي الهند، ولذلك أخذ يظهر فى مظهر صاحب مبدأ فلسفي جديد، وهو المذهب الطبيعىّ ، وطفق يدعو إليه، فتبعه بعض المسلمين تخلصا من واجبات الشرع، وجريًا وراء الشهوات، ووجد الانكليز أنّ صاحبهم قد بدأ ينجح فى التفرقة بين المسلمين، فكرّموه وساعدوه على فتح مدرسته التى ضل وسيلة لاصطياد أولاد المسلمين لتربيتهم على الإلحاد”[43].

وفي موضع آخر وصف الأفغانيّ  السيّد خان بأنه كان ينادي “بأن لا وجود إلا للطبيعة العمياء، وليس لهذا الكون إله حكيم” وعمل على تفريق كلمة المسلمين “فمال إليه أشخاص تملصًا من قيود الشرع الشريف، وسعيًا خلف الشهوات البهيميّة” . وصرّح الأفغاني أنه من باب الدفاع عن الإسلام ألف رسالته الردّ على الدهريين بسبب ما ينشره أحمد خان من ترّهات هو وتلاميذه “فكتبنا رسالة في بيان مذهبهم الفاسد وما ينشأ عنه من المفاسد”، وكرّر الأفغانيّ  تهمة عمالة أحمد خان لأوروبا، وهي تهمة لا تزال تلصق بالرجل حتى يومنا هذا ويُلقّن الطلاب في البلاد العربية أن أحمد خان ما ألف تفسيرا للقرآن ولا كتب كلمة إلا بغرض إرضاء الإنجليز وسعيا منه في هدم الدين[44].

ولسنا هنا بصدد البحث في إيمان السيد أحمد خان أو إلحاده، لنثبت له صفة التدين أو الإلحاد، لكننا آثرنا أن نثبت نصّ كلام الأفغانيّ  نظرًا لسطوته واعتباره حكمًا غير قابل للنقاش، ومن ثمّ أخذ المفكرون العرب في تبنيه وإطلاقه على الرجل، مختزلين ما قام به من جهد في تطوير التفكير الديني والتعليم والاجتماع، وليس أدلّ على ذلك من تبنّي الدكتور محمّد البهي لهذه الرؤية وتكراره لها في غير موضع من كتاباته[45]. وكذلك فعل الدكتور عبد المنعم النمر[46]، وإن كانت هناك آراء عربية خالفت هذه الآراء إلا أنها لم تجد ذيوعًا وانتشارا كما حظيت بذلك الرؤية الأزهرية، فما كتبه أحمد أمين[47] عن دعوة السيد أحمد خان، وما ناقشه محمود قاسم[48] ، ظلّ مهملاً ، وسبب ذلك أنّ أحمد  أمين هو الاخر لاحقته تهمة الإلحاد، وكانت كتابات محمود قاسم كتابات تعليمية اقتصر جمهورها على طلبة كلية دار العلوم في القاهرة[49].

ومن الطريف أن التهم التي ألصقها الأفغاني بالسيد أحمد خان لاحقت الأفغاني نفسه في حياته وبعد وفاته، فاعتبره البعض ملحدًا بناء على تبنيه لأفكار كفّر أصحابها في التراث الإسلامي، من مثل وحدة الوجود، والتسوية بين الفلسفة والنبوة، ومن خلال بعض الوثائق التي ظهرت بعد وفاة الأفغاني أكد البعض أنّ الرجل لم يكن متدينًا وملتزمًا بالعقيدة السنية، فممارساته الحياتية تبيّن انحرافه عن جادة الصواب، وقد ناقش محمّد الحدّاد هذه التهم بشكل جيّد، وعلق عليها قائلا: “إن الأفغانيّ  قد تفاعل مع روافد مختلفة، جعلت آراءه مختلفة عن السائد في أحايين كثيرة، مصطدمة بنزعات المحافظين من كلّ صوب، والباحثون الذين يعرّضون بإلحاد الأفغاني كأنهم يسلمون بأنّ تلك النزعات تمثّل الديانة الصحيحة. ولكن من الخطأ أيضًا التسليم بتلك الصورة المبسّطة المنتشرة في كثير من الدراسات العربيّة التي تتعامل مع تلك المطاعن وكأّنها انطلقت من فراغ. ولا بدّ من الإقرار أنّ الثقافة العربية السنيّة ليست التعبير الوحيد عن الدين الإسلاميّ ، وأنّ روافد هندية وفارسية قد أسهمت في تشكيل الوعي الديني للأفغاني، وهي أيضًا تدخل في صميم التراث الاسلامي بالمعنى الشامل لهذه الكلمة”[50].

عاد السيد أحمد من إنكلترا وهو عاقد العزم على إصلاح حال المسلمين في الهند عقلًا ودينًا ولغة وخلقًا واجتماعيًا، سواء في ذلك خاصتهم وعامتهم، مصمم على أن يغزو الجهل والجمود بكل ما يستطيع من قوة، وأن يحمل المسلمين بكل الوسائل على أن يتقبلوا المدنية الحديثة في علومها وفنونها قبولًا حسنًا، ويستخدموها في ترقية حياتهم، وأن يبذل الجهد في التوفيق بين الإسلام والمدنية؛ فالإسلام في جوهره وأصله معقول واسع الصدر لأحكام العقل غير مناهض لما يثبته العلم، فإذا نقَّى مما لحقه وليس منه أمكن أن يُقبل المسلمون على العلم الحديث من غير حرج. فوضع أول خططه بعد عودته أن ينشئ في الهند جامعة تكون للمسلمين كأكسفورد وكمبردج في إنكلترا، تربي الخاصة، ثم هم يربون العامة، وما زال يكد ويسعى ويجمع المال ويكافح العقبات توضع في سبيله، وأخيرًا فاز بإنشاء كلية عليكره المشهورة عام 1875م.

وتم بناء جامعة عليكره واستقبلت طلبتها تعلِّمهم على المنهج الذي اختطه، ونجحت في خلق جيل من المسلمين جديد مثقف ثقافة واسعة مع سعة في العقل وسماحة في الدين؛ وانتشر خريجوها في أقاليم الهند المختلفة يحملون رسالة جامعتهم ويضيئون ما حولهم، وأصبحت كلمة (عليكره) لا تدل فقط على كلية أو جامعة، وإنما تدل أيضًا على نوع من العقلية الراقية، والصبغة الخلقية والاجتماعية الخاصة. ولقد أخذ الوطنيون المسلمون على خريجي هذه الجامعة وطلبتها أنهم لا يشتركون في الحياة السياسية مع فضلهم وسعة عقلهم وغزارة علمهم، حتى أنهم لا يُضربون يوم تضرب الجامعات الإسلامية لغرض سياسي، ولكن هذه الصبغة هي التي صبغ بها السيد أحمد طلبته، إقبال على العلم وبُعد عن السياسة. فلما فرغ من هذه الجامعة أخذ يعمل في اتجاه آخر، فأنشأ مجلة دورية سماها (تهذيب الأخلاق) عالج فيها المشاكل الاجتماعية والدينية في جرأة وصراحة[51].

كانت لأحمد خان آراء وعقائد فيها بعض إبداع، واتسمت في الغالب بالبدعة، خاصة في تأويله للوحي والمعجزة والدماء وتساؤلاته التي طرحها عن مباني الإسلام في الكتاب والسنة، وأدلته الضعيفة التي كان يسوقها عن أصول الدين وفروعه، جعلت الكثير من المسلمين الأميلين يواجهونه . وكان ابرز مخالفيه السيد جمال الدين الأسد آبادي، الذي واجه أحمد خان ومقالاته أثناء هجرته إلى الهند .رصفه بـ «الدهـرية، وتصدى لأفكاره المبتدعة باللسان والقلم دون مجاملة .

منهجه السياسي المحتاط، كان متناقضاً ويفتقر للانسجام، فقد كان يقاوم – وبقوة – الانجرار للساحة السياسية، ويرفع شعار “التعليم، التعليم ثم التعليم’، وهذه السلبية تجاه الحركات السياسية جعلته عرضة للسخرية والتعابير اللاذعة، وكانت من مصاديق الرجعية فيه .ومن جهة أخرى، فإن السيد احمد خان كان العربة بيد السياسة الإنجليزية دون شك .

الوصية السياسية والتقدمية لأحمد خان، إصراره على عدم ذوبان المجتمع الإسلامي في المجمع الهندي، والتي أدت إلى تقسيم القـارة الهندية إلى منطقتين : إحداهما للهندوس، والأخرى للمسلمين .فقد كان يعتقد بأن المجتمع الإسلامي لا يستطيع التضحية بهويته التاريخية في محراب الوطنية، وأبرز ما كان يطرحه أن المسلمين بتمسكهم بذيل الإسلام يكونون أمة واحدة .إلا أن التمسك بذيل الإسلام كان يرتبط بما يدور في خلد الإنجليز، وإلا هل من المعقول بأن منحه لقب والسير من قبل الإنجليز سنة ١٨٨٨م، كان لأجل تثبيت دعائم الإسلام وتحقيق الأمة الإسلامية الواحدة . . ؟!. وبتعبير آخر يمكن القول بأن السيد أحمد خان كان يبرز ظلم الاستعمار الإنكليزي، ولا يستبعد أن يكون قد لعب هذا الدور دون وعي، وهدفه الحقيقي – وهـو يفتقر للفقه والحس السياسي المتقدم – إيجاد الاستقرار الاجتماعي لرفع مستوى المسلمين الفكري والتعريض عن التخلف الذي ابتلوا به منذ قرون .

إلا أننا لا نستطيع حمل جميع أقوال وأعمال السيد احمد خان على المحمل الصحيح، ومن ذلك قوله :”لا بد أن نشد بيد المحبة على يد الإنكليز، لأنهم يمنحون الحرية الدينية، ويحكموننا بالعدل ويشيعون السلام والنقاء بيننا، يحفظون أموالنا ، وهذا ما فعلوه في الهند”.

يقول الدكتور شريعتي في مقدمة له دفاعاً عن منهج العلامة محمد إقبال ورابطة مسلمي عموم الهند: “الأسلوب الشائع حاولوا في البداية أن يحاصروه بسور غير مرئي، ويراقبوه ضمن جو خاص، وأدخلوه في «مصح، ليعيش في جو ذهني خاص، ويحيطوه بهالة ينظر إلى الأشياء من خلالها ثم يزرقون فيه روحاً من اللاوعي ونصف اللاوعي، وأخيراً الوعي الكامل .جواسيس الاستكبار الذين ظهروا بمظهر المسلمين المتحرقين قد أحاطوه، وادعوا بأنهم يريدون أن يساهموا مالياً وإسلامياً في المشاريع الإسلامية وإدارة المؤسسات العلمية للمسلمين، وتأسيس المدرسة الدينية لعليگرة، فمنحوه القوة، ثم جاء عملاء الاستعمار تحت ستار المستشارين والأساتذة المتخصصين الفنيين للمساعدة في إدارة مدرسة عليكرة، ثم كشفوا عن وجوههم وتحت عنوان حماية الإنكليز من المسلمين الهنود وحرصهم على التقدم الاجتماعي والفكري للمسلمين، ليواجهوا الهندوس، استطاعوا الهيمنة عليه بالكامل وأقاموا معه علاقات سرية ومالية، ثم انكشفت هذه العلاقات، ليتحول السيد أحمـد خـان بصورة رسمية إلى حليف لسلطة الإنكليز لحفظ وبيضة الإسلام، وجلب الحماية لحوزات المسلمين العلمية.[52] .

وأخذ يعلن جهاراً بأننا نطالب باستمرار الحكم الإنجليزي وبقاء الحكم الاستعماري، لأننا ـ والكلام لا زال له ـ إذا استطعنا كسبهم واعتمادهم – بالوفاء لهم ـ نستطيع أن نواجه الهندوس بحرية الوعظ والإرشاد وإقامة الشعائر الدينية، وتحكيم نفوذ العلماء والحوزات العلمية الإسلامية وتقويتها، بينما إذا استقلت الهند ورفع المسيحيون سيطرتهم الاستعمارية عنها، سيـواجـه المسلمون الخطر لأن الهندوس هم الأكثرية .

ووجه الفيلسوف محمد إقبال خطاباً إلى السيد أحمد خان جاء فيه : “لقد تظاهرت بأنك التقديس والتواقين إلى الحرية، ومن خلال تأسيس المدرسة الإسلامية في عليكرة من جهة، واشتراكك بثورة المسلمين البنغال من جهة أخرى، ظهرت بوجه العالم المصلح والمجاهـد الحر والصالح. حتى أن المسلمين المتطرفين والجامعيين المعادين للاستعمار الإنجليزي للهند، اعتبروك شخصية تقدمية ومستقلة تطلب الحق وتعادي الاستعمار، فما الذي جرى لتبيعوا كل سنوات التنسيق مع الناس، وأمال المثقفين وجهاد طلاب الاستقلال المعادين للاستعمار، وحرمتك العلمانية وعزتك الاجتماعية ومكانتك العلمية للإنجليز أمام لقب «السير”؟[53]

ولم ينشغل السيد خان بالدعوة لاتحاد المسلمين تحت راية خلافة جامعة كما فعل زميله الافغاني، بل كتب رسائلَ يذمُّ فيها الخلافةَ العثمانية ويرفضها، في الوقت الذي كان شبلي النعماني وسيد أمير علي في الهند يدافعان عن اتحاد المسلمين وهذه الخلافة. وكان شبلي النعماني(1857 – 1914م) لم يكن منسجماً مع أكثر آراء أحمد خان الجديدة، لذلك رفض التدريسَ في عليكره ابتداءً عندما دعاه أحمد خان، إلا أنّه استجاب لاحقاً بعد إصرار الأخير عليه، فأسند إليه كرسيَّ اللغة العربية والفارسية، ويصف شبلي النعماني علاقته بأحمد خان بقوله: “طالما كان النـزاع بيـني وبين السيد أحمد شديداً في آرائه الدينية، وطالما فنّدت آراءه، ومع هذا لا أنكر فضل أسلوبه العالي الذي استخدمه في شرحه أفكاره، فكان أسلوباً رائعاً منقطع النظير، مملوءاً بالفكاهة الحلوة، والتندر الظريف”[54].

لذلك الاسباب هاج عليه كثير من علماء الاسلام، وهيجوا عليه العامة وتعرضت حياته للخطر، وأراد أحدهم أن يطعنه مرة بخنجر فنجا منه بأعجوبة، ومع هذا ظل ثابتًا جريئًا في دعوته كما هو لم يتزحزح، ولم يداج ولم يمار، بل ربما كان بعد ذلك أقوى وأصرح فيما يقول وما ينشر، لا يعبأ بنقد ولا تهديد بقتل، ولا بأي ضرب من ضروب التخويف[55].

وكما كان السيد احمد خان جريئاً في طرح أفكاره الدينية، كان جريئاً في بث رؤواه السياسية، فكان يرى أن الغرض الذي يجب أن يرمي إليه السياسي الهندي هو أن تكون الهند كلها أمة واحدة، وأن الإسلام والهندوكية والنصرانية يجب أن تكون عقائد دينية في نفوس معتنقيها فقط، ولكن هذه العقائد كلها يجب ألا تؤثر في الوطنية، فيجب أن يكون عند كل طائفة عقيدتها الخاصة بها ووطنيتها العامة عند كل الطوائف، أما النزاع الطائفي الديني، والنزعة إلى تقسيم الهند حسب الأديان ونحو ذلك، فكلها أفكار باطلة، وليس يؤدي إلى الاسقتلال الحق إلا حصر الدين في العقيدة، وتعميم الشعور بالوطنية بين كل الأفراد وفي كل الملل. وقال: «في قطر كالهند تتقسمه الطبقات، وتتوزعه النزعات الدينية الحادة، ولم تنتشر فيه التربية الصحيحة التي تعد الناس كلهم سواء في الحقوق والواجبات، أرى بل أعتقد أن الانتخاب والتمثيل في شتى المجالس ضرره أكبر من نفعه»، ولهذا رفض أن يشترك في المؤتمرات السياسية والأحزاب على اختلاف ألوانها، فأغضب رجال السياسة كما أغضب رجال الدين، ولم يعبأ بهؤلاء ولا هؤلاء. ووجه كل همه في أحب الأعمال إليه من اشتراك في المجلس الأعلى للتعليم، والمجلس الأعلى للخدمة الاجتماعية، والإشراف على سير كلية عليكره[56].

 

 

الخاتمة

مما تقدم يبدو أن الجدل بين علماء ومفكري المسلمين في نهاية القرن التاسع عشر وطيلة القرن العشرين لا زال محتدما وسيحتدم حول أبرز مفكرّ!ين ظهرا في الساحة الاسلامية في الهند والدولة العثمانية، الاول السير السيد أحمد خان الهندي(1817 – 1898م) والثاني جمال الدين الافغاني (1839 – 1897م)، الاول مناصر للانكليز ولثقافتهم ولغتهم يحاول الاستفادة منها في بناء مجتمعه الهندي عامة والمسلم خاصة بعد رأى بأم عينيه فشل ثورة المسلمين الهنود ضد الاستعمار الانكليزي عام 1857م وما ألحقه الانكليز بالمسلمين من أنواع المجازر والفضائع ما يندى لها جبين الانسانية، رغم أنه لم يشارك في الثورة ودافع وحافظ على كثير من أرواح القادة والمسؤولين الانكليز، وكوفىء على ذلك بأن من الانكليز بلقب (سير) وبعث ابنه للدراسة في انكلترا، وزار بمعية ابنه انكلترا وانبهر بمظاهر الحضارة والثقافة الانكليزية التي كان يشيد بها الى نهاية عمره، فضلاً عن تنبنيه المذهب الطبيغي.

أما الشخصية الثانية الافغاني فقد كان عدواً لدوداً للانكليز وكل المستعمرين الاخرين وكان ينادي بأعلى صوته لكي يتضامن المسلمون تحت لواء الجامعة الاسلامية، وعليهم الاستفادة من التقدم الذي أحرزه الاوروبيون في المجالات العلمية المختلفة، أي بعبارة أخرى أنه كان يفصل بين صنفي الحضارة: المدنية والثقافة، فكان يقبل المدنية الغربية التي لا تشكل خطرا على الثقافة والفكر الاسلامي بعكس الثقافة الاوروبية التي ستهدد بنيان المجتمعات الاسلامية، وتلك التي لم يفطن لها السيد أحمد خان الهندي، وإن فطن لها فإن حضارة وثقافة انكلترا ألهته وأنسته كل شىء.

كما لايمكن نسيان العديد من المفكرين والعلماء الذين تسيدوا الساحة الاسلامية من خلال المدرسة العقلية وهم طلبة مباشرين وغير مباشرين للسيد الافغاني، ومن جملتهم: الشيخ محمد عبده المصلح الكبير ومفتي الديار المصرية، وتلميذه محمد رشيد رضا صاحب المنار، وعبدالقادر المغربي، وسعد زغلول الزعيم السياسي المصري، وأحمد أمين، ومصطفى عبدالرازق، ومصطفى المراغي شيخ الازهر، ومحمود شلتوت شيخ الازهر وغيرهم كثير.

لقد أشاعتْ آراء أحمد خان واجتهاداته في إعادة فهم المقولات الكلامية عاصفةً من الجدل والمناظرات، أيقظتْ التفكيرَ الكلامي الساكن، وأقحمتْ العقلَ المسلمَ في شبه القارة الهندية في فضاءٍ يموج بأسئلة وجدالات مختلفة، لم يألفها هذا العقل الذي كان يتلقى اجتهاداتِ مؤسسي الفرق وعلماء الكلام بوصفها اجتهادات أبدية خان أول متكلّم مسلم في العصر الحديث لم يخرج على علم الكلام القديم برأيه في الوحي بل في العقيدة أيضاً. أحمد خان أول متكلّم مسلم في العصر الحديث، لم يخرج على علم الكلام القديم برأيه في الوحي فحسب، بل خرج  بآراء عديدة في العقيدة، وأبواب متنوعة في الشريعة، واتخذ موقفاً صارماً حيال الحديث، رفض فيه توثيقَ أية سلسلة لروايته. ومع إيمانه بختم النبي محمد صلى الله علية وسلم للنبوة.

لذلك انبرى للردّ عليه الكثير من المفكرين: جمال الدين الأفغاني، وشبلي النعماني، وأكبر حسين الإله آبادي، وغيرهم. كل منهم يناقشه من موقع، فمنهم من رأى في فهمه للوحي تجديفاً، ومنهم من وجد رأيه باستمرار النبوة مروقاً مهد لادّعاء بعض المدّعين للنبوة، ومنهم من وصف رفضه المقاومة المسلحة للاستعمار بالعمالة للإنكليز، ومنهم من فسر عدمَ حماسه لاتحاد المسلمين تحت راية خلافة جامعة خيانة، وعلى الرغم من كل تلك المعارضة الصارمة لأحمد خان، لكن بصمة فهمه للوحي وغيره من آرائه المثيرة ظهرت في أعمال أكثر من مفكر مسلم فيما بعد في الهند وباكستان وإيران والبلاد العربية.

وعلى أية حال فإن كثير من الباحثين يعدون السيد خان الهندي أبرز مفكر اسلامي ظهر في الحقبة الاخيرة وكانت أفكاره من الجرأة والشجاعة ما استطاع أن يوفق بين الاسلام المعتدل الخالي من الجهاد والعنف واسترقاق العبيد وعدم تعدد الزوجات، ومتطلبات مفكري الغرب في القرن الحادي والعشرين.

 

 

المصادر والمراجع والهوامش

 

[1] – كارين أرمسترونغ ، حقول الدّم الدّين وتاريخ العنف، ترجمة أسامة غاوجي ، بيروت، الشبكة العربية للابحاث والنشر، 2016م، ص437 – 438.

[2] – محمد البهي، الفكر الاسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، القاهرة، ط2، 1960، ص24 – 26.

[3] – جمال الدين الافغاني الأعمال الكاملة – الله .. والعالم.. والانسان، دراسة وتحقيق: محمد عمارة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979، ج1، ص33 – 34.

[4] – سبله  طلال ياسين  وزينب كاظم أحمد، سيد أحمد خان ودوره السياسي في الهند 1863 – 2989م، جامعة البصرة، مجلة كلية الآداب، العدد الثاني والعشرون، حزيران 2017م، ص 271 – 272.

[5] -احمد أمين، زعماء الاصلاح في العصر الحديث، بيروت، دار الكتب العلمية، ص128.

[6] -احمد أمين، زعماء الاصلاح في العصر الحديث، بيروت، دار الكتب العلمية، ص127؛ محمد الفاضل بن علي اللافي، دراسة العقائد النصرانية منهجية ابن تيمية ورحمت الله الهندي، هرندن – فرجينيا، المعد العالمي للفكر الاسلامي،1428هـ/2007م، ص94 – 95.

[7] -احمد أمين، زعماء الاصلاح في العصر الحديث  ص127.

[8] – كريمو محمّد، الإصلاح الإسلامي في الهند، ترجمة: محمد العربي وهند مسعد، بيروت، نشرة جداول،2016م، ص52.

[9] – جمال الدين الافغاني ومحمد عبده، العروة الوثقى، بيروت، دار الكتاب العربي، 1970م، ص412 – 413.

[10]–  جمال الدين الافغاني ومحمد عبده، العروة الوثقى، المصدر السابق، ص412 – 413.

[11]– المصدر السابق، ص 414.

[12]– المصدر نفسه، ص 414.

[13]– المصدر نفسه، ص 414؛ وقد ترجمت الى اللغة العربية سنة1320هـ/1902م من قبل الشيخ محمد عبده بمساعدة عارف أفندي أبي تراب الافغاني.

[14]– المصدر نفسه، ص 414؛ وقد ترجمت الى اللغة العربية سنة1320هـ/1902م من قبل الشيخ محمد عبده بمساعدة عارف أفندي أبي تراب الافغاني.

[15]– المصدر نفسه، ص 85 – 86.

[16]– محمد البهي، الفكر الاسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، المرجع السابق، ص24.

[17]– المصدر نفسه، ص25

[18]– المصدر نفسه، 24 – 25 .

[19] -أبو الحسن علي الحسني الندوي، الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية” ، الكويت، دار القلم، ط5، 1405هـ/1985م ص65.

[20] – A Series of Essays on The life of Muhammad by W. Muir and Subjects Subsidiary Thereto by Syed Ahmad Khan Trubner & Co London, ,1870. هذه هي اﻟﻄﺒﻌﺔ اﻷوﱃ ﻟﻜﺘﺎب ﺳﺮ ﺳﻴﺪ أحمد خان، ﰒ ﺗﺮﺟﻢ اﻟﻜﺘﺎب الى اللغة اﻷوردﻳﺔ بعنوان: ﺧﻄﺒﺎت اﻟﺴﲑة للسير السيد أحمد خان، دوﺳﺖ اﻳﺴﻮﺳﻲ اﻳﺘﺲ، ﻻﻫﻮر، باكستان، اﻟﻄﺒﻌﺔ الاولى: 1997. وﻗﺪ درس ﻣﻨﻬﺞ ﺳﺮ سيد أحمد خان ﰲ اﻟﺮد ﻋﻠﻰ االمستشرق وليم ﻣﻴﻮر ﻋﺒﻴﺪ ﷲ ﻛﻮﺗﻰ ﰲ ﻣﻘﺎﻟﻪ المحتوى على ثمانية أﻗﺴﺎط ﰲ مجلة المعارف وﻫﻮ ﻣﻘﺎل ﻣﻔﻴﺪ. راجع:  ﻛﻮﺗﻰ، ﻋﺒﻴﺪ ﷲ، ﺳﲑة اﻟﻨﱯ ﺻﻠﻲ ﷲ ﻋﻠﻴﻪ وﺳﻠﻢ والمستشرقون “اﻟﺮؤﻳﺔ اﻟﻨﻘﺪﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﻋﻤﻞ اﻷﺳﺘﺎذ وﻟﻴﻢ ﻣﻴﻮر واﻟﺮد ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺳﺮ ﺳﻴﺪ أحمد ﺧﺎن”)بالاوردية)، ﻣﻌﺎرف، أﻋﻈﻢ ﺟﺮﻩ، الهند في ثمانية أﻗﺴﺎط ( ﻣﻦ فبراير إلى سبتمبر )، إﻳﻠﻮل1985م.ينظر: عبد الصمد الشيخ وبشير أحمد دارس،المستشرق وﻟﻴﻢ ﻣﻮﻳﺮ وﻛﺘﺎﺑﻪ حياة محمد دراﺳﺔ وتحليل، مجلة الحضارة الاسلامية،  اسلام آباد، المجلد8، العدد2، فبراير – كانون الاول 2019م، ص45.

[21] – ينظر: كنابه القيم (روح الاسلام) ترجمة: عفيف بعلبكي الى اللغة العربية.

[22] – أحمد فهد بركات الشوابكة، حركة الجامعة الاسلامية، الاردن، مكتبة المنار1984م – 1404هـ، ص126؛ احمد أمين، زعماء الاصلاح في العصر الحديث، ص59 – 102.

[23] – رشـيـد رضـا، تاريخ الاستاذ الامام ، مطبعة المنار، القاهرة 1931 م، ج ۱، ص 27- 102؛ أحمد أمين ، زعماء الاصلاح في العصر الحديث ، ص 59 – 102؛ لوثروب ستودارد، حاضر العالم الاسلامي، تعليقات شكيب أرسلان، بيروت، دار الفكر، 1391هـ/1971م، ج ۲، ص 289 – 309.

[24] – محمد عمارة، الأعمال الكاملة للأفغاني، ج1، ص 158

[25] -. يـقـول الأفغاني في هـذا الـصـدد : “أليس بعجيب ألا تكون سفارة للعثمانيين في مراكش ، ولا لمراكش عند العثمانيين سفارة ، أليس بغريب ألا تكون للدولة العثمانية صلات صحيحة مع الأفغانيين وغيرهم من طوائف المسلمين في الشرق” . جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، العروة الوثقى، المصدر السابق، ص33.

[26] – محمد عمارة، الاعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني، المرجع السابق، ص 33؛ ويعلق أحد الباحثين  العرب المعاصرين على كلام الافغاني بالقول:” الا أنه من الصعب التسليم بكل ما أورده الأفغاني عن دور العلماء، فالمطلع على مـا كـانـت تـقـوم به مشيخة الإسلام في استانبول يدرك مدى اهتمامها باعداد العلماء والدعاة والحرص على الاسـتـفـادة مـنـهـم لبثهم في أنحاء العالم الإسلامي، ليقوموا بواجب التوعية في أمور الدين و بيان أهمية الوحدة في حياة المسلمين”.ينظر: الشوابكة، حركة الجامعة الاسلامية، ص127.

[27] – محمد عمارة، الأعمال الكاملة للأفغاني، ص 190؛ جمال الدين الأفغاني، العروة الوثقى، ص 16، ص 327.

[28] – جمال الدين الجسيني ومحمد عبده، مجموعة العروة الوثقى، المصدر السابق، ص65.

[29] – العروة الوثقى، المصدر السابق، ص68 – 69 .

[30] – محمد البهي، الفكر الاسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، المرجع السابق، ص75.

[31] – المرجع نفسه، ص58.

[32]– المرجع نفسه، ص58.

[33]– محمد البهي، الفكر الاسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، المرجع السابق، ص59 نقلاً عن جمال الدين الافغاني ومحمد عبده في كتابيهما العروة الوثقى.

[34]– ابو الحسن الندوي، المسلمون في الهند، ص82 – 93..

[35]– جمال الدين الافغاني ومحمد عبده، العروة الوثقى، المصدر السابق، ص412 – 413.

[36]–  محسن عبد الحميد، جمال الدين الافغاني المصلح المفترى عليه، المرجع السابق، ص45 – 47.

[37]– أحمد فهد بركات الشوابكة، حركة الجامعة الاسلامية، المرجع السابق، ص126.

[38]– جمال الدين الافغاني ومحمد عبده، العروة الوثقى، ص70.

[39]–  محمد المخزومي، خاطرات حياة جمال الدين الافغاني، بيروت، المطبعة العلمية، 1913م، ص237 – 239.

[40]–  محمد عمارة، جمال الدين الافغاني الاعمال الكاملة، ص.

[41]–  يقول الأفغاني في ذلك : “لا ألتمس يقول هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحد ، فان هذا ربما كان عسيرا . ولكني أرجو أن يكون سلطان جمعيهم القرآن ، ووجهة وحدتهم الدين ، وكل ذي ملك على ملكه ، يسعى بجهده الحفظ الآخر ما استطاع ، فان حياته بحياته ، وبقاءه بقاءه “. ينظر: أحمد أمين، زعماء الاصلاح ص 2.

[42]–  السلطان عبدالحميد، مذكرات السلطان عبدالحميد، ترجمة وتعليق: محمد حرب، القاهرة، دار الانصار، 1978م، ص7.

[43]–  جمال الدين الافغاني ومحمد عبده، العروة الوثقى، ص412 – 417.

[44]–  المصدر نفسه، ص412 – 417.

[45]–  محمد البهي، الفكر الاسلامي الحديث وصلته بالفكر الغربي، القاهرة، مكتبة وهبة، الطبعة الثانية، 1960، ص13 -25، ص63 – 69.

[46]–  عبدالمنعم النمر، كفاح المسلمين في تحرير الهند، القاهرة، مكتبة وهبة، ص42 – 44.

[47]–  أحمد أمين، زعماء الاصلاح في العصر الحديث، بيروت، دار الكتاب العربي، ص123 – 130

[48]–  محمود قاسم،.جمال الدين الافغاني حياته وفلسفته، القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية، ص25 – 53، 104 – 105.

[49]–  خالد محمد عبدو، دور السيد أحمد خان في إصلاح التفكير الديني في الاسلام المعاصر، جامعة القفقاس، مجلة كلية الالهيات، 2021، ص112.

[50]–  محمد الحداد، الأفغاني (صفحات مجهولة من حياته) دراسة ووثائق، دار النبوغ، بيروت 1339، ص 48 – 49.

[51]–  المرجع نفسه، ج5، ص268 – 269.

[52] – علي شريعتي، رسالة في الدفاع عن إقبال ومسلم ليك، ص 4 – 5 باللغة الفارسية

[53] – علي شريعتي، رسالة في الدفاع عن إقبال ومسلم ليك، المرجع السابق، ص16 – 17.

[54] -احمد أمين، زعماء الاصلاح، ص66.

[55]–  أحمد أمين، فيض الخاطر، المرجع السابق، ج5، ص268.

[56]–  المرجع نفسه، ج5، ص269.

‎ٲ.د. فَرسَت مرعي

د.فرست مرعي اسماعيل مواليد ۱۹٥٦ دهوك ٲستاذ التاريخ الاسلامي في جامعة دهوك له ۲۱ كتابا مؤلفا باللغتين العربية والكردية ، و٤۰ بحثا ٲكاديميا في مجال تخصصه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً