البحوث

صراع الفكرة المسيحية والإسلامية في الهند من خلال كتابي: ميزان الحق.. وإظهار الحق

المقدمة

كانت مستعمرة الهند جزءًا من شبه القارة الهندية التي كانت خاضعة لسلطة القوى الاستعمارية الأوروبية خلال عصر الاكتشاف، جرت ممارسة القوة الأوروبية عن طريق الغزو والتجارة على حد سواء، وخاصة في التوابل. أدى البحث عن ثروة وازدهار الهند إلى استعمار الأمريكيتين من قبل كريستوفر كولومبوس في عام 1492م. وبعد بضع سنوات فقط، قرب نهاية القرن الخامس عشر، أصبح البحار البرتغالي فاسكو دا غاما أول أوروبي يعيد الروابط التجارية المباشرة مع الهند منذ العصر الروماني من خلال كونه أول من وصل من خلال تطويق أفريقيا في حوالي (1497- 1499م)، بعد وصوله إلى كاليكوت، والتي كانت في ذلك الوقت واحدة من الموانئ التجارية الرئيسية في العالم الشرقي، حصل على إذن للتجارة في المدينة من الزعيم الهندي (ساموتهيري راجا). وكان القادمون الهولنديون مع قاعدتهم الرئيسية في سيلان، الذين توقف توسعهم في الهند بعد هزيمتهم في معركة كولاشيل خلال حرب ترافانكورالهولندية من قبل مملكة ترافانكور.

جلبت المنافسات التجارية بين القوى الأوروبية البحرية قوى أوروبية أخرى إلى الهند. ففي أوائل القرن السابع عشر أنشأت كل من الجمهورية الهولندية وإنكلترا وفرنسا والدنمارك والنرويج مراكز تجارية في الهند، ومع تفكك الإمبراطورية المغولية في أوائل القرن الثامن عشر، ثم مع ضعف إمبراطورية ماراثا بعد معركة بانيبات الثالثة، كانت العديد من الولايات الهندية الضعيفة وغير المستقرة نسبيًا التي ظهرت من قبل الحكام الهنود التابعين مكشوفةً بشكل متزايد للتلاعب بها من قبل الأوروبيين.

ففي أواخر القرن الثامن عشر، ناضلت بريطانيا العظمى وفرنسا من أجل الهيمنة جزئيًا من خلال الحكام الهنود بالوكالة وأيضًا عن طريق التدخل العسكري المباشر، حيث كان من المفترض أن تقوم بتهميش النفوذ الفرنسي بهزيمة الحاكم الهندي القوي تيبو سلطان في عام 1799م، وأعقب ذلك توسع سريع في القوة البريطانية من خلال الجزء الأكبر من شبه القارة الهندية. وفي أوائل القرن التاسع عشر، وبحلول منتصف القرن، كان البريطانييون قد اكتسبوا بالفعل سيطرة مباشرة أو غير مباشرة على جميع أنحاء الهند تقريبًا، احتوت الهند البريطانية -التي تتألف من الرئاسات والمقاطعات البريطانية ذات الحكم المباشر- على الأجزاء الأكثر اكتظاظًا بالسكان والأجزاء الثمينة من الإمبراطورية البريطانية، وبالتالي أصبحت تعرف باسم (جوهرة التاج البريطاني).

بدأ الاستعمار البريطاني المباشر في شبه الجزيرة الهندية في عام 1857م، بعد فشل الثورة التي قادها المسلمون ضد الاستعمار البريطاني المتمثل بشركة الهند الشرقية معظم الأراضي التي وقعت في منطقة الهند البريطانية لم تحكم بواسطة الإمبراطورية البريطانية بشكل مباشر بل كانت ولايات أميرية مستقلة اسمياً، حكمت بواسطة الماهاراجا والراجا والثاكور والنواب الذين وقعوا معاهدات مع بريطانيا بشأن سيادتهم، وعرف هذا النظام بالحلف الإضافي. كانت مستعمرة عدن جزء من الهند البريطانية أيضاً منذ عام 1839م، هذا بالإضافة إلى ميانمار(عرفت سابقاً باسم بورما) منذ عام 1886م، استقلت كلتا المستعمرتين من الإمبراطورية البريطانية في عام 1937م، حكمت أرض الصومال البريطانية بين عامي 1884 – 1898م، وسنغافورة بين عامي 1819 – 1867م كجزء من الهند، بالرغم من أن سريلانكا تقع في شبه الجزيرة الهندية، إلا أنها حكمت مباشرة من لندن بخلاف الهند البريطانية.

وعلى الرغم من أن بريطانيا كانت في مقدمة الدول الأوربية التي حققت وحدتها القومية في العصور الحديثة – قبل الكشوف الجغرافية – إلا أنها لم تشارك في الكشوف الجغرافية الجغرافية وما لحقها من عمليات استعمارية، إلا في وقت متأخر من نشاط البرتغال وإسبانيا، وكذلك الهولنديين بل والفرنسيين أيضاً، ولذلك جاء وصول بريطانيا إلى آسيا، بعد أن وطأت أقدام كل من البرتغاليين والهولنديين، أرضها، وبعد أن أخذت الإمبراطورية التجارية التي أقامها البرتغاليون هناك تتهاوى وتتراجع أمام الوجود الهولندي بالمياه الآسيوية، ولهذا تقابلت إنكلترا في المياه الآسيوية وجهاً لوجه بقوة أوربية، كان لها دور هام في التأثير على توجهات بريطانيا بآسيا – وخصوصاً بالهند – قرابة قرن من الزمان. وبمجرد أن أصاب الوهن الوجود الهولندي بالمياه الآسيوية، أخذت بريطانيا تزداد قوة وتأثيراً على الفعاليات الآسيوية، حتى أضحت القوة الأوربية الوحيدة التي ورثت معظم دور هولندا التجارى.

وجدير بالذكر أن هزيمة الارمادا الإسبانية التي حاولت غزو بريطانيا في سنة 1588م- بسبب أعمال القرصنة التي كانت ترتكب من جانب البحارة الإنكليز تجاه السفن الإسبانية التي كانت تأتى محملة بالسبائك من أملاكها بالعالم الجديد – أمام القوات البريطانية في بحر المانش، أعطى إنكلترا إحساساً بقدرتها البحرية، ومن ثم أخذت تشارك الدول الأوربية الصراع البحرى والتجارى. فبدأت السفن الإنكليزية أثناء القرن السادس عشر في الدخول إلى البحر الأبيض المتوسط للبحث عن السلع الشرقية والاتجار فيها، وعندما أوشك هذا القرن على الانتهاء، لم تعد تجارة البحر المتوسط تفى بحاجة السوق الإنكليزية من السلع الشرقية، ولذلك ايقن الإنكليز أنه ليست هناك وسيلة للوصول إلى ثروة الشرق إلا بمزاحمة البرتغاليين مباشرة في الأسواق الشرقية؛ ولهذا بدأت السفن الإنكليزية تهجر تدريجياً طريق البحر الأبيض المتوسط، وتتحول إلى الطريق البحرى الطويل، الذي استخدمه البرتغاليون في الوصول إلى الهند.

التنصير في الهند

في عام 1321م وصل الراهب الفرنسي الدومنيكاني (جوردانس كتالاني) إلى مانغلور وأنشأ محطة تنصيرية هناك، وقد تحول على يده عدد من السكان المحليين إلى المسيحية. وينحدر كاثوليك مانغلور أساسًا من المستوطنين الغوانيين الكاثوليك، الذين هاجروا إلى جنوب كانارا من غوا، وهي ولاية تقع شمال كانارا، بين الأعوام 1560-1763م خلال فترة محاكم التفتيش والحروب البرتغالية مع العادل شاهية وإمبراطورية ماراثا، وبعد الهجرة إلى مانغلور اعتمد المسيحيين الثقافة المانغلورية المحلية، لكنها أبقت على كثير من العادات والتقاليد الغوانيّة. كان كل من (جون لوري) و(ويليام ريد) من أوائل المنصرين الذين ذهبوا إلى المناطق الواقعة فيما يعرف الآن بالبنجاب الهندية في عام 1834م. وبما أن الكنيسة الأنكليكانية هي الكنيسة الرسمية في إنكلترا، فقد “كان لها تأثير على الهند مع وصول البريطانيين”. واستناداً إلى عقيدة الإرسالية الكبرى، قال جوزيف وايت، وهو أستاذ اللغة العربية في جامعة أكسفورد:”تم التبشير به أمام الجامعة في عام 1784م على واجب الترويج للرسالة العالمية التقدمية للمسيحية بين رعايا ماهوتانا وجينتو في الهند”. وفي عام 1889م أعرب رئيس وزراء بريطانيا العظم(روبرت سيسل) عن مشاعر مشابهة، حيث قال: ” ليس من واجبنا فقط ولكن من مصلحتنا تشجيع نشر المسيحية إلى أقصى حد ممكن على امتداد طول وعرض الهند”. أدى تعاظم شأن جيش الهند البريطاني إلى وصول العديد من القساوسة الأنكليكان الى الهند. وبعد تأسيس الجمعية التشيرية التابعة لكنيسة إنكلترا في عام 1814م، شيدت أبرشية كلكتا لكنيسة الهند وبورما وسيلان، وتم بناء كاتدرائية القديس بولس في عام 1847م. وبحلول عام 1930م، كان لدى كنيسة الهند وبورما وسيلان أربعة عشر أبرشية عبر الهند البريطانية.

وفي بداية القرن الثامن عشر، بدأ المبشرون البروتستانت العمل في جميع أنحاء الهند، مما أدى إلى إنشاء مجتمعات بروتستانتيَّة مختلفة في جميع أنحاء شبه القارة الهندية. أولى المعاقل التبشيرية كانت في أندرا برديش في شمال غرب الهند حيث الغالبية الاسلامية من قبل جمعية لندن التبشيرية والتي أنشأت أول بعثة بروتستانتية في مدينة فيساخاباتنام عام 1805م. في وقت لاحق في خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، تحول العديد من أبناء الطبقة العليا البنغاليين إلى المسيحية خلال عصر النهضة البنغالية تحت الحكم البريطاني. ويعتبر البنغاليين المسيحيين أقلية نموذجية، ونظرًا لمساهمتهم الهامة في الثقافة البنغالية والمجتمع في القرنين الماضيين. كذلك يعتبر المجتمع المسيحي البنغالي من بين أكثر المجتمعات تقدمَا في البنغال، ويملكون معدل الإلمام بالقراءة والكتابة الأعلى في الولاية، فضلًا عن أدنى نسبة الجنس بين الذكور والإناث، كما يملك المسيحيين البنغاليين أفضل وضع اجتماعي واقتصادي مقارنًة بالجماعات الدينية الأخرى في الولاية.

جاء المبشرين من الطوائف المسيحية الأخرى إلى الهند البريطانية منهم: المبشرون اللوثريين الذين وصلوا إلى كلكتا في عام 1836م، وبحلول عام 1880م كان هناك أكثر من 31200 مسيحي لوثري منتشرون في 1052 قرية، وبدأ الميثوديون في الوصول إلى الهند في عام 1783م وأقاموا بعثات مع التركيزعلى “التعليم، والصحة والنظافة، والكرازة- التبشير” ، وفي عام 1790م، بدأ مبشرون من جمعية لندن التبشيرية والجمعية التبشيرية المعمدانية بالقيام بالأعمال التبشيرية في الهند البريطانية، وفي منطقة نيور كان مستشفى جمعية لندن التبشيرية رائداً في تحسين نظام الصحة العامة لعلاج الأمراض حتى قبل إجراء المحاولات المنظمة من قبل رئاسة مدراس الإستعمارية، مما أدى إلى خفض معدل الوفيات بشكل كبير.

ومن عام 1881 إلى عام 1891م، ازداد عدد السكان المسيحيين في البنجاب المتحدة آنذاك. وبرز المبشر البنجابي سادهو سوندار سينغ (1889 – 1929م)، وهو من مواليد لوديانا، تحول من الديانة السِّيخيّة إلى المسيحية، وقام بالتبشير في أنحاء الهند. وينحدر الكثير من المسيحيين البنجابيين الحاليين من المتحولين إلى المسيحية خلال الحكم البريطاني. في البداية، كانت التحولات إلى المسيحية قادمة من “المجتمعات العليا في البنجاب، ومن العائلات المتميزة والمرموقة”، بما في ذلك العائلات الهندوسية (من الطبقة العليا)، وكذلك بعض الأسر المسلمة والسيخية التي تحولت إلى المسيحية لاحقاً. ومع ذلك تعود أصول العديد من المسيحيين البنجابيين الحاليين الأخرين إلى الشودراس[1]؛ لذلك تم استغلالهم للتحول إلى المسيحية في شمال الهند خلال الحكم البريطاني. كما كان الغالبية العظمى من المتحولين من مجتمعات السِّيخُ في البنجاب، وبدرجة أقل من الشودراس الهندوس؛ قد دخلوا المسيحيَّة تحت تأثير ضباط الجيش البريطاني المتحمسين والمبشرين المسيحيين.

بعد عام 1857م، أصبح إنشاء المدارس والمستشفيات من قبل المبشرين المسيحيين البريطانيين “سمة محورية للعمل التبشيري والمسارات الرئيسية للتحويل الديني”. وتعتبر كلية كنيسة المسيح التي بنيت في عام 1866م، وكلية سانت ستيفن والتي بنيت في عام 1881م، مثالين على المؤسسات التعليمية البارزة التابعة للكنيسة والتي تأسست خلال فترة حقبة الهند البريطانية، وداخل المؤسسات التعليمية التي أنشئت خلال فترة الحكم البريطاني، كانت النصوص المسيحية، وخاصةً الكتاب المقدس، جزءاً من المناهج الدراسية. وخلال فترة الحكم البريطاني طور المبشرون المسيحيون أنظمة الكتابة للغات الهندية التي لم يكن لها في السابق أنظمة، كما وعمل المنصرون المسيحيون في الهند على زيادة معرفة القراءة والكتابة، وشاركوا في النشاط الاجتماعي، مثل مكافحة الدعارة، ومناصرة حق النساء الأرامل في الزواج مرة أخرى، ومحاولة إيقاف الزواج المبكر للنساء، وبين النساء البريطانيات، أصبحت إرسالية زنانة[2] طريقة شائعة لكسب المتحولين إلى المسيحية.

وعلى أية حال فقد انتشرت المسيحية في أجزاء أخرى من الهند في ظل الأنظمة الاستعمارية البرتغالية والهولندية والدانماركية والفرنسية، والأهم من ذلك البريطانية من أوائل القرن السابع عشر حتى وقت استقلال الهند في عام 1947م. تأثرت الثقافة المسيحية في هذه الأراضي الإستعمارية بالدين وثقافة حكامهم. وبعد استقلال الهند تبوأ عدد من المسيحيين مناصب حساسة منها (سونيا غاندي) رئيسة المؤتمر الوطني الهندي وغيرها، وهناك نخبة مسيحية تمتع بمراكز رفيعة في الحكومة المركزية والجيش والشرطة والتربية والتعليم والجامعات والأعمال الحرة وغيرها. وتملك الكنائس الهندية العديد من المؤسسات التي تقدم خدمات للمجتمع الهندي وتشمل مدارس، ومستشفيات، وجامعات، وكليّات، ودور أيتام ومشرّدين.

المُنَّصر كارل غوتليب فاندر

ولد فاندر عام ١٨٠٣م في يبيلجن، ساكسونيا -المانيا؛ حيث والداه أعضاء قياديين في جماعة الورع المحلية، وفي الثانية عشرة من عمره دخل فندر المدرسة اللاتينية، وفي سن السادسة عشرة التحق بأكاديمية مورافيا في شتوتغارت، وتأثر في طفولته بالقراءة عن مهمة بازل  في التبشير في أن يصبح مبشرا وكانت تلك الحركة ( بازل)[3]  ترى في نفسها المجتمع الروحي فهي طائفة في المجتمع المسيحي تكرست جهودها لتوحيد المسيحيين الورعين سواء أكانوا لوثريين أو مورافيين للالتزام بمهمة التبشير الملائكي. وكانت الفكرة المسيطرة آنذاك للورع هي الحاجة إلى التوبة الفردية، والتجديد بدءا من وعي المرء بخطيئة نفسه، وبتلك العملية – فقط – من الاكتشاف الروحي يمكن أن يؤدي ذلك إلى الخلاص. وكان الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد للسلطة، وشكلت دراسته اللوح المركزي في المناهج الدراسية في كلية التدريب في بازل والتي تأسست عام 1815م.

عرض فاندر نفسه على المجتمع في سن السابعة عشرة من العمر، ودخل كلية بازل عام 1820م، وهذا إلى جانب دراسة الكتاب المقدس، مع التركيز على اللغات الأصلية، وتعلم اللغة العربية والقرآن، لأن المبشرين الأوائل الذين يعملون في المناطق الإسلامية حددوا مهمة التبشير بأنها أولى الأولويات.

كان فاندر في عام 1779 – 1838م يأخذ محاضرات حول تعلم القرآن واللغة العربية خمس ساعات في الأسبوع، كذلك تلقى الطلاب في بازل دراسات في تعلم كيفية التجارة اليدوية بمهارة، وأصبح الاستقلال المالي سمة مميزة لكثير من الطوائف المسيحية والتي ترعاهم بازل. وغادر فندر بازل مستحوذا بعض المعارف الإسلامية – والتي تقوم في الأصل على القرآن – واختلف عن معاصريه في أنها – ربما – كانت أكثر دقة ممن اعتمد فقط على المصادر الأوروبية.

التبشير في أرمينيا 

 

في عام 1825م وبعد استكمال فاندر لمساره، ارتسم في أوامر ومعتقدات اللوثرية والمتمركزة في شوشة – عاصمة إقليم كاراباخ في أرمينيا الروسية – حيث تركزت بعض المراكز هناك على إصلاح الكنيسة الأرثوذكسية الأرمينية والتي يعتقد بفسادها، وبالتالي تخليص ثلث السكان المحليين اللذين كانوا من مسيحيي الأرمن.

بدأ فاندر في كتابة أعمال “اعتذار المسيحي”، وقال أنه يعتقد أن إقناع المسلمين بالتفوق المسيحي لا توصف! وقال أنه يدرك جيدا أن هذا النوع من الاعتذار سواء أكان من جانب الإسلام إلى المسيحية، أو المسيحيين إلى المسلمين، كان له تاريخ طويل، ولكنه رأى أن كتبه ستشكل آفاقا جديدة، من حيث الدقة العلمية – ربما – أكبر من حصر اللغة والثقافة في مجرد كلمات أو مصطلحات عند القراء المسلمين، كما ذكر أنه نجح في هذا المسار ويعتقد أن عددا غير قليل من القراء المسلمين تداولوا كتابه ومنهم من ارتد عن دينه كذلك.

تعرف فاندر على آراء المبشر والمستشرق البريطاني هنري مارتين(1781 – 1812م) المثيرة للجدل، على الرغم من أن أي تأثير يظل مدرجا في التفاصيل كما ظهرت المخطوطة الألمانية لكتابه (ميزان الحق لأول) لأول مرة عام 1829م وخصص فاندر جزءا كبيرا من عمله – في وقت لاحق – لتنقيح وترجمة كتابه الميزان بالإضافة إلى كتابيين تاليين وهما: مفتاح الأسرار، وطريق الحياة إلى لغات أخرى، وعلق W. A رايس بقوله: كان فاندر يبلغ الأربعين من العمر حين أجاد في عمله بشكل مثير للجدل.

في عام 1813م ظهر كتاب ميزان الحق بالأرمينية، وفي عام 1835م ظهر بالفارسية، وفي عام 1833م تلقى فاندر إذنا من بعثة (بازل التبشيرية)  للحصول على إجازة – لبعض الوقت – بغرض الزواج وطبقا – ربما – لتقاليد المجتمع اتفقت رغبته مع عادات وتقاليد المجتمع – آنذاك – في الزواج من روسية وعدم الزواج من أجنبية، فتم السماح له بادئ الأمر بالذهاب لروسيا.

ومن جهته قام فاندر بعمل تبشيري في كاراباخ والأراضي المجاورة ما بين سنتي 1825 و1836م، ومن بين العديد من الإرساليات االتبشيرية ركز بعض المبشرين على إصلاح الكنيسة الأرثوذكسية الأرمينية، التي اعتقدوا أنها فاسدة ومفلسة – ثلث السكان المحليين من المسيحيين الأرمن – كانت هذه المقاطعة المنشأة حديثًا قد هاجر إليها الأرمن من بلاد فارس (إيران الحالية)، ركز فاندر نيابة عن بعثة بازل على التبشير وإيصال الإنجيل إلى المسلمين المحليين – كان حوالي ثلثي السكان المحليين من المسلمين وغالبيتهم من الكُرد، اعتقد فاندر أنه إذا قرأ المسلمون العهد الجديد مترجمًا إلى اللغة الفارسية، لغتهم المفضلة، فسوف يتخلون تلقائيًا عن الإسلام ويعترفون بتفوقه وحقيقته؛ لهذا قام فاندر بالعديد من الرحلات إلى إيران وقضى أيضًا عامًا في بغداد في العراق، لإتقان اللغة الفارسية من عام 1825 إلى 1829م، بعدها انتقل الى القوقاز. وفي عام 1835م حظرت روسيا جميع العمليات التبشيرية للبروتستانت في شوشة عاصمة مقاطعة كاراباخ في القوقاز باستثناء عمليات الكنيسة اليونانية الارثوذكسية؛ وبالتالي أُجبر على مغادرة شوشة، ثم عاد إلى شوشة عام 1836م بعد أن ذهب إلى استنبول عام 1835م، لكنه غادر إلى كلكتا بالهند عام 1837م.

عمل فاندر في إقليم أغرة بشمال الهند (1841–1855م)

مع انفتاح البرلمان البريطاني على الأنشطة التبشيرية البروتستانتية في عام 1813م في الهند، بدأ العديد من المبشرين العمل في الهند التي كانت تحت سيطرة شركة الهند الشرقية، ففي عام 1814م تم تكريس أول أسقف إنكليكاني سرًا في كلكتا، ومنذ عام 1832م سُمح أيضًا للمبشرين غير البريطانيين بالعمل في شبه القارة الهندية. كانت مدينة أغرة المشهورة بالتعليم والثقافة الإسلامية، وقد حولتها الحكومة البريطانية إلى مركز إداري لمقاطعة شمال غرب الهند، أصبحت كل من أغرة و لكهنؤ موطنًا للمبشرين الذين شاركوا في حوار بين الأديان مع العلماء المسلمين المحليين ونشروا كتبًا جدلية ضد العقيدة الإسلامية.

وكانت جمعية التبشير الكنسية قد جندت فاندر، وأرسلته إلى أغرة لتنصيرالمسلمين وأيضًا لمساعدة الزملاء المبشرين الألمان العاملين، الذين تم نفيهم مثل فاندر من آسيا الوسطى بسبب حظر القيصر الروسي لأي نشاط تبشيري آخر، وصل فاندر إلى كلكتا في 1 أكتوبر/ تشرين الاول عام 1838م، ولدى وصوله كان لديه انطباع بأن المسلمين في الهند على وشك التحول إلى المسيحية، وبناءً على ذلك قام بترجمة بعض الكتب عن الإسلام والمسيحية التي سبق أن كتبها خلال السنوات السابقة إلى الأوردية، كان (ميزان الحق) أحد هذه الكتب التي تم استخدامها كنقطة انطلاق في أغرة، وقد تُرجم إلى عدة لغات أخرى في العالم الإسلامي أيضًا، وفي عام 1854م، انخرط فاندر في مناظرة عامة شهيرة مع كبار العلماء المسلمين في أغرة.

ولئن كانت عقائد المسلمين سبباً دافعاً للشيخ رحمو الله لمناظرة فاندر ـ فإنّ جهود المنصرين خلال ثلاثة قرون وكتبهـم وهجومهـم على رحمة الله لطلب مناظرة من آلت إليـه صدور كتاب ميزان الحق في ظرف تسلط فيـه الإنكليز على سائر أرجاء الهند كان السبب المباشر والهام الذي جعل الشيخ يطلب مناظرة مؤلفه، حيث توفرت في الكتاب ومؤلفه الأسباب الدافعة التالية :

  • أن مؤلف هذا الكتاب هو رئيس المنصرين الذي كان معتـداً بنفسه وكثير الإدلال بكتابه، وقد ملأ الغرور والكبرياء نفسه، وكثر نشاطه حتى طارت شهرته وذاع صيته ، وصارت الأموال تُرسل إليه من مؤسسات عديدة حكومية وأهلية تقديراً لجهوده ودعماً لموقفه.
  • تلقي المنصرين والقسس لهذا الكتاب بالقبول والتقدير، لشموله جميع الشبه والافتــراءات وكل ما يمكـن أن يعترض به المنصرون والمستشرقون على دين الإسلام، بالإضافة لشموله جميع أوجـه الـرد والدفاع عن العقائد النصرانية ، بحيث إنه يعـد كتابـاً جامعـاً في موضوعه؛ لأنه حصيلة جهود قرون طوال في الكيد للإسلام [4].
  • إعتماد كل الكتاب والطاعنين في الإسلام على هذا الكتـاب بعـد صدوره، واعتباره المرجع الرئيسي لهم . وكل الكـتب المعاديـة للإسلام التي جاءت بعده كانت شرحاً وتطويلاً للكتاب أو اختصاراً له، فكتـاب الهداية الواقع في أربعة مجلدات لمؤلف مجهـول، ما هو إلا تطويل لميزان الحق. وكتاب تذييـل مـقـال في الإسلام لمؤلف مجهــــــول كذلك ـ سمى نفسه هاشما العـــــــــــربي ـ ما هو إلا اختصار له

يقول الباحث المصري عبد الرحمن الجزيري بهذا الصدد: ” من أجل ذلك نظرت في كتب المبشريـن القديمة والحديثة فوجدت أنهـا تـرجـع في معظمهـا إلى كتـابين أحدهما : كتاب ميزان الحق … ولعل هذا الكتاب هو الينبوع الذي منه يستقي المبشرون مطاعنهم في الإسلام ، وثانيهما كتـاب تذييـل مقال في الإسلام … ولكنه لم يخرج عن مطاعن ميزان الحق قيـد شعرة فميزان الحق هو عمـدتهم الـذي يعتمـدون عليـه في مطاعنهم ، وصاحبه هو زعيمهم الأول الذي فتح لهم طريق الطعـن على الإسلام والمسلمين بجرأة مدهشة”[5].

  • وكتاب ميزان الحق نفذت له ثلاث طبعات متتاليـة في الهنـد ، الأولى القديمة في سنتي ١٨٣٣م و ١٨٤٣م بالإنكليزية، والثانية بالفارسية سنة ١٨٤٩م، والثالثة بالأردية سنة 1850م، وتُرجم فيما بعـد للتركية والعربية، حيث ظهرت الطبعة العربية الثانية في سنة 1923م التي نقحها وأضاف عليه نتائج الاكتشافات الحديثة المنصر الانكليزي (وليام سانت كلير تيسدال) مؤلف كتاب ( مصادر الاسلام) مما يدل على سرعة انتشاره ومدى خطورته، مما يدل على أن كل منصر عندما يفحم من قبل علماء المسلمين فإن أخلافه يحاولون بشتى السبل تكملة المشوارعن طريق القول ( نتائج الاكتشافات الحديثة).
  • زعـم فـانـدر أن كتابه ميزان الحق لا تُمكن معارضتـه وأن علمـاء المسلمين عاجزون عن الرد على ما فيه من حقائق، مستدلاً بأنه تم توزيع الكتاب بطبعاته الثلاث في جميع أرجاء الهند بحيث لا يشك في وصوله إلى أيدي علماء المسلمين وقراءتهم ما فيه ، ومع ذلك لم يستطع أحـد الـرد عليـه، ومازال يتحداهـم أن يردوا إن استطاعوا منهم
  • تنسيق أبواب الكتاب وفصوله بحيث يوهم القارىء أن المقدمات توصل حتماً إلى النتائج المقررة، وأن الكتاب يؤلف وحدة متكاملة للربط الظاهري بين السابق واللاحق . فبعد أن ذكر في الباب الأول عدم نسخ كتب العهدين وعدم تحريفها، وأن القرآن نفسه يؤيـد كونهما كلام الله الذي لا ينسخ ولا يحرف ، ذكر في الباب الثاني أهم تعاليم التوراة والإنجيل وكيفية الإيمان بالمسيح والفوز بالخلاص وكيفية انتشار دينه ، ثم زعم في الباب الثالث أن خبر رسالة محمد ليس مكتوباً في التوراة ولا في الإنجيـل ، وأن أعمالـه لا تدل على نبوته ، وأن بلاغة القرآن ليست دليلاً على كونه كلام الله ، ثم ذكر كيفية انتشار دين الإسلام بالسيف والقهر، وعليه فالقرآن في نظره ليس كلام الله وليس بناسخ لكتب العهدين .
  • تسمية هذا الكتاب : (ميزان الحق ) مما يوهـم القارىء أن مؤلفه قد وزن جميع الأمور، ووازن بين العقائد وبحث في علم مقارنة الأديان بحثاً علمياً نزيها بطرقه الصحيحة ، فوجد أن الحق هو ما دونه في هذا الكتاب ، لذلك فإن اسم هذا الكتاب وحده يشكل خطورة بالغة على المبتدئين وأنصاف المتعلمين .
  • أمـا بالنسبـة للعلمـاء فإن هذا الكتاب جدير بهذه التسميـة، لأن القارىء المتيقـظ يظهـر له بفضل الله ـ أن كل دليل أتى به صاحب ميزان الحق لإبطال الإسلام وتأييد عقائد النصرانية: كان في الواقع دليلاً على صحـة ديـن الإسلام وزيف ما عداه، فقتل فنـدر بسيف جليات[6]:” فإذا كان لاسم هذا الكتاب مدلول صادق فذلك لأنه قد أيد الإسلام من حيث يريد مؤلفه أن يطعـن به عليه ، وأثبت تحريف التوراة والإنجيل من حيث يريد إثبات سلامتهما من التحريف ، وعمل على هدم دينه من أساسه من حيث يريد بناءه “[7]، فكان يحتج بما هو حجة عليـه يعيب القرآن بما هو أجدر أن يعاب به التوراة والإنجيل الخرفان ، ولكن التعصب أعماء
  • . الهجوم الشديد على دين الإسلام والقرآن الكريم والرسولﷺ (صلى الله عليه وسلم) مع عدم توزعه عن استعمال السب والشتم للمخالفين، وإذا صدر من المخالف كلمة بسيطة في حقه أو حق علماء مذهبه فإنـه يجعلهـا كبيرة، ويشنـع بها على علمـاء المسلمين ويستقبـح ذلك منهم، ولكنه يستحسن صدور ذلك منه، وقد كان في ردوده على الشيخ هادي علي ـ مؤلف كتاب (كشف الأستار للرد على مفتاح الأسرار) لفاندر ـ لا يتورع عن نسبته إلى الكفر والعمى والتعصب والتكبر وسوء الفهم، كما قال في حق الشيخ محمـد آل حسن ـ مؤلـف كتاب (الاستفسار للرد على ميزان الحق) ـ ونسبه إلى الكفر وعدم المبالاة وأن فهمه أنقص من فهم الوثني وأن الإنصاف والإيمان غالبان عن قلبه ، كما نسب الدكتور محمد وزیر خان إلى الدهريين، بينما هو غضب غضبا شديداً من نسبة الشيخ رحمة الله لفظ الفرار إليه عندما حاول التهرب من المناظرة، كلاماً في غاية القبح، وأما ما نسبه إلى القرآن  الكريم والنبي (صلى الله عليه وسلم) ﷺفيعظم ذكره وينبـو القلـم عن تدوينه، ولا نستغرب ذلك منه في حق نبينـا (صلى الله عليه وسلم)ﷺ أو من هو الأنبياء إلى السكر والزنا والكفر، ويشتمون الله بنسبة الولد إليه ووصفه بصفات البشر، تعالى الله عما يقولون علوا دونه، لأنهم ينسبون كبيراً .
  • خطورة هذا الكتاب على المسلمين عامة وفي الهند خاصة أكثر من خطورة تدريس التوراة والانجيل في المدارس والكليات، وقد عد (م. هوري) زعزعة فاندر لعقيدة المسلمين في الهند بترجمته كتابه ميزان الحق الى اللغتين الفارسية والاردية أعظمَ من عمل المبشر القس ( هنري مارتين) الذي ترجم الانجيل للفارسية والأوردية، وقد ذكر إبراهيم خليل أحمد – الدكتور والقسيس المصري الذي أسلم – أخطرَ أربعة كتب للمنصرين وهي:

أ – ميزان الحق للدكتور فاندر

ب – كتاب الهداية ويقع في أربعة أجزاء، وهو هجوم مريع على الاسلام و على القرآن الكريم ، وعلى نبي الاسلامن يعتقد أن للمنصر الامريكي المشهور صموئيل زويمر(1867 –1952م).

ج – مقالة في الاسلام للمستشرق الدكتور جورج سال (1697- 1736م)، وقد نشر من قبل المطبعة الانكليزية الاميركانية في مصر سنة1914م.وترجم من قبل شخص مجهول يدعى هاشم العربي، ويبدو أنه هو مؤلف الكتاب حسب ما ذكر الجزيري في مقدمة كتابه (أدلة اليقين في الرد على مطاعن المستشرقين)[8].

د – كتاب مصادر الاسلام  للدكتور وليام سانت كلير تيسدال[9].

وجعل أولها وأكثرها خطورة كتاب ميزان الحق [10].

11 ـ ردة الفعل العنيفة التي حصلت عند المسلمين في الهند إثر صدور هذا الكتاب لانتشاره السريع وسكوت كثير عن الرد عليـه فترة من الزمن بحيث خيـف على ضعاف النفوس من الردة لما فيه من مدح العقائد النصرانية وتأييدها ، والنيـل من عقائـد الإسلام ونقدها، وقد دب الملل إلى نفوس المسلمين وثارت ثائرتهـم حمية لدينهم وعقيدتهم ، وانتظروا من يعلن جرأته في الرد على افتراءات زعيم المنصرين التي أحدثت أثراً سيئاً في نفوس المسلمين حتى تحير كثيرون منهم، وقالوا للشيخ بأنهم إذا سمعوا لفنـدر ظنــوا أن النصرانية حق، وإذا سمعوا لعالم مسلـم ظنوا أن الإسلام حق، وأنهـم يحبون المناظرة العلنية لرفع الإشكال وإزالـة الشبهات، بل إن رام شندر الهندوسي الذي كان صديقاً لفنـدر وللشيخ رحمت الله، وكان محباً لفاندر وكتبه، تجرأ أن يطلب من الشيخ رحمت الله زيارة فانـدر لعله يهتدي إلى النصرانية”[11].

12- خطورة هذا الكتاب على المسلمين عامةً وفي الهند خاصةً أكثر من خطورة تدريس التوراة والإنجيل في المدارس والكليات ، وقد عدّ ( م. هوري ) زعزعة فانـدر لعقيدة المسلمين في الهند بترجمته كتابه ميزان الحق إلى اللغتين الفارسية والأردية أعظم من عمل القس هنـري مارتين بترجمته الإنجيل للفارسية والأردية،

وعلى العموم فإن المنصرين في الهنـد قد استطـار شـرهـم، وكثفـوا حملاتهم التنصيرية، وقد استفحل أمـر فانـدر ورأى أن الجو قل ملا له، فازداد جراءة و تحدياً، ورأى الشيخ رحمة الله أنه لا سبيل إلى الحد من نشاط هؤلاء القوس ـ وفي مقدمتهم وعلى رأسهم القس فاندر ـ وإعادة الثقة إلى نفوس المسلمين ومقاومة ( مركب النقص ) منهم إلا مناظرة فاندر في مجمع حافل يحضره المسلمون والمواطنون والحكام الأوروبيون والنصاري والنصارى والمتنصرون، وكان فاندر كثير الإدلال بكتابـة ميزان الحق ، فخـوراً بتبجحاته، ويرى أنه ليس من السهـل معارضته ونقضه من علمـاء المسلمين.

كل هذه الأسباب مجتمعة جعلت الحاجة ماسة للرد على هذا القسيس، مما حفز الشيخ رحمت الله للدعوة إلى مناظرته علناً حتى يعريه .ويفقده كل هذا الأثر في الأوساط الهندية.

رحمة الله الكيرانوي العثماني الهندي

هو محمد رحمة الله بن خليل الله ويعرف بخليل الرحمن الكيرواني العثماني؛ وينتهي نسبه عند الجد الرابع والثلاثين إلى ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولد بحي درباركلان في قرية كَيرانة بمحافظة مظفر من توابع دلهي عاصمة الهند سنة ١٨١٨م، وقد اشتهر أفراد أسرته بالعلم والطب والمناصب العالية، أتقن اللغات الاسلامية الثلاث: العربية والفارسية والأردية، وقرأ كتب الشريعة واللغة على يد آبائه، وأسس مدرسة شرعية في كيرانة تخرج منها كبار المدرسين والمؤلفين، ومؤسسي المدارس – في أرجاء الهند – كما أسس مراكز لتدريب الدعاة على مقاومة التنصير .

ولد في عائلة شهيرة وأسرة كريمة، اشتهر أفرادها في تلك المقاطعة أمراء ورؤساء وحكاما وعلماء وأطباء، وكان أول من قدم إلى الهند من آل سيدنا عثمان هو الشيخ عبد الرحمن الكاذروني، الجد الأعلى للشيخ، حيث كان قاضيا شرعيا للجيوش الإسلامية التي فتحت الهند على يد السلطان محمود الغزنوي، فاستقر الشيخ عبد الرحمن الكاذروني في بلدة (باني بت) وتوفي فيها، وقبره معروف حتى الآن وكان الشيخ رحمة الله من ذرية هذا المجاهد الغازي- رحمه الله- ولذا يطلق على الشيخ لقب( العثماني).

نشأ رحمة الله في أسرة واسعة الثراء والجاه، حفظ القرآن الكريم في الثانية عشر من عمره، وتتلمذ في مدينة العلم والحضارة لكهنؤ على يد المفتي سعد الله المراد آبادي. بدأ في حفظ القرآن الكريم، والمبادئ من الكتب المتداولة في بلدته على يد كبار أفراد أسرته المشهورين بالعلم والفضل، ثم شد رحله إلى دلهي عاصمة العلوم والفنون، والتحق بإحدى المدارس الدينية، ونال الحظ الأوفر من أمهات العلوم والكتب، ثم أخذه العلم والمعرفة إلى بلدة لكنو – مدينة الثقافة والحضارة – فأخذ عن عدة علماء أفاضل بها، وتخصص في آداب اللغة الفارسية وعلوم الطب، ولما فرغ من تحصيل العلوم الدينية والرياضية، رجع إلى مسقط رأسه كيرانه، وأسس مدرسة قام بالتدريس فيها مدة وجيزة، لازمه عدد من تلاميذه مدة طويلة وأصبحوا من العلماء العالين في الهند، منهم: العلامة الشيخ عبد الوهاب، مؤسس أول مدرسة إسلامية بمدينة مدراس بالهند، عرفت وسميت بـ (الباقيات الصالحات) والتي تعتبر اليوم أكبر كلية في مدينة مدراس بجنوبي الهند. رحمة الله الكيرانوي العثماني الهندي

ولما فشلت الثورة التي قادها المسلمون وأخمدها الانكليز – بوحشية بالغة – نصبوا خلالها أعواد المشانق للعلماء، وجعلوا مكافأة لمن يدلهم عليه، ولكنه انتصرعليهم في المعركة الدينية، وأسهم في الجهاد ضدهم، وقد اختفى مدة في قرية صغيرة، ولما دخلت الجيوش الإنكليزية في هذه القرية، أخذ المنجل ودخل في مزرعة وتشاغل بحصاد الحقل، كفلاح صغير مغمور، واستطاع بذلك أن ينجو بنفسه، ويصل إلى سورت ميناء الهند المطل على المحيط الهندي وبحر العرب، وخرج خفية وسافر بحراً إلى اليمن، ومنها براً إلى  الديار المقدسة مكة المكرمة سنة ١٢٧٨هـ/١٨٦٢م يعني بعد الثورة بخمس سنوات، وصودرت أملاكه التي كانت كبيرة وواسعة، وبيعت بالمزاد العلني، وكان ذلك في أيام خلافة السلطان العثماني عبد العزيز خان(1245-،1277هـ/1830-1876م) وإمارة الشريف عبد الله بن محمد بن عبد المعين بن عون(1275-1294هـ /1885 -1277م)على الحجاز، ولما عرفت منزلته في مكة، وبلاؤه في الدفاع عن الإسلام، سمح له بالتدريس في الحرم المكي وتوثقت بينه وبين عالم مكة الجليل مفتي الشافعية الشيخ أحمد بن زيني دحلان(1232 – 1304 هـ/1816 -1886م) الصداقة، وهو الذي كان له الفضل في التعريف به عند شريف وعلماء مكة وأعيانها، وسجل اسمه في السجل الرسمي لعلماء الحرم عام 1885م.

أسس أول مدرسة في مكة والحجاز، وسميت عام 1891م باسم المدرسة الصولتية، وبقي الشيخ مديرا ومدرسا فيها إلى وفاته عام 1891م ودفن في مقبرة مكة رحمه الله

بعد تأليف  إظهار الحق

عاد الشيخ رحمة الله إلى مكة المكرمة، واشتغل بالتدريس في الحرم الشريف وبداره، ولم يكن التعليم في أرض الحرم مرتَّبًا منظما بل كان مقتصرا على حلقات العلماء بدون تنظيم ولا منهج، ومن غير شك كانت الخلافة العثمانية تبذل أموالا طائلة لعلماء المسجد الحرام ولطلاب العلم، ولكن لم تكن هناك مدرسة نظامية تعتني بأبناء مكة والمهاجرين من حيث التعليم والتربية، وكان شديد التألم من رداءة حالة التعليم وضياع أبناء المسلمين، فقام اعتمادا على الله بفتح وتأسيس أول مدرسة في ربيع الأول عام 1285هـ/1868م على نفقته الخاصة بمحلة الشامية، بدار أمراء الهند المهاجرين، المعروفة بدار السقيفة عند مطلع جبل هندي بالشامية، عرفت بالمدرسة الهندية أو مدرسة الشيخ رحمة الله، ونظرا لضيق المكان لم يستطع الشيخ تنظيم المدرسة، كما كان يتمناها ويريدها، إلى أن قدمت فريضة الحج عام 1289هـ/1872م إحدى أميرات الهند، … وكانت تنوي بعد الحج بناء رباط في مكة، كما هي عادة أهل الخير في أراضي الحرمين الشريفين، وكانت على علم تام بشهرة الشيخ رحمة الله وجهاده في الهند، فاستشارته في إقامة عمارة للفقراء، فأخبرها الشيخ أن مكة المكرمة ليست بها مدرسة تتكفل بتعليم أبناء المسلمين، وأخبرها عن مدرسته، فوافقت على إنشاء مدرسة، وفوضت الأمر إلى الشيخ، وسبحان الله مسبب الأسباب؛ فقد اشترت الأرض في حي الخندريسة بمحلة الباب، ووضع الشيخ رحمة الله بيده المباركة حجر الأساس لأول مدرسة دينية نظامية تحت ظل البيت العتيق صباح يوم الأربعاء الموافق 15 شعبان عام 1290هـ/1873م.

شهدت هذه البلدة المقدسة ميلاد أول مدرسة ببدء الدراسة بالنظام الحديث فيها في احتفال كبير حضره جميع علماء وأعيان مكة وطلاب العلم، بفضل هذه المحسنة، وتخليدا لذكرها فقد أطلق الشيخ اسم: الصولتية على المدرسة، نسبة إلى السيدة صولت النساء، ولم ينسبها إلى نفسه فأصبحت هذه المدرسة مركزا للطلاب من كل حدب، ومنبعا للعلوم والمعرفة، وهي أول مدرسة نظامية على الإطلاق وبالاتفاق في الجزيرة العربية، تأسست على يد ذلك المجاهد العظيم، ولا زالت والحمد لله تؤدي رسالتها في مدة قرن ونصف تقريبا من الزمن، وتاريخ المدرسة حافل بالخدمات العظيمة في نشر الدين والعلم، وتخريج أفواج من العلماء والمدرسين والقضاة والمؤلفين ورجال الدولة حملوا رسالتها في البلاد وخارجها، ومنهم جلالة الملك الشريف حسين بن علي الهاشمي مؤسس الدولة الهاشمية بالحجاز.

أما مساعد الشيخ رحمة الله وشريكه في مناظرته فهو الحكيم محمد وزير خان الأكبر آبادي، الذي درس الطب في لندن، وتخرج عام 1832م، وكان يتقن الإنكليزية واليونانية، واطلع على المسيحية في مصادرها الأصلية، وأحضر معه مكتبة زاخرة عن النصرانية بلغاتها الأصلية. كان له دوره العلمي الدعوي في الهند، هاجر إلى مكة، وتوفي بالمدينة المنورة، ودفن بالبقيع.

الحالة العامة بالهند وجهود الشيخ رحمة الله في مقاومة التنصير

كانت فترة حياة الشيخ من أصعب الفترات التاريخية في الهند من حيث تدهور الإمبراطورية المغولية الإسلامية التي ظل حكمها نحو أربعمائة سنة على عموم أنحاء الهند، وبدأ نفوذ وتسلط التدخل الأجنبي المستعمر الذي هو الإنكليز، وكانت الفوضى السياسية والحكمية، وانعدام الأمن والاستقرار، وأهم من ذلك كله فقد كانت الأمور بيد الإنجليز يديرونها ويدبرونها كيفما شاؤوا ضد المسلمين للقضاء على الإمبراطورية التي بقيت اسما وصورة فقط، وقد كانت الضربة القوية موجهة إلى الإسلام والمسلمين، وكانت جماعات وفرق من المنصرين والمسيحيين تجوب أطراف الهند، تبث الدعاية المسمومة ضد المعتقدات الإسلامية، وتنشط القسيسون بعقد الاجتماعات والحلقات والحفلات في الأماكن العامة، والهجوم على المساجد والمدارس، وإلقاء الخطب ضد الدين الإسلامي، ومهاجمة العلماء والسذج سويا، وإجبار المسلمين بقبول الدين المسيحي. ولا ننسى في مثل هذه الحالة مساندة الحكومة الإنكليزية بكل نفوذها وقوتها لنشر دعوة النصرانية، وتنزيل أنواع العذاب لكل من يقاوم حركتهم ويتصدى لهم، وفي هذه الظروف الحالكة كان الشيخ رحمة الله الفرد الوحيد الذي جازف بحياته، وأعلن الجهاد ضد الإنجليز، ودعا رئيس البعثة التنصيرية المسيحية القسيس فاندر إلى المناظرة(؛ حيث تفرغ لمقاومة المنصرين، ودرس النصرانية حتى فاق علماءها المتخصصين، ثم بدأ يؤلف كتبه للرد عليهم

مؤلفاته 

بدأ برسائل صغيرة أو بالترجمة، فله رسالة مخطوطة في وقت صلاة العصر، ورسالة التنبيهات في إثبات الاحتياج إلى البعثة والحشر، وله مخطوطة في ترجمة التحفة الاثني عشرية في الرد على الروافض بالعربية بالمدرسة الصولتية لمؤلفها الشيخ عبد العزيز ولي الله الدهلوي، أما مؤلفاته في الرد على المنصرين، والدفاع عن عقائد الإسلام فهي:

  • إزالة الأوهام: بالفارسية طبع عام 1269م/1853م، وترجم إلى الأردية باسم دافع الأسقام.
  • إزالة الشكوك:بالأردية للإجابة على 29 سؤالا أوردها المنصرون على علماء الإسلام لإثبات نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم -، وإثبات التحريف في كتب العهدين.
  • الإعجاز العيسوي:ويسمى باسمين آخرين هما (الإعجاز المسيحي و مصقلة التحريف، وألف بالأردية 1270هـ /1853م، وأعيد طبعه في لاهور بباكستان عام 1988م، ويقع في 773 صفحة.
  • أحسن الأحاديث في إبطال التثليث:بالأردية عام 1292هـ/1875م.
  • البروق اللامعة:بالعربية، وهو مفقود.
  • معدل اعوجاج الميزان:بالأردية للرد على ميزان الحق، الطبعة الجديدة.
  • تقليب المطاعن: بالعربية للرد على القسيس تحقيق الدين الحق، وهو مفقود.
  • معيار التحقيق:للرد على كتاب تحقيق الإيمان، وهو مفقود.
  • المحبوب إلى القلوب: مخطوط بالأردية.
  • البحث الشريف في إثبات النسخ والتحريف:يحوي نص المناظرة الكبرى بالفارسية.

 

اشترك رحمة الله في الثورة على الانجليز عام 1857م، ولما فشلت الثورة، وأخمدها الانكليز – بوحشية بالغة – نصبوا أعواد المشانق للعلماء، وجعلوا مكافأة لمن يدلهم عليه، ولكنه انتصر عليهم في المعركة الدينية، وأسهم في الجهاد ضدهم، وقد اختفى مدة في قرية صغيرة، ولما دخلت الجيوش الإنكليزية في هذه القرية، أخذ المنجل ودخل في مزرعة وتشاغل بحصاد الحقل، كفلاح صغير مغمور، واستطاع بذلك أن ينجو بنفسه، ويصل إلى سورت ميناء الهند المطل على المحيط الهندي وبحر العرب، وخرج خفية وسافر بحراً إلى اليمن، ومنها براً إلى  الديار المقدسة مكة المكرمة سنة 1278هـ/1862م يعني بعد الثورة بخمس سنوات، وصودرت أملاكه التي كانت كبيرة وواسعة، وبيعت بالمزاد العلني، وكان ذلك في أيام خلافة السلطان العثماني عبد العزيز خان(1245-،1277هـ/1830-1876م) وإمارة الشريف عبد الله بن محمد بن عبد المعين بن عون(1275-1294هـ /1885 -1277م)على الحجاز، ولما عرفت منزلته في مكة، وبلاؤه في الدفاع عن الإسلام، سمح له بالتدريس في الحرم المكي وتوثقت بينه وبين عالم مكة الجليل مفتي الشافعية الشيخ أحمد بن زيني دحلان(1232 – 1304 هـ/1816 -1886م) الصداقة، وهو الذي كان له الفضل في التعريف به عند شريف وعلماء مكة وأعيانها، وسجل اسمه في السجل الرسمي لعلماء الحرم عام 1885م.

أسس أول مدرسة في مكة والحجاز في عام 1285هـ/1868م باسم المدرسة الصولتية، وبقي الشيخ مديرا ومدرسا فيها إلى وفاته عام1310هـ/1891م ودفن في مقبرة مكة المكرمة رحمه الله.

بعد تأليف إظهار الحق

عاد الشيخ رحمة الله إلى مكة المكرمة، واشتغل بالتدريس في الحرم الشريف وبداره، ولم يكن التعليم في أرض الحرم مرتَّبًا منظما بل كان مقتصرا على حلقات العلماء بدون تنظيم ولا منهج، ومن غير شك كانت الخلافة العثمانية تبذل أموالا طائلة لعلماء المسجد الحرام ولطلاب العلم، ولكن لم تكن هناك مدرسة نظامية تعتني بأبناء مكة والمهاجرين من حيث التعليم والتربية، وكان شديد التألم من رداءة حالة التعليم وضياع أبناء المسلمين، فقام اعتمادا على الله بفتح وتأسيس أول مدرسة في ربيع الأول عام 1285هـ/1868م على نفقته الخاصة بمحلة الشامية، بدار أمراء الهند المهاجرين، المعروفة بدار السقيفة عند مطلع جبل هندي بالشامية، عرفت بالمدرسة الهندية أو مدرسة الشيخ رحمة الله، ونظرا لضيق المكان لم يستطع الشيخ تنظيم المدرسة، كما كان يتمناها ويريدها، إلى أن قدمت فريضة الحج عام 1289هـ /1872م إحدى أميرات الهند، … وكانت تنوي بعد الحج بناء رباط في مكة، كما هي عادة أهل الخير في أراضي الحرمين الشريفين، وكانت على علم تام بشهرة الشيخ رحمة الله وجهاده في الهند، فاستشارته في إقامة عمارة للفقراء، فأخبرها الشيخ أن مكة المكرمة ليست بها مدرسة تتكفل بتعليم أبناء المسلمين، وأخبرها عن مدرسته، فوافقت على إنشاء مدرسة، وفوضت الأمر إلى الشيخ، وسبحان الله مسبب الأسباب؛ فقد اشترت الأرض في حي الخندريسة بمحلة الباب، ووضع الشيخ رحمة الله بيده المباركة حجر الأساس لأول مدرسة دينية نظامية تحت ظل البيت العتيق صباح يوم الأربعاء الموافق 15 شعبان عام 1290هـ/1873م.

شهدت هذه البلدة المقدسة ميلاد أول مدرسة ببدء الدراسة بالنظام الحديث فيها في احتفال كبير حضره جميع علماء وأعيان مكة وطلاب العلم، بفضل هذه المحسنة، وتخليدا لذكرها فقد أطلق الشيخ اسم: الصولتية على المدرسة، نسبة إلى السيدة صولت النساء، ولم ينسبها إلى نفسه فأصبحت هذه المدرسة مركزا للطلاب من كل حدب، ومنبعا للعلوم والمعرفة، وهي أول مدرسة نظامية على الإطلاق وبالاتفاق في الجزيرة العربية، تأسست على يد ذلك المجاهد العظيم، ولا زالت والحمد لله تؤدي رسالتها في مدة قرن ونصف تقريبا من الزمن، وتاريخ المدرسة حافل بالخدمات العظيمة في نشر الدين والعلم، وتخريج أفواج من العلماء والمدرسين والقضاة والمؤلفين ورجال الدولة حملوا رسالتها في البلاد وخارجها، ومنهم جلالة الملك الشريف حسين بن علي الهاشمي مؤسس الدولة الهاشمية بالحجاز.

أما مساعد الشيخ رحمة الله وشريكه في مناظرته فهو الحكيم محمد وزير خان الأكبر آبادي، الذي درس الطب في لندن، وتخرج عام1248هـ/ 1832م، وكان يتقن الإنكليزية واليونانية، واطلع على المسيحية في مصادرها الأصلية، وأحضر معه مكتبة زاخرة عن النصرانية بلغاتها الأصلية. كان له دوره العلمي الدعوي في الهند، هاجر إلى مكة، وتوفي بالمدينة المنورة، ودفن بالبقيع.

الحالة العامة بالهند وجهود الشيخ رحمة الله في مقاومة التنصير

كانت فترة حياة الشيخ من أصعب الفترات التاريخية في الهند من حيث تدهور الإمبراطورية المغولية الإسلامية التي ظل حكمها نحو أربعمائة سنة على عموم أنحاء الهند، وبدأ نفوذ وتسلط التدخل الأجنبي المستعمر الذي هو الإنكليز، وكانت الفوضى السياسية والحكمية، وانعدام الأمن والاستقرار، وأهم من ذلك كله فقد كانت الأمور بيد الإنجليز يديرونها ويدبرونها كيفما شاؤوا ضد المسلمين للقضاء على الإمبراطورية التي بقيت اسما وصورة فقط، وقد كانت الضربة القوية موجهة إلى الإسلام والمسلمين، وكانت جماعات وفرق من المنصرين والمسيحيين تجوب أطراف الهند، تبث الدعاية المسمومة ضد المعتقدات الإسلامية، وتنشط القسيسون بعقد الاجتماعات والحلقات والحفلات في الأماكن العامة، والهجوم على المساجد والمدارس، وإلقاء الخطب ضد الدين الإسلامي، ومهاجمة العلماء والسذج سويا، وإجبار المسلمين بقبول الدين المسيحي. ولا ننسى في مثل هذه الحالة مساندة الحكومة الإنكليزية بكل نفوذها وقوتها لنشر دعوة النصرانية، وتنزيل أنواع العذاب لكل من يقاوم حركتهم ويتصدى لهم، وفي هذه الظروف الحالكة كان الشيخ رحمة الله الفرد الوحيد الذي جازف بحياته، وأعلن الجهاد ضد الإنجليز، ودعا رئيس البعثة التنصيرية المسيحية القسيس بفندر) إلى المناظرة (؛ حيث تفرغ لمقاومة المنصرين، ودرس النصرانية حتى فاق علماءها المتخصصين، ثم بدأ يؤلف كتبه للرد عليهم

 

مناظرة رحمة الله الكيرواني وفاندر

في  شهرنيسان عام1854م جرت المناظرة الدينية بين الشيخ الكيرواني والقسيس فاندر حتى انقلب السحرعلى الساحر، وأثرت المناظرة تأثيرا بالغا في توسيع رقعة الإسلام، وتجلية صورته المشوهة، وأعقبت نتائج إيجابية كبيرة في صالح المسلمين، وتركت أصداء عالية في أوساط المنصرين حتى أشعلت غضبهم، وحركت ساكنهم، حتى تفجرت الثورة الاستقلالية الكبرى في الهند عام 1857م، وكان اللقاء بين الشيخ رحمة الله والدكتور محمد وزير خان حدثا ميمونا، إذ خلال إحدى سفرات الشيخ لمدينة أكبر أباد قبيل 1850م تعرف على (محمد وزير خان) الذي أمد الشيخ بما حصله من معارف وخبرة بالنصرانية، وأرشده إلى نتائج حركة النقد التاريخي والعقلي للكتاب المقدس في أوروبا، فاتفقا على التآزر من أجل كف شر فاندر وجماعته باستدراجهم للمناظرة أمام الملأ، وبعد ثلاث سنين من الدراسة والعمل أثمرت جهودهما فألف الشيخ رحمة الله عدة كتب في الرد على المنصرين، ثم نجحت مساعي الشيخ وصديقه وزير خان فتناظرا أول الأمر في مسألة تحريف الكتاب المقدس مع القس كيس والقس الإنجليزي طوماس فالبي فريج في منزل هذا الأخير بأكبر أباد سنة 1854م فكان النصر حليف الشيخ ورفيقه، ثم تناظرا بعد ذلك بأشهر يسيرة أمام الملأ مع فاندر ورفيقه فريج في يومين متتالين من شهر أبريل/نيسان عام1854م في مسألتي النسخ والتحريف وكان النصر حليفهما أيضا وافتضحت أباطيل المنصر فاندر.

عمل فاندرفي الاستانة (=استنبول)

وبعد هزيمة فاندر لامه الإنكليز وعنفوه لأنه جر الذل والعار على كنيستهم، فنقلوه من مدينة أكبر أباد إلى مدينة بيشاور لسنوات معدودة، فلم يستطع البقاء في الهند وغادرها عام 1857م, فعين ليعمل في الاستانة، فما أن اطمأن به المقام بها حتى أصدر سنة 1860م نسخة تركية من كتابه (ميزان الحق)، أما الشيخ رحمة الله فقد هاجر إلى مكة بعدما طالبه الإنكليز برأسه بعد ثورة مسلمي الهند ضدهم سنة 1857م.

وفي سنة 1280هـ/1863م أصيب السلطان العثماني عبد العزيز الاول خان بغم شديد لسماعه آراء فاندر عن المناظرة، فكتب رسالة عاجلة إلى شريف مكة عبد الله بن عون للاستفسار من الحجاج الهنود عن قصة المناظرة والثورة سنة 1857م وإعلام الباب العالي بحقيقة الأمر، فأخبره الشريف بأن الشيخ رحمة الله موجود في مكة، فطلبه السلطان كضيف خاص، وودعه والي مكة كضيف ملكي، وعند وصوله إلى الآستانة(= استنبول) في رجب سنة 1280هـ/ديسمبر لعام 1863م استقبله السلطان عبد العزيز خان في موكب رسمي، وأنزله بالقصر الهمايوني، وأقام له حفلة كبيرة حضرها الوزراء والعلماء وكبار رجال الدولة، وثم طلب من الشيخ أن يحدثهم عن المناظرة والثورة ودور العلماء فيها والمذابح الوحشية على يد الإنكليز. مما جعل القس فندر متغيبا بل هاربا من اليوم الثالث للمناظرة، وقد فر من استنبول عندما سمع بوصول الشيخ رحمة الله إلى الآستانة وإكرام السلطان له.

التجأ فاندر إلى بريطانيا بعد تعليق نشاط جمعية التبشير الكنسية في استنبول، وتوفي في 1 ديسمبر/ كانون الاول عام 1865م في ريتشموند- لندن.

يتبين لنا مما سبق أن الهند كانت مرتعا خصباً للتنصير وأن المنصرين كانوا متفائلين بتنصير أهلها في مدة وجيزة، لأن أبوابها مفتوحة لهم، ولأن مسلمي الهند الذين يزيد عددهـم خمسة ملايين على نصاري المستعمرات البريطانية كلها يرتقبـون الخلاص[12]، وكان المنصرون يعـدون الوضع الطبيعي والبديهي هو أن تكون الهند القاعدة الأميـة لتأسيس الأنظمة الخاصة بتنصير المسلمين ولتدريب المنصرين الذين سينطلقون منها إلى سائر أنحاء العالم الإسلامي” ، ولذلك انهالت المساعدات المالية بمبالغ ضخمة.

وتجدر الاشارة إليه أن المستشرق الفرنسي الفرد لي شاتليه (1855 – 1929م) المشرف على مجلة العالم الاسلامي من سنة 1907 الى سنة 1926م علق على هذا الموضوع بقوله:”من الذين ألفوا في هذا الموضوع المستر (م. هوري) فإنه تكلم عن حالة التبشير في شمالي الهند وعن انتشار الاسلام ووسائط نشره وأشار الی دراويش جمعية(انجمن الاسلام- جمعية الاسلام)، وذكر التقدم الفكري والاجتماعي الذي حدث في هذه الجهات وان الاسلام عرقل سير هذه الميول، ثم لخص هذا المبشر تاريخ التبشير في الهند فقال انه ابتدأ منذ مائة سنة عند ما نال ( جيروم كزافيه ) اليسوعي اذنا بالتبشير في لاهور ففتح باب الجدال في مسائل التوحيد والتثليث والوهية المسيح وصحة الكتب المقدسة فتسبب عن ذلك قيام ( أحمد بن زين العابدين ) بتأليف كتاب (الأنوار الالهية في دحض خطا المسيحية)”[13].

إلا أن المبشر البروتستاني الذي يتكلم في تاريخ التبشير في الهند لم ترق له الأعمال التي قام بها المبشرون الكاثوليك وقال ان دفاعهم عن عقيدة عبادة العذراء والآثار والصوروعن الأماكن المقدسة كان من شأنه اظهار النصرانية بغير مظهرها الحقيقي، ثم جاء المبشر البروتستانتي هنري مارتين، فوضع أساساً قوياً للتبشير بالانجيل فترجمه الى الفارسية والاوردية .

ثم يتطرق بعد ذلك الى الحديث عن المنصر فاندر:” جاء بعده فاندر فترجم كتابه ميزان الحق من الفارسية إلى الأوردية؛ وزاد عليه ترجمة كتاب ( طريق الحياة ) و( مفتاح الاسرار)، وبهذا أثار بفندر، مجادلات شديدة مع علماء الاسلام في مدن: دهلي و اكرا و لكنو، وزلزل بذلك إيمان كثير من المسلمين وإن يكن الذين تنصروا منهـم قليلاً عددهم،  وأعان المبشرين في هذه المجادلات المسلمون المتنصرون مثل السيد مولوي صفدرعلي، ومولوي عماد الدين، وسيد عبد الله أثيم، ومنشي محمد حنيف، والدكتور برخدارخان”[14].

وبخصوص التنصير في شمال الهند وعدد المنظمات العاملة هناك، ونتائج التنصير المتلاتبة على ذلك، أي عدد المسلمين الذين تركوا دينهم وتنصروا:”في شمال الهند الآن ما لا يقل عن 12 جمعية تبشيرية بين انكليزية وأمريكية واسترالية وكلها ترمي الى غاية واحدة، واجتهدت هذه الجمعيات بتنصير المسلمين، منذ أن وطئت البلاد؛ ويتبين من تقارير هذه الارساليات ان من المسلمين المتنصرين من وصل إلى درجة المبشر، وقد اختصت هذه الجمعيات المسلمين بكتب يطالعونها وهي معروضة لهم في مكتبات التبشير .وقد اشتد انتباه المبشرين إلى مكافحة الإسلام في الأيام الأخيرة فنمت فيهم فكرة الاختصاص بتبشير المسلمين على أثر كتابات الدكتور(مردوتش)، وبادرت جمعيات متعددة الى ارسال مبشرين اختصاصيين لهذا الغرض .أما عدد المسلمين المتنصري فلا تمكن معرفته من الاعتماد على الاحصائيات ولكنا تم العثور على تقارير سنة 1904م على أسماء اسلامية صار أصحابها قسيسين مبشرين وعدد المبشرين الذين من هذا القبيل حوالي 194، ويري القارىء أسماء اسلامية في قوائم أعضاء اللجان الدينية في بيشاور وغيرها، وقرأ المولوي

 

عماد الدين[15] في – برلمان الاديان[16] ، في شيكاغو الذي عقد سنة 1893م أسماء خمسين من المسلمين المتنصرين الذين امتازوا باخلاصهم للتنصير[17].

أما  بشأن التنصير في مناطق أخرى من الهند فقد علق عليه بقوله:”ثمرة التنصير في أواسط الهنـد فهي أضعف بكثير من ثمرته في شمالي الهند بالرغم من اجتهاد جمعية (تبشير الكنيسة)، التي كانت تعمل في مدن مدراس وحيدر آباد، وبالرغم من تفاني ارسالية زنانة التبشيرية التابعة للكنيسة الانكليزية وكل المتنصرين في أواسط الهند عدد قليل في جهتين أو ثلاث وفوق ذلك فانه يكثر في هذه الجهات انتقال النصارى الى الاسلام لاسباب مالية ومصالح شخصية، وجمعية (انجمن اسلام) تنجح دائماً بما لها النشاط في حمل عدد كبير من الهندوس والمسيحيين على اعتناق الاسلام ومؤتمر المبشرين الذي عقد في القاهرة سنة 1906م[18] لم يفته البحث في حركة الإصلاح التي دخلت في مسلمي الهند، ولم تفته الإشارة إلى السير سيد أحمد خان [19]زعيم تلك النهضة، وما تبذله جامعته  الاسلامية في (عليكره)[20] ومؤتمر التربية الإسلامية[21].

وقد خطب القسيس “ويتبرتشّت” في مؤتمر القاهرة عام1906م بموضوع “الإسلام الجديد ” فذكر أن تعاليم أوربا تقرب المسلمين من الاستجابة للمبشرين، ثم قال:

  • يجب أن ننشئ جسراً فوق الهاوية التي تفصل بين العناصر، ولتتوصل إلى ذلك يجب أن ننتفع من وجود الطلبة المسلمين في انكلترا.
  • أن يدرس الانجيل على حدة أو على جماعات قليلة العدد.
  • أن تلقى محاضرات ودروس منظمة بمراقبة رجال ممتازين. وأن تصرف العناية إلى المناقشات.
  • توسيع نطاق المطبوعات بالأردية، مثل مجلة (ترقي)، وأن يترجم تاريخ التوراة للدكتور(بلاكي)وأن يتذرع لترويج ذلك بالنشر في الجرائد والكتب الإنكليزية التي يأنس بها المسلمون المتعلمون[22].

 

فاندر من وجهة نظر الاكاديميين الاوروبيين:

تقول الدكتورة كريستين أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة لوفان البروتستانتية في بلجيكا، بالقول:”في القرن التاسع عشر أخذت دائرة النقاش بين المسلمين والمسيحيين مكانا بعيدا عن المراكز التقليدية للتعليم الإسلامي. في أجرا في عام ١٨٥٤م، وربما للمرة الأولى، استخدم علماء الدين الإسلامي البراهين ضد المبشرين المسيحيين  بطريقة أحرجت الأوربيين”.

 

ويقول الدكتور كلينتون استاذ تاريخ الاديان في كلية ويست منيستر في جامعة اكسفورد في هذا الصدد:” في القرن التاسع عشر أخذت دائرة النقاش بين المسلمين والمسيحيين مكانا بعيدا عن المراكز التقليدية للتعليم الإسلامي. في أجرا في الهند عام ١٨٥٤م وربما للمرة الأولى، استخدم علماء الدين الإسلامي – بطريقة أحرجت الأوروبيين – البراهين ضد المبشرين المسيحيين، حيث يصادف القرن التاسع عشر نقطة تحول عندما يتعلق الأمر بعلوم الدفاع عن المسيحية، وضع المسلمين طريقة جديدة تماما لإثبات أن المسيحية هو الدين الباطل بمساعدة مصادر أوروبية أنشأها اللاهوتيون المسيحيون أساساً مثل التعليقات على الكتاب المقدس.

وذكر المؤرخ البريطاني من أصل لبناني البروفيسور ألبرت حوراني(1915 – 1993م) أنه: “كانت المناظرة حاسمة حيث انسحب فاندر من الجلسة الثانية وبدا واضحا من خلال النتائج أنه لم يعد هناك بد من الاستمرار؛ حيث تمكن رحمة الله من خلال معارفه العلمية الألمانية بطريقة نقد الانجيل فقادته عن طريق زميله الطبيب الهندي المسلم[23] الذي يتقن الانكليزية والذي استخدمها بحرفية ليتساءل عن سند ومصدر هذا الكتاب (= الكتاب المقدس).

ويقول الدكتور جونسون: “كذلك ازداد الوعي وأصبح الفضول يتجه إلى شيئين اثنين هما العالم المسيحي والعالم المحمدي وأي شيء آخر غيرهما يعد بربريا همجيا “.

 

 

المصادر والمراجع والهوامش

[1]– الشودراس: Shudras  وهي طائفة همدية تنقسم إلى مستويين أعلاهم يحمل إسم شودراس وأدناهم مرتبة يسمون الشاندالالس Chandalas.  تشمل فئة الشودراس العمال، والذين كانوا يمثلون أغلبية المجتمع، حيث كان يتعين عليهم خدمة الفئات الأعلى منهم ، كما لم يكن من المسموح لهم ممارسة العبادات، التزواج مع بقية الفئات، وحتى الأكل معهم في مكان واحد.أما الشاندالالس فهى فئة أدنى درجة من الشودراس وكانت أكثر المجموعات تقذيذاً لأفراد المجتمع حيث كان من الصعب التواصل معهم بحكم نتانة أجسادهم وممارستهم السحر الأسود. https://www.sudaress.com/hurriyat/181441

[2] – زنانة: انت بعثات زينانا عبارة عن برامج توعية تم إنشاؤها في الهند البريطانية بهدف تحويل النساء إلى المسيحية . منذ منتصف القرن التاسع عشر ، أرسلوا مبشرين إناث إلى منازل النساء الهنديات ، بما في ذلك المناطق الخاصة بالمنازل – المعروفة باسم الزنانة – التي لم يُسمح للزوار الذكور برؤيتها . توسعت هذه الإرساليات تدريجياً من العمل الإنجيلي البحت إلى تقديم الخدمات الطبية والتعليمية. لا تزال المستشفيات والمدارس التي أنشأتها هذه البعثات نشطة ، مما يجعل بعثات الزنانة جزءًا مهمًا من تاريخ المسيحية. وتم فصل النساء في الهند في هذا الوقت بموجب نظام البردا ، حيث تم حصرهن في أماكن مخصصة للنساء تُعرف باسم الزنانة ، والتي كان يُمنع دخول الرجال غير المرتبطين بها. تألفت بعثات الزنانة من مبشّرات يمكنهن زيارة النساء الهنديات في منازلهن بهدف تحويلهن إلى المسيحية. وجمعية التبشير المعمدان افتتحت احدى بعثاتها في الهند في منتصف القرن 19. بناءً على اقتراح قدمه توماس سميث في عام 1840م، وبدأت المهمة في عام 1854م، تحت إشراف جون فورديس .تُعرف هانا كاثرين مولينز بأنها واحدة من أكثر عمال الزنانة كفاءة في الهند ، وفازت بلقب “رسول الزنانات”. وفي عام 1856م، أنشأت السيدة مولينز مدرسة صغيرة في بهاوانيبور تضم ثلاثة وعشرين طالبًا تتراوح أعمارهم بين ثمانية وعشرين عامًا. ثم تأسست مدرسة كلكتا للمعلمين في نفس العام ، لتدريب النساء الأصليات على عمل الزنانة. https://stringfixer.com/ar/Zenana_missions

[3] – بازل: بازل: أسست عام ١٤٦٠ م وتعد من أقدم الجامعات في سويسرا، وفي عام ١٨٩٧م ترأس هيرتزل اليهودي النمساوي أول مؤتمر صهيوني في بازل، وكان من أهم قراراته وضع برنامج الحركة الصهيونية للاستيلاء على فلسطين ووضع أسس المنظمة الصهيونية العالمية. الموسوعة العربية العالمية السعودية.

[4]– المناظرة الكبرى بين العلامة الشيخ رحمة الله والدكتور القسيس فَندَر ، تحقيق وتعليق: كحكد عبدالقادر خليل، (مكة: مطابع الصف، 1410هـ/1990م)، ص111.

[5]– عبدالرحمن محمد عوض الجزيري، أدلة اليقين(شبرا: مطبعة الارشاد،1353هـ/1934م)، ص8.

[6] – جليات: المقصود به جالوت زعيم الكنعانيين الذي قتله نبي الله داود ( عليه السلام) بسيف، فأصبح مضرباً للمثل كما ورد في القرآن الكريم – سورة البقرة.

[7]– عبدالرحمن الجزيريي، أدلة اليقين، المرجع السابق، ص9.

[8]– عبدالرحمن الجزيري، أدلة اليقين في الرد على مطاعن المستشرقين(باريس: دار أسمار،2007م)، ص8

[9] – وليام سانت كلير تيسدال : ولد في انكلترا سنة 1859م، أصبح كاهنًا أنكليكانيًا ولغويًا ومؤرخًا، شغل منصب سكرتير البعثة التبشيرية لكنيسة إنكلترا في مدينة أصفهان في بلاد فارس(= ايران الحالية)  في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.  كان تيسدال يجيد العديد من لغات الشعوب الاسلامية، الفارسية والاوردية و العربية ، وقضى الكثير من الوقت في البحث عن مصادر الإسلام والقرآن باللغات الأصلية. كما كتب قواعد النحو للفارسية والهندوستانية والبنجابية والغوجاراتية. وبصفته باحثًا مبكرًا في قواعد اللغة الغوجاراتية ، حدد ثلاثة أنواع رئيسية من الغوجاراتية: اللهجة “الهندوسية” القياسية ، واللهجة “الفارسية” واللهجة “المسلمة”، وقضى الكثير من الوقت في البحث عن مصادر الإسلام والقرآن باللغات الأصلية. ومن الواضح أن تسدال يصور على أنه تصادمي يديم الجدل المسيحي التقليدي المناهض للمسلمين.  ويتهم تيسدال  النبي محمد باختراع الوحي وفقًا لما يعتقد، و كان تيسدال واحدًا من ثلاثة عشر مؤلفًا تم تجميع مقالاتهم فيما سمي  أصول القرآن: مقالات كلاسيكية في كتاب الإسلام المقدس عام 1998م، والكتاب من تحرير ابن الوراق. وهو شخص باكستاني تنصر وهاجم الاسلام بضراوة اعتمادا على كتابات المنصرين والمستشرقين. وقد انتقد أستاذ الدراسات الدينية هربرت بيرج إدراج عمل تيسدال على أنه “ليس مقالًا علميًا “. وخلص بيرج  أيضاً إلى أنه “يبدو أن المنصر ابن وراق قد أدرج بعض المقالات ليس على أساس قيمتها العلمية أو وضعها ككلاسيكيات، بل على أساس عدائها للإسلام. ولكن على القارئ أن يدرك أن هذه المجموعة لا تمثل بالكامل الدراسات الكلاسيكية حول القرآن “. توفي تيسدال عام1928م. https://www.turess.com/alfajrnews/13384

[10] – خليل ابراهيم أحمد، المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والاسلامي، ( القاهرة: دار الوعي العربي، د، م)، ص85..

[11]– المناظرة الكبرى بين العلامة الشيخ رحمة الله والدكتور القسيس فندر ، ص؛ رحمة الله بن خليل الرحمن الكيرانوي العثماني الهندي، إظهار الحق، دراسة وتحقيق وتعليق: محمد أحمد محمد عبدالقادر خليل ملكاوي (الرياض: المؤسسة العامة لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد، 1410هـ – 1989م)، ج1، ص33 – 34.

[12]–  أ. ل. شاتليه، الغارة على العالم الاسلامي، لخصها ونقلها الى اللغة العربية: مساعد اليافي ومحب الدين الخطيب، ( جدة: منشورات العصر الحديث، ط2، 1387هـ،ص49 – 50، وص86.

[13]– أ. ل. شاتليه، الغارة على العالم الاسلامي، ص84 – 85.

[14]– المرجع نفسه، ص86.

[15] – عماد الدين محي الدين: لا تتوفر معلومات عن ولادته وبداية حياته، سوى أن تنصر بفعل الارساليات التنصيرية في ٢٩ أبريل/ نيسان عام ١٨٦٦م في مدينة امريتسار على يد القس روبرت كلارك من منظمة CMS ، ببساطة من أجل تحقيق الخلاص، لكن الكثير من الناس و من بينهم شيوخ بلدي، والأصدقاء، والمعارف وغيرهم قد أعربوا عن أفكار مختلفة. وكتب عماد محي الدين قصة حياته في عام ١٨٦٦م. ترجمت هذه القصة إلى اللغة الإنكليزية من الأوردية، تم الاستناد إلى النص الذي نشرته جمعية كتاب البنجاب الدينية في لاهور، في عام ١٩٥٧م . وفي وقت لاحق، تم الحصول على الطبعة القديمة الواضحة من نفس الناشر وهو غير مؤرخ يحوي أربعة وأربعين صفحة تم بيعها! محتوى كل من الطبعتين متشابه. فكلاهما قصير، مطابق للملحق، كجزء من المرجع وحتى وفاة عماد الدين مسعود في أغسطس/ آب عام ١٩٠٠م، مع بعض الإضافات البسيطة لحساب المؤلف. وإلى حد علمي لا توجد ترجمة كاملة أخرى باللغة الإنكليزية أفضل من هذا العمل.ينظر: منهج دراسة الأديان بين الشيخ رحمت الله الهندي والقس فندر، ص62.

[16] – برلمان الاديان: افتتح برلمان الأديان في 11 سبتمبر/ ايلول عام 1893م في مبنى الكونغرس العالمي المساعد الذي أصبح الآن معهد شيكاغو للفنون، واستمر من 11 إلى 27 سبتمبر، مما يجعله أول تجمع منظم بين الأديان، اليوم يعتبر مناسبة لميلاد حوار رسمي بين الأديان في جميع أنحاء العالم ، مع ممثلين لمجموعة واسعة من الأديان والحركات الدينية الجديدة.  مثل المسيحية جي بونيت موري الذي كان مؤرخاً بروتستانتياً، وكان الإسلام وحده غائبًا عن الاجتماع، وذلك لأنَّ السلطان في إسطنبول كان ينظر إلى هذا المشروع بعين الريبة والشكّ وقد منع الفقهاء والعلماء المسلمين الرسميين من المشاركة. كان السلطان يعتقد أنَّ وراء هذا المشروع محاولة تبشير مسيحية. وومع ذلك مثل الإسلام محمد ألكسندر راسل ويب،  وهو أنكلو أمريكي اعتنق الإسلام والسفير الأمريكي السابق في الفلبين. وكان القس هنري جيسوب مخاطبًا البرلمان العالمي للأديان أول من ناقش علنًا العقيدة البهائية في الولايات المتحدة (كانت معروفة سابقًا في أوروبا). ومنذ ذلك الحين أصبح البهائيون مشاركين نشطين. https://ar.qantara.de/content/brlmn-dyny-lmy-lshwwn-ldyn-wldny-mndh-m-1893-brlmn-dyn-llm-y-tywiby-llm-twahdw

[17] – أ. ل. شاتليه، الغارة على العالم الاسلامي، ص87 – 88.

[18]– عقد هذا المؤتمر في  منزل أحمد عرابي باشا وزير الحربية المصري الاسبق الذي سبق وأن تصدى للبريطانيين عندما حاولوا احتلال مصر عام 1882م ، وتزعم هذا المؤتمر المنصر  الامريكي المشهور صموئيل زويمر.

[19] – السير أحمد خان: ولد السيد أحمد خان بن محمد متقي خان في مدينة دلهي الهندية في (6 ذو الحجة 1232هـ=17 من أكتوبر 1817م)، ونشأ في أسرة شريفة الأصل، فأبوه ينتهي نسبه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأجداده عملوا في خدمة الدولة المغولية، وتولوا في كنفها مناصب مدنية وعسكرية. وبدأ السيد أحمد خان تعليمه بتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ثم درس اللغتين الفارسية والعربية، وتعلم الرياضيات ثم تزوج وهو في الثامنة عشرة من عمره. وفي سنة (1254هـ=1838م) توفي والده، فاضطر إلى العمل بعد أن زادت عليه أعباء الحياة، فالتحق بإحدى الوظائف الحكومية “نائب كاتب” في النيابة بمدينة أجرا، ثم مكنته ثقافته الواسعة من اجتياز اختبار للعمل في سلك المحاماة. وحين اشتعلت ثورة الهند التي قادها المجاهدون المسلمون كان السيد أحمد خان يعمل في بجنور، لكنه لم يشارك في أعمالها ضد الإنجليز، لأنه كان يرى أن المسلمين ليست لديهم القوة الكافية التي تمكنهم من مواجهة الإنجليز.. وهذا الرأي يعارضه فيه الكثيرون، فقيام الحركات التحررية لم يعتمد على اعتدال موازين القوى بينها وبين المحتلين، وإلا لما قامت حركة للمقاومة والتحرير. ولم يقتصر السيد أحمد خان على كف يده عن الاشتراك في الثورة، بل عمل على تهدئة الناس، وحماية المدنيين الإنجليز من بطش الثائرين. وبعد فشل هذه الثورة التي أراق المجاهدون فيها دماء غالية طلبا للحرية والشهادة، واستنقاذا للوطن السليب، صب المحتلون جام غضبهم على المسلمين، وحملوهم مسئولية اشتغال الثورة دون غيرهم، وجردوهم من أدنى حقوقهم الإنسانية. ولم يجد السيد أحمد خان بدا من مد جسور التفاهم والتعاون مع الإنجليز بعد أن تسارعت الطوائف المختلفة للهند في التقرب إلى الإنجليز الذين أحكموا قبضتهم على البلاد، وكان أحمد خان يهدف من سعيه إلى وقف الأضرار التي لحقت بالمسلمين من تعذيب وظلم، وإنهاء حالة العداوة بين الطرفين، وألف في هذا الشأن رسالة باللغة الأردية بعنوان “أسباب الثورة الهندية”، برأ فيها المسلمين من التهم التي نسبت إليهم. وفي الوقت نفسه سعى أحمد خان إلى تقديم تفسير جديد لنظرية الجهاد التي كانت تخشاها بريطانيا بعد أن زلزلت الأرض من تحت أقدامها بفعل حركات المجاهدين، وكان قد ساد في هذه الفترة أن الهند أصبحت دار حرب ووجب الجهاد المسلح على أبنائها المسلمين دفاعا عن دينهم. وقام تفسير أحمد خان للجهاد على أساس أن الجهاد غير مباح إلا في حالة القهر البالغ أو الحيلولة بين المسلمين وأداء شعائرهم الدينية، ولما كان ذلك غير متحقق لأن الإنجليز يكفلون الحرية الدينية، فإن ذلك لا يبرر الجهاد ضدهم.. وقد جرت هذه الفكرة اتهامات كثيرة وجهت إليه. وفي سنة (1286هـ/1869م) سافر السيد أحمد خان مع ابنه “محمود” إلى لندن لإلحاقه بالجامعة، وفي الوقت نفسه لجمع مادة علمية يستعين بها في الرد على كتاب السير وليم ميور “حياة محمد” الذي شحنه بالافتراءات والأكاذيب على نبي الإسلام. وطالت فترة إقامته في لندن إلى نحو عام ونصف قضاها في زيارة الجامعات والمدارس والمجالس العلمية والمتاحف، ومقابلة كثير من العلماء والمفكرين هناك، ومنهم توماس كارليل، وقد حدثه طويلا عن محمد صلى الله عليه وسلم، وربما كان لهذا الحديث أثره المحمود عند توماس كارلايل، حين كتب فصلا بديعا عن نبي الإسلام في كتابه المعروف “الأبطال”. عاد السيد أحمد خان إلى بلاده سنة (1287هـ/1870م) وهو عاقد العزم على إصلاح حال المسلمين والنهوض بهم والارتقاء بشأنهم. وضرورة الاستفادة من المدنية الحديثة والإقبال على علومها، وتحقيق مثل هذا الأمر يحتاج إلى صبر في إعداد الناس لتقبله والاستعداد للتغيير، وإزالة تحفظهم إزاء كل جديد؛ لذا أنشأ مجلة بعنوان “تهذيب الأخلاق” سنة (1287هـ/1870م) تكون منبرا لإذاعة أفكاره التعليمية والدينية ومحاربة الأمراض الاجتماعية التي انتشرت بين المسلمين. وعلى صفحات هذه المجلة نشر كثيرا من الموضوعات الدينية التي غلب عليها الجنوح والتطرف، وتطرق إلى تفسير القرآن، وذهب إلى أن النظر الصحيح فيه يوجب الاعتماد على روحه أكثر من الاعتماد على حرفيته، وادعى أن الوحي كان بالمعنى دون اللفظ، وأنكر نظام تعدد الزوجات والرق ووجود الجن وغيرها من الموضوعات التي كانت سببا في إثارة معارضة العلماء له، وحكموا بتكفيره، وتعرضت حياته للخطر، ونجا بأعجوبة من محاولة اغتيال له. وإن كان السيد أحمد خان قد تعرض لكثير من الهجوم على آرائه التي صدمت مشاعر المسلمين فإن ذلك لا يحرمه من فضل تحريك الحياة الراكدة، وإثارة الوعي والنهوض بالتعليم والمحافظة على الثقافة الإسلامية. وقد توفي في (25 من رجب 1306هـ/27 من مارس سنة 1889م) ودفن في ساحة مسجد جامعة عليكرة.ينظر: أحمد أمين، زعماء الاصلاح في العصر الحديث،(القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1978م)، ص28.

[20] – عليكره: أول جامعة إسلامية تقع في أغرة، أتربرديش بالهند، أسّست عام 1875م على يد السيد أحمد خان، تشمل الدراسة فيها الآداب والعلوم والهندسة والطبّ. تضمّ كليات الطبّ، العلوم والصناعات، الهندسة والتكنولوجيا، وفيها كلية النساء. في مكتبتها 4500 مخطوط باللغات العربية والفارسية والأردية والبنغالية والإنكليزية، وقد تم فهرستها من قبل محمد ياسين مظهر صديقي (مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 1423هـ / 2002م)، وفيها  مقر المجمع العلمي العربي الهندي منذ تأسيسه 1976م. ينظر: الموسوعة العربية الميسرة، 1965م.

[21] – شاتليه، الغارة على العالم الاسلامي، ص87 – 88.

[22] – عبدالرحمن حسن حبنكه الميداني، أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها (دمشق: دار القلم، 1987م)، ص70، ويبدو أنه نقل النص كاملاً من كتاب الغارة على العالم الاسلامي للمبشر الفرنسي أ.ل. شاتليه، ص86 – 90 دون الاشارة إليه.

[23]– هو محمد وزير خان الاكبر الآبادي، وكان طبيباً وملماً باللغتين الانكليزية واليونانية.

‎ٲ.د. فَرسَت مرعي

د.فرست مرعي اسماعيل مواليد ۱۹٥٦ دهوك ٲستاذ التاريخ الاسلامي في جامعة دهوك له ۲۱ كتابا مؤلفا باللغتين العربية والكردية ، و٤۰ بحثا ٲكاديميا في مجال تخصصه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً