البحوث

عبادة النيران في الزرادشتية

دراسة تحليلة نقدية

 إن من احدى المسائل الهامة والتي ينبغي الالتفات اليها بشأن النظام الفكري والعقائدي والعملي للزرادشتية عند ظهور الإسلام، هي مسألة تعظيمهم للنار وتقديسهموعبادتهم لها، ولهذا العمل عندهم سوابق زمنية منذ أقدمالعصور التاريخية وهي باقية حتى اليوم، يقول الشيخ الرئيس أبوعلي الحسين بن على بن سينا الفيلسوف(المتوفى سنة 427هـ/1037م) في الفصل السابع من الفن الثاني من فنون الشفاء:“… وطبقات من القدماء الماثلين إلى القول بالأضداد وبأن الضدين مبدئان للكل، والواقفينفي ذلك إلى جنبة القول بالخير والشر والنور والظلمة.. أفرطوا في تمجيد النار وتعظيم شأنها وأهلوها للتقديس والتسبيح، وكل ذلك لنورها واضاءتها، ورأوا أن الأرض مظلمة لا يستضيئ باطنها بالفعل ولا بالقوة فأهلوها للتحقير والذم”. مرتضى مطهري، الإسلام وإيران عطاء وإسهام، ص184 – 185، نقلاً عن الفيلسوف ابن سينا، الشفاء – قسم الطبيعيات، ص177.

 ونحن إذا اعتمدنا على قول هذا الفيلسوف رأينا: أن عبادة النيران انما نشأت من فكرة الثنوية في الوجود وفلسفة الخير والشر والنور والظلمة… أما اذا قبلنا ما يدعيه الباحثون المتأخرون قلنا: ان سوابق عبادة النيران ترجع إلى ادوار عبادة مظاهر الطبيعة، وكان الانسان إذ ذاك يعبد كل شيء مفید کی يفيده اکثر ويعبد كل شيءمضر کی يأمن من شره، و كان المعنى: أن الإنسان قبل أن يلتفت إلى مسألة الخير والشر بشكلها الفلسفي، أي قبل أن يری کل شيء مزيجا من عنصري الخير والشر والنور والظلام، قبل هذا كله كان يعبد النيران، و ان الانسان في تلك العهود انما كان يقسم جميع الاشياء إلى قسمين هامين: أحدهما حسن جميل، والآخر: شر مضر، ويجعل لكل قسم من هذين ربأ خاصا خيرا أوشراً! أما أن يرى ان کل موجود مركب من عنصرين مزيجين ضدين، فإنما هذا من افكار عهود التكامل الفكري للإنسان القديم وعلى أي حال؛ فمن المسلم به أن لعبادة النيران سوابق قديمة لدى الايرانيين، وأنها كانت مثار اعجابهم أكثر من أي عنصر آخر…”.

يقول الباحث الايراني الدكتور محمد معين (1914 1971م)”… ومع قطع النظر عن الاوستا ولاسيما قسم (الكاتها– الكاتا) الذي اختلف في تاريخه من ۷۰۰ الی۱۱۰۰ق.م … فقد بقي من الآثار الايرانية القديمة نقش قديم من من العهد الميدي في منطقة اسحاق آوند جنوب بهستان (بیستون) يدعي اليوم (دکان داود) وهو موقع صخور أخميني متأخر يقع بالقرب من سربيل زهاب في مقاطعة كرمانشاه بإيران، تم اكتشاف الموقع بواسطة المستشرق البريطاني هنري راولينسون(1810 1895م) في عام 1836م، يتكون من قبر صخري محفور بارتفاع عدة أمتار في وجه صخري يعلو على راحة تسمى كيل إي داوود،يرجع تاريخه الى ۸۰۰ ق.م، وهو عبارة عن قبر محفور في الجبل وعليه صورة رجل واقف امام النار بخشوع“. محمد معين، مزديسنا وأدب بارسى، ص278.

ويقول المستشرق الفرنسي رومى گریشمن (1895 – 1979م) بهذا الصدد: نحن نعرف ثلاثة قبور من عهد الهخامنشيين، أحدها في پاسارگاد قد حفر بأمر كورش، والثاني جزء من نقش رستم في كتيبة مقبرة داريوش، يحتمل أن يكون هو الذي أمر بحفره وصنعه. والثالث في شوش، ويظهر منه أنه من عهد أردشيرالثاني…. محمد معين، مزديسنا وأدب بارسى، ص278.

والذي ينبغي النظر فيه هو أن نرى كيف كان موقف زرادشت من هذا العمل؟ فهل انه كان قد نهى عنه ولكنه عاد بعده مرة اخرى حتى أصبح العمل رکنا ًمن دینه؟ أو انه لم يكن يخالف الناس في تقديسهم وتعظيمهم للنار على ما كانوا عليه من ذلك؟

نحن إن جعلنا الافستا والروايات الزرادشتية مستنداً للإجابة على التساؤل المطروح، كان الجواب، أن زرادشت نفسه كان يوافقهم على هذا العمل.  مرتضى مطهري، الاسلام وإيران، المرجع السابق، ص158 – 168.

ومن جانب آخر يقول الدكتور محمد معين: “وان اسم (آذر)انما هو اسم لأحد أرباب باب مزدیسنا، وهو رب النوع للنار أو الملاك الخاص الموكل بها: (آذر ایزد = ایزدان)ويدعى في الافستا أنه: أبن آهورامزدا (= كما قالت النصارى:المسيح ابن الله!)”. مطهري، المرجع السابق؛ و لذلك قال القس المسيحي (هاشو) الذي أطفأ النار المقدسة في أحد معابد النار بحالة من الغضب وقال:” إنه ليس بيتاً من بيوت الله، وليست النار بنتاً لله . ولكنها بنت تستخدمها الملوك والسفلة، الفقراء والصعاليك”. ارثر كريستنسن، إيران في عهد الساسانيين، ص135. وانما ارادوا بهذا التعبير عن عظمة النارعندهم، کما دعو سپندارمد) أو الملاك الموكل بالأرض: ابنة آهورامزدا (= كما قالت العرب: الملائكة بنات الله!) نظراً إلى كثرة منافع الأرض وطيباتها وقد جاء في البند السابع من كتاب يسنا ۲۵ أحد أجزاءالافستا: ” نُبَجِجِلُك أيتها النار، يا إبن آهورامزدا سيد نظام الطقوس المقدس، نُبَجِل كل النيران، وجبل أوشي دارينا المقدس الذي خلقه مازدا، ويازاد المتألق بالقداسة”. ياسنا، 25، الفقرة 7، ضمن كتاب الآفستا، اعداد خليل عبد الرحمن، دمشق، مطبعة دار الحياة، 2007م، ص106.

غير أن الترجمة الصحيحة للنص الافستي جاءت عند الدكتور محمد معيني بالشكل التالي والاقرب الى الحقيقة:” أن تعبد آذر ابن أهورا مزدا، ونثني علیك یاآذر المقدس وابن آهورامزدا وسید الحق والصدق، ونعبد جميع أنواع النار…” . مزديسنا وأدب بارسى، ص276.

ولا نستطيع أن تحصل على قرائن تاريخية تفيد أن زرادشت کان مخالفاً لتعظيم وتقديس النار.. بل نجد، في (الكاتا – الكاثا) الذي هو القسم الأكثر اعتبار من الافستاالساسانية من حيث النسبة الى زرادشت كلاما عن رفع الحاجة إلى آلهة النار… بل ويدعي البعض: أن عقيدة نفس زرادشت تختلف مع نراه ونجده عنه في قسمي: اليسنا واليشتها من الآفستا.

يقول المستشرق والدبلوماسي البريطاني جان ناس(1869- 1980م) بهذا الخصوص:” ولم يبق من الأعمال والعبادات والآداب التشريفات الدينية الزرادشتية الأصيلة شيءيذكر، وانما يعلم أن زرادشت قد نسخ مناسك ومراسمالايرانيين القدماء المبنية على العقيدة بالسحر وعبادة الأوثان، والتي كانت هي قبل نسخ زرادشت في طريقهاالى الزوال، وإنما بقي من مذهب زرادشت مرسوم عبادة واحد فقط، وهو كما قيل أن زرادشت قتل وهو واقف في محراب عبادته للنار المقدسة!، وقد جاء في أحد أناشيد(الكاتا) أن زرادشت کان یقول: “إني حين أرفع يدالضراعة الى النار المقدسة أراني براً صحيح العمل”. وقد عدت النار في موضع آخر من عطايا (يزدان) التي وهبها(آهورامزدا) للإنسان تكريماً له وتعظيماً! وليعلم أن زرادشت نفسه لم يكن يعبد النيران، بل كان يعتقد فيها ما كان يعتقد به آباؤوه في شأن هذا العنصر المقدس، وهو يختلف في عقيدته بشأنها مع ما يعتقده فيها عباد النار المتأخرون عنه، وإنما كان يرى أن النار رمز مقدس وشارة ثمينة من آهورامزدا يستطيع الإنسان أن يتوصل بها الى ماهية الحقيقة العلوية للرّب العليم”.

وسواءً أن كان زرادشت يقدس النار أولا يقدسها، وعلى فرض تقديسه لها فعلی أی صورة كان يفعل…؟ ، ومما هو معلوم أن تعظيم النار وتقديسها وتكريمها وعبادتها شاع بعد زرادشت بين أتباعه بحيث أصبح أکبر شعار الزرادشتية وهو بعد باق إلى اليوم، فبيوت النيران تبني بين المجوس کما تبنى الكنائس للمسيحيين، والكنيسات لليهودوالمساجد بين المسلمين. وعرفت الزرادشتية في عهد الساسانيين باسم عبدة النار(وكان المسيحيون الذين وجدوالأأقدامهم مواضع في بلاط الساسانيين – يجادلون مع هؤلاء بشأن عبادتهم للنار). وكتب کریستنسن يقول:اوجب تقدم دين المسيح في أراضي الأرمن اضطراباًللدولة الإيرانية، فشاور مهر نرسی ملك ایران مع علماء الزرادشتية، ثم كتب مرسوماً ملكيا دعا فيه النصارى في ایران إلى ترك دین عیسی وقبول دین زرادشت، وطلب فيه منهم أن يكتبوا له أصول دينهم. فكتبوا اليه كتاباًتجاسروا فيه عليه وذكروا فيه يقولون: “… فاعلم علم اليقين أننا لن نعبد أبداً ما تعبدون، لن نعبد العناصر والشمس والقمر والهواء والنار، ولن نعبد هذه الالهة كلها التي تسمونها في الارض والسماء. ولكنا، كما تعلمنا، نعبد إلهاً واحداً حقاً هو خالق السماء والارض وما فيها…”. ايران في عهد الساسانيين، ص 272.

وكتب المستشرق الدانماركي في الفصل الثامن من كتابه يقول:… ان رجال دین زرادشت كانوا يتقهقرون كل يوم قدم إلى الوراء، ولم يبق لهم ما کانوا يتمتعون به من القدرة في البلاط و الدولة حتى يستطيعوا أن يصدوا ما يحدث بضدهم من حوادث دينية مضادة، ولهذا فقد تخفف ما كانوا يحملوه على الناس من ظلم و تجاوز باسم الدين و تقدمت الحكمة و الفلسفة في الأوساط العلمية على احكام الدین، و كلما توسع أفق الفكر لديهم كانت الشكوك و الوساوس تتسع في أذهانهم شيئا فشيئا… و اخذت السذاجة و البساطة للاساطير القديمة الي كانت في بعض اجزاء مزدیسنا تقلق حتى علماء الدين و تؤديهم، ولهذا فقد اخذوا يصنعون لها تأويلات استدلالية لتوجيه الحكايات القصصية وحاولوا أن يوجهوها بالطرق العقلية… يقول أحد (المغان) في حواره مع جيورجيس (گیورگیس)المسيحي: نحن لا ترى النار إلهاً من دون الله، بل ماتعبدها إلا لكی نعبد الله، كما تعبدونه انتم بواسطة الصليب”. فأجابه جيورجيس ( گیورگیس) المسيحيالذي كان هو أحد رجال دين زرادشت وقد ارتد إلى المسيحية بتلاوة بعض العبارات من الافستا اثنى فيها على النار ما یثنی على الله، فقلق ذلک (المغ) وحاول الاجابة فقال: نحن انما نعبد النار لانها و آهورامزدا من عنصر واحد”، فسأله جيورجيس:” أفي في النار كل ما في آهورامزدا، أجابه المغ: نعم! فقال جيورجيس: أن النار تحرق الانجاس و الأرجاس و الأرواث و كل ما تجده، فهل أن اهورامزدا أيضا يحرق هذه الاشياء؟! فلما بلغ الكلام إلى هنا عجز المغ عن جوابه فسکت “.ارثر كريستنسن، ايران في عهد الساسانيين، ص418 419.

كما أن المغان الزرادشتيون حينما واجهوا علماء الإسلام حاولوا الدفاع عن أنفسهم ایضاً، ولكنهم حينئذٍ لميقولوا: انا نعبد النار لانها وأهورامزدا من جنس واحد وطبيعة واحدة، بل انكروا عبادة النار رأسا، وأدعوا: أنا نعبد آهورامزدا الذي هو الله المتعال، وانما نجعل النار قبلة لنا، كما يقف المسلمون حينما يعبدون الله المتعال ويصلون له الى طرف الكعبة المعظمة من دون أن يعبدوا نفس الكعبة، وأن الزرادشتيين حينما يتكلمون عن تعظيم النار وتقديسها يأتون بلفظة العبادة (پرستش) كما كان يقول آباؤهم، ولكنهم لكي يتخلصوا من تحامل المسلسين عليهمكانوا أحيانا يبدلون كلمة العبادة بعبارة أنها قبلة لنا!

رغم أن الآفستا تشير الى ذلك بصراحة:” أتقدم بقربان كامل، مقدس إليك أيتها النار، يا إبن آهورامازدا، والى كل النيران…”. ياسنا، الجزء 7، الفقرة 14، ضمن كتاب الآفستا، اعداد: خليل عبدالرحمن ، ص68.

كما أن الدقيقي الشاعر المجوسي الفارسي، الذي كان امام الفردوسي في نظم (الشاهنامة) بمعنى هو أول من بدأ بنظم الشاهنامة ثم عقبه الفردوسي  وأكمل عمله وأمله! في نظمه کلام زرادشت بشأن النيران يأتي بكلمة العبادة (پرستش) حيث يقول :

اذهب برسالتي هذه إلى الملک گشتاسب.

فقل له: يا رب الأرض والزمان، أوكلت الیک أمر كل نار

كلما رأيت منها بأي مكان كان

لا يسعون في اطفاء النيران

الا بالماء اللطيف ولا بالتراب الثقيل.

وقل للموابدة ورجال الدين

لأولنك الطاهرى القلوب من الهربدان

ليغلقوا المغان و يسعوا في

عبادة جميع النيران “. ينظر: الفردوسي، الشاهنامة.

وقد اتبع الفرودسی في تعبيراته نفس هذه الطريقة الزرادشتية وجاء بكلمة العبادة (پرستش) في كثير من موارد شعره، منها ما قاله في اسطورة كشف النار: إن هوشنك رأي يوماً حية عظيمة أو ثعباناً فحمل حجراً كبيراً وهجم عليها ليضربها، لم يصبها الحجر بل أصاب الحجر حجراً آخر فانقدح النار من بينهما… وهكذا اكتشفت النار… يقول: بدا نور من الحجرين، وتنور قلب الحجر من النور، ولم يقتل الثعبان ولكن ندت النار من ذلك الحجر، وكل من يضرب الحديد بالحجر يظهر منها النار… فأخذ الملك يدعو الخالق ويحييه، إذ وهب له هذا النور، وجعل هذا النور قبلة لنفسه وقال: هذا نور رباني، فينبغي أن تعبده أيها الانسان إن كنت من أولي الالباب”. الفردوسي، الشاهنامة، ص17.

إلا أن الفردوسي يقول:” إنه جعل النار قبلةً لنفسه، بينما هو يعبر عن تعظيم النار وتقديسها بالعبادة: (پرستش) وهذا من تلك التعبيرات التي وجدت بعد الاسلام دفاعاً عن تعظيم النار وتقديسها. ويعكس الفردوسي في بعض أشعاره دفاعه عن عبادة النيران فيدعي أنها إنما هي محراب لهم وقبلة لعبادتهم وليست معبوداً، فمثلاً يذهب في قصة ذهاب كيكاوس وكيخسرو الى معبد آذرگشناسب:

” كانوا هناك أسبوعاً في عبادة ربهم…

ولا تتوهم أنهم كانوا يعبدون نفس النيران…

إنما كانت النار حينذاك محراباً لهم…

وهم كانوا يعبدون ربهم بعيون باكية

إنما كانت النار لهم بجمالها…

كما يكون للمسلمين العرب محاريب الحجر”.

لكنهم حينذ يقولوا: انا نعبد النار لانها وأهورامزدا من جنس واحد وطبيعة واحدة، بل أنكروا عبادة النار رأسا، وادعوا: أنا نعبد آهورامزدا الذي هو الله المتعال، وانما نجعل النار قبلة لنا، كما يقف المسلمون حينما يعبدون الله المتعال ويصلون له الى طرف الكعبة المعظمة، من دون أن يعبدوا نفس الكعبة. أي أن الزرادشتيين حينما يتكلمون عن تعظيم النار وتقديسها يأتون بلفظة العبادة (پرستش) كما كان يقول آباؤهم، ولكنهم لكي يتخلصوا من تحامل المسلمينعليهم ليقولن الله،  ولم يكونوا يذعنون بأنها هي خالقة السموات والارض وانما كانوا يخضعون لها بالعبادة. وليس عرب الجاهلية فقط بل أكثرعباد الأصنام في العالم … وعلى هذا فلو كان دین زرادشت دین توحيدى بالنظر إلى التوحيد الذاتي والافعالي، لیکن معنی افترضنا أن ذلك أن نراه توحيدية من حيث العبادة أيضا.

آن عبادة الزرادشتيين كانت منذ قدم الأيام في معابد النيران وفي محضرها، فماهي حقيقة هذه العبادة؟ هل أنهم يعبدون اهورامزدا في محضر النيران؟ ام نفس النار؟أن العربي الجاهلي كان يقول:” هؤلاء شفعاؤنا عند اللهوفي نفس الوقت كان يقر بعبادته لها فيقول: ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفي…”.

يقول الدكتور معين:” ان المسلمين الايرانيين كانوا يدعون الزرادشتيين: عبدة النار، نظرأ إلى تقديسهم للنار. في حين لم تكن النارعندهم آلهة خاصة أو رب نوع من أرباب الأنواع كما كان كذلك لدى الفرس قبل زرادشت. بل انما كانت النار محراب خمکا تكون الكعبة قبلة للمسلمين“.

ويقول أيضا:ان النار تكمن في جميع الموجودات الطبيعية، وأن جوهر حياة البشر وجميع الأحياء هي تلك الحرارة الباطنية او الغريزية، وان النار في منبع جميع النشاطاتالانسانية… بل هي موجودة معنويا حتى في النباتات والجمادات أيضا… وقد عبر عن هذا المولوي الرومي في مثنويته، اذ قال:

دان صوت النای من نار الغرام

ان لون الخمر من نار الغرام...

آن صوت الناي نار لا هواء

لا يكن من لم يكن ذا النار فيه“!. ينظر: جلال الدين الرومي، المثنوي.

وقد أخطأ الدكتور محمد معين هنا نفس الخطأ الذي تمت الاشارة اليه من ذي قبل، إذ التبس عليه الأمر بين الشرك في العبادة والشرك فی الخالق، فتخيل أن الذي يعبد يجب أن يكون له مقام في الخلق والايجاد، وحيث أن المجوس لا يقولون بهكذا مقام للنار فلیسوا مشركین، بينما لو كان الأمر كذلك لم يكن عرب الجاهلية أيضا مشركين؛ اذ لم يكونوا يعملون للأصنام شیئا سوی ماینبغي أن يكون لله أي الصلاة وتقديم القرابين، ولم يكونوا يرون أن هبل او عزی أوغيرها أرباب انواع مستقلة في الربوبية. والخطأالآخر الذي وقع فيه الدكتور هو زعمه أن الشئ لوكان مفيداًجداً لم يكن بد من عبادته وتقديسه!.

ان قياس تقديس النار بالتوجه إلى الكعبة حين الصلاة قياس باطل؛ إذ ما من مسلم ـ مهما كان عاميا – يخطر بباله وهو يقف إلى الكعبة للصلاة أنه يريد أن يعظم بها الكعبة ويقدسها، والاسلام حينما قررأن تكون الكعبة قبلة لم يقصد أن يقدس الناس الكعبة حين الصلاة، بل الكعبة في جعلها قبلة ليست الا مثل نقطة الجنوب لوقيل للمسلمين أن يقفوا اليها للصلاة، فلا مفهوم لهذا أو ذاك سوى الأمر بأن يكون لهم حين الصلاة وضع واحد. و ليس في الاسلام ما يشير إلى أن هناك بين الله والكعبة رابطة وجودية خاصة، بل قد علم القرآن المسلمین عکس ذلك اذ قال: { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  البقرة : 115. اذن فالوقوف إلى الكعبة ليس إلا لحكمة و فلسفة اجتماعية، هي: اتحاد المسلمين في الجهة التي يختارونها حين عبادتهم، وعدم تفرقهم في ذلك، وثانيا: أن تكون نقطة وحدة المسلمين هي أول بيت وضع للناس للعبادة، وهذا أيضا يرجع إلى تعظيم عبادةالله سبحانه بينما عبادة المجوس ليست إلا تقديس لنفس النار، حسب اعترافهم والدكتور محمد معين. فكيف يمكن أن يكون تعظيم النار تعظيما لاهورامزدا؟!.

ان للعبادة في قاموس المعارف الإسلامية مفهوماً واسعاً؛ اذأن أية طاعة نبعت من طاعة الله هی عبادة في الإسلام، وكل طاعة لم تنبع من طاعة الله هی شرك بالله وسواء كانت طاعة لانسان آخر أو حتى للنفس الأمارة، الا أنه شركضعيف لا يستلزم الخروج عن ربقة الإسلام. أما الاعمال التي تتحقق بقصد انشاء العبادة و اظهار العبودية، التي لا معنى ولا مفهوم لها سوى التقدیس والتنزیه و اظهار العبودية؛ كالرکوع و السجود والتضحية وغيرها فلا تجوز في الإسلام لغير الله قط، لا لنبیّ ولا لملك ولا لولي ولا لأي شئ آخرما سوى الله سبحانه، واذا تحقق شئ من هذه الأعمال لغير ذات الله كان شركاً بالله تعالى، سواء كان عنعقيدة بالشرك أوعن عقيدة بالتوحيد: توحيد الذات والصفات.مرتضى مطهري، الاسلام وإيران، ص191.

ويستطرد السيد المطهري لتوضيح قصده في معنى العبادة والخضوع والفرق بينهما بقوله:” ولتوضيح هذا المعنى يمكن القول : ليس كل خضوع لاي شئ شرك اوعبادة له. بل انما الخضوع الذي يحتوي على التقديس والتنزيه، اذ لو كان الخضوع نابعاً من تصغير النفس أمام الآخرين فقط كان تواضعا، وأما إن كان لاكرام الغير وتعظيمه كان ذلكاکراما واحتراما، و ليس التواضع والاكرام عبادة للغير. والفرق بين التواضع والتعظيم في أن معنی التواضع: هو اعلان تصغير النفس فقط، وأما معنى التعظيم: فهو اعلان اکرام الغير وتعظيمه، أما لو كان خضوع الإنسان أمام الآخر لتقديسه و تنزهه عن النقص كان ذلك عبادة له، و هذا هو الذي لا يجوز لغير الله سبحانه، اذ هو وحده الذي يستحق التقدیس والتنزيه عن النقائص فقط.  المرجع السابق، ص191 192.

و التسبيح و التقديس نوعان: لفظی، وعملی: فالتسبيح اللفظی كأن يقول سبحان الله اي اسبح الله واقدسه وانزهه وابریه من كل نقص، أو الحمدلله أي انه هوالفاعل الحقيقي لجميع النعم وهو منشأ جميع الخيرات والبركات و الكمالات، ولذلك فالحمد يخصه لاغير، أو الله اکبر أي أن الله اكبر من كل ما يتصور بل هو أجل من أن يوصف او يؤهم. فلايجوز مثل هذا لغير الله، سواء كان نبيا مرسلاً او ملكا مقرباً. وأما التقديس العملى: فهو ان ينشئ الإنسان عملا يعطي معني تقديس ذلك الموجود الخاص الذي يقدس، کالرکوع والسجود وتقديم القرابين. نعم لاصراحة في العمل فبالامكان أن تتحقق نفس هذه الأعمال لا للتعظيم بدون تقدیس، وحين فلا تحسب هذه الاعـمال عبادة بل تعظیم و تکرم (؟) الا أن الأعمال التي تبدى أمام الأصنام أو النيران او غيرها فلايمكن ابعادها عن معنى التقديس. إن من فطريات الإنسان أن يقف أمام موجود كامل مبرا من النقص فيقدسه، والذي يجعله يقوم بهذا العمل هو غريزة فيه تبعثه على الثناء على الكامل المطلق؛ فالتقدیس اذن نابع من احساس فطرى في الإنسان. وهو توأم فيه مع الاستشعار باستقلال ذلك المقدس في الوجود سواء شعر بذلك الانسان ام لم يشعر! و بعبارة أخرى نقول : بما أن العبادة و التقديس نابعان من أحساس غريزي في الإنسان، فلا يلزم أن يعتقد الإنسان العابد في شعوره الظاهر باستحقاق ذلك المقدس للتقديس ولا بتنزهه عن النقائص ولا بالاستقلال الذاتي أو الفعلى لذلك المعبود.نعم، هذا معنى التقديس، وهذا هو الفرق بين التقديس والتواضع، و هكذا الفرق بين التقديس والتعظيم العادي، و هكذا الفرق بين التقديس وجعل الشئ قبلة. والشئ الذي يعمله المجوس في مورد النيران هومن التقديس لا التعظيم العادي ولا التواضع ولاجعلها قبلة، و العمل اذا كان تقدیس کني في أن يعد عبادة للشئ، سواء كان توأمة مع العقيدة الصريحة مقام الربوبية المطلقة لذلك الشئ أوربوبية نوعية أولا هذا ولا ذاك. مرتضى مطهري، الاسلام وإيران، ص192.

 وفضلا عن هذا، فلا يقول المجوس للنار بمقام اقل من ربوبية نوعية على خلاف مايقوله الدكتور محمد معين، بل إنهم كانوا يرون للنار قدرة خارقة و تأثير روحيا ومعنويا. ولا يزالون يقولون بذلك. وقد نقلنا قبل هذا: أن النار لقبت في الافستا (آذر ایزد) أی آنها (ابن الله) . ويقول، کریستنسن بهذا الصدد: ان النار في هذا الدين من أهم جميع سائر العناصر الموجودة، و يعلق على هذا في الهامش يقول: يعتقد هرتل في مقالاته التي كتبها تحت عنوان (منابع التحقيقات الهندو ایرانية) يعتقد: بأن الايرانيين كانوا يرون آن عنصر النار نافذ في كل صغير و كبير في هذا العالم “، ويضيف کریستنسن بالقول:”وآنا أعتقد أن الذي يقوله هرتل لا يخلو من حقيقة في المقام. وکتب نفس الدكتور المعين بشأن معبد (آذر برزین مهر)أحد معابد النيران الكبيرة والأصيلة، يقول: جاء في البند الثامن من الفصل ۱۷ : آن معبد آذر برزین مهر كان قائما حتى عهد گشتاسب، وکان ملجأ للعالمين حتى آمن بزرادشت انوشیروان و گشتاسب، فحمل گشتاسب معبد آذر برزین مهر إلى جبل ریوند الذي يدعی پشتاسپان وپشت أيضاً وينقل عن خرده اوستا (الافستا الصغيرة) أنه يقول : ان الفلاحين يصبحون أعلم وأطهر وانقى ثيابا ببركة هذه النار، وببركة هذه النار تساءل گشتاسب و تلقى الجواب ويقول بشأن( آذر فرنبغ) الذي هو الآخر احد المعابد الأصيلة للنار: كان هذا المعبد يخص للموابذة الكبار، وقد جاء في البند الخامس من التفسير الپهلوی انار بهرام في دعاء خرده اوستا : ان هذا المعبد اسمه: آذر فرنيغ، وهي نار عليها يكون حماية سائر النيران، وببركة هذه النار يجد الموابذة والدساتير العلم والكبراء وأصحاب الجاه و الشأن الرفيع، و هذه النار هي التي قاومت الضحاك .

وجاء في البند الثامن من الفصل السابع عشر بشأن” آذرگشناسب التي هي ثالث المعابد الكبار والأصيلة: كانت آذرگشناسب حتى ملوكية کیخسرو ملجأ للعالمين، وحينما خرب کيخسرو بحيرة چچست جلست هذه النار على عرف فرسه فدفعت عنه الظلام و السواد وهيتئة النور والضياء حتى استطاع أن يخرب معابد الأصنام، فبنى في ذلك المحل على جبل اسنوند معبد ايران و جعل تلكالنيران في ذلک المعبد. وفيه:” ان معبد آذر گشنسب هي احدى ثلاث شرارات من الجنة نزلت إلى عالم التراب لامداد العالمين، وقد استقرت بآذربایجان”. ويقول فردوسی بشأن ذهاب کیکاوس و کیخسرو إلى معبد آذر گشنسب:

نقوم عند النار على قدم وساق

حتى يهدينا يزدان الطاهر

فحيث يكون یزدان راقدا

يجد ممثل العدل الطريق اليه…!“.

فليت شعري! آية طائفة من طوائف عباد الاصنام كانت تقول باكثر من هذه القدرة

المعنوية الخارقة لأرباب أنواع يقولون هم بها؟!. ينظر: مرتضى مطهري، الاسلام وإيران، ص193 194.

وقد كتبت مجلة (هوخت) الناطق بلسان ندوة الزرادشتيين في طهران، مقالة بقلم الموبد اردشیرآذرگشنسب بعنوان: رد الاتهامات، جاء فيها:” أن الزردشتيين لم يكونوا يعبدون النيران ولا يعبدون، ويستمر يقول: نحن نأتي بآيات من الكتب السماوية فنثبت بها أن الله هو نور الانوار و منبع جميع الانوار، ومن هناك نعلم أن الزرداشتيين باقبالهم على النارو النور في حين صلاتهم ودعائهم، انما هم يناجون ربهم و يستعينون منه بواسطة هذه الانوار، وأن هذا لا يخل بتوحيدهم بأي وجه من الوجوه، كما يتوجه اتباع سائر المذاهب في حين صلاتهم إلى الكعبة ولا ينبزهم بذلك أحد بالشرك وعبادة الاحجار او التراب“. مطهري، الاسلام وايران، ص 194 .

ثم شرح الموبد اردشیر آذرگشنسب فوائد النار الواضحة بعنوان أنها عنصر شریف و مقدس، وبعد ذلك يقول: و على أي حال، فانما تيسر كل هذا التقدم للانسان القديم بمساعدة النيران الحمراء و المحرقة، وعلى هذا فهو كان على حق اذ أذعن للنار بحرمة فائقة وحسبها رسالة سماوية انزلت عليه لمساعدته، وبنى لها المعابد وجعلها مشتعلة دائما لا يطفئها بل يمنع من اطفائه”.

ويرد الاستاذ مرتضى مطهري (1919- 1979م) على الموبد اردشیرآذرگشنسب بالقول: نعم أن الله هو نورالأنوار، لكن لا معنى أنا نقسم الأشياء إلى قسمين: أنوار وظلمات، ونحسب أن الله هو نور الانوار وليس نورا للظلمات! بل أن الله نور الانوار یعنی. بما أن الوجود يساوى النور بالنسبة إلى الظلام الذي يساوى العدم، لهذا نقول إن الله هو نور الأنوار، ونقول:{ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءعَلِيمٌ } ، سورة النور، الاية: 35، ولا فرق في هذا بين النور المحسوس کالنار والشمس والقمر والمصباح وبين الحجر والتراب، وليس معناه أنا إذا توجهنا إلى النار نكون قد توجهنا إلى الله أما إذا توجهنا الى الحجر نكون قد توجهنا إلى غير نور الأنوار.

يقول هذا الموبد المجوسی: ان الزرادشتيين يتوجهون إلى الله بواسطة النار!“.

و أنا أقول: لكن التوحيد أن لا يجعل الانسان لاقباله على الله واسطة بينه و بين الله اذا يقول: «و اذا سألك عبادي عني فاني قریب» ۱۳۳ فلا يلزم بل لاينبعى أن يجعل الانسان بينه وبين الله واسطة للإقبال عليه.

أما قياس هذا الموبد التوجه إلى النار بالتوجه إلى الكعبة؛ فقد بحثنا حوله قبل هذا وتبين أنه قياس مع الفارق. ويقول هذا الموبد: أن في النار فوائد كثيرة للانسان، و لذلك فهوعلى حق لو اذعن لها بحرمة فائقة

ونقول : هنا بيت القصيد؛ بل انما بعث الانبياء کی يعرفوا الانسان منبع الخيرات والبركات و النعم و الآلاء، وکي يعطوه بصيرة نافذة في امثال هذه الأمور، وكي يوجهوه من الأسباب إلى مسبّها ، وکی یفسروا له: أن: الحمد لله رب العالمين، يعني: أن كل ثناء و دعاء انما يخص ذات الله رب العالمين بالاستحقاق.

ثم نتساءل فنقول : هل أن النار رسالة سماوية نزلت لمساعدة الإنسان فحسب؟! لو كان المقصود من السماء هذا الجو الذي على رؤوسنا فلاشئ من النار ولا ما يقول هذا الموبد المجوسی: ان الزرادشتيين يتوجهون إلى الله بواسطة النار!”.

و أنا أقول: لكن التوحيد أن لا يجعل الانسان لاقباله على الله واسطة بينه و بين الله اذا يقول:{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }، سورة البقرة: الآية 186،  فلا يلزم بل لاينبعى أن يجعل الانسان بينه وبين الله واسطة للدعاء والتضرع إليه.

الرسوم والتشريفات:

 ولـيـس تقديس النار وتعظيمها وعبادتها من الأشياء الساذجة والبسيطة، بل لها تشريفات عجيبة وغريبة، ونحـننـنـقل هنا قسماً من هذه التشريفات عن كتاب (مزدیسنا وادب پارسی) للـدكـتـور محمد مـعين (1914 1971م) الاستاذ في جامعة طهران، الـذي يـدافع عنها أوعلى الاقـلعـن تـعـظـيـمـهـا وتـقـدسيهـا، ويوجد قسم منها في سائرالكتب المجوسية والتي تدافع عنهم، وهي بعد باقية بينهمالى اليوم. ينظر: مرتضى مطهري، الاسلام وإيران، ص169.

يقول الدكتور معين :في ديـن مـزديـسـنـا تشريفات كثيرة،كما في الكاثوليك، وعلى خلاف الإسلام. أمـا الـتـشـريـفاتفي مورد معابد النيران: فينبغي أن يكون المعبد في فسحةوسيعة، ويوجد في كل معبد کانون خاص لايقاد النيران لايحق لاحد الدخول اليه إلا للموبد المحافظ على النيرانأو(آتربان) وحينما يدخل (آتربان) الى النيران يجب أنيتلثم على فمه بلثام يسمى (پنام) کی لا تـتـلـوث الـنـيـرانمـن أنفاسه، وفي الطرف الايمن من مقر النيران غرفةوسيعة مربعة تنقسم الى أقسام متعددة متساوية، كل قسممنها لوظيفة خاصة، تسمى هذه الغرفة (يزشن گاه) أيمحـل تـشـريفات العبادةوكان قد تقرر في شريعةزرادشت: أنه لا ينبغي أن تسطع الشمس على النارالمقدسة. والعجيب أن الزرادشتيين والمدافعين عنهم يحاولون توجيه تقديس النار بعنوان أنها من جنس النور، والنورعنصر مقدس لأن الله هو نور الأنوار، وهم من ناحية أخرى يرون أن سطوع الشمس على النار يسبّب تلويث النيران؟!.

ولهذا فقد عملوا في بناء غرفة النيران طريقة خاصة: جـعـلـوها مظلمة يتوسطها كانون النيران، ويوجد في معابدالنيران مشاعل مختلفة باختلاف درجات الأسرالإيـرانـيـة: (آتـش خـانـه: نـارالاسرة)، و(آتش قبيلة: نارالقبيلة)، و(آتشقرية: نار القرية)، و(آتش بلوک: نارالاقليم)، ويسمىمحافظ نارالأسرة (مانبذ). وكان قد تقرر لصيانة النيرانرجلان من رجال الدين، ولصيانة نارالاقليم هيئة روحانيةبرئاسة موبد من الموابدة. ومن نسك الافستا الساسانیةمنسك یسمى (سوزگر) وقد كتب بشأنه في بـاب عـبـادةالنيران تفصيل خليط بقصص وأساطير جاء فيه: كانالمعبد مليئاً من ريح الـكـنـدر(هو نوع من النباتات، التي يُستخرج منها صمغ الشجر أو اللبان، الذي يمكن مضغه، كما يُستخدم كبخور بسبب الرائحة الجميلة، التي تنتج عند حرقه)، وغيره من المواد العطرية، وكان عند النار رجل منالروحانيين قد تلثم بلثام على فمه أي لایـلـوث بنفسه النار،وبيده عود قد طهر طبق الآداب الدينية يقلب به الناريوقدها، وكـان هـذا الـعـود غـالـباً من نبات موسوم به (هدانهاپتا)، أجل كان ذلك الرجل الروحاني يـقـلـب الـنـار كـل حينبهذا العود الذي كان يسمى (برسمه)، وكان قد قطع طبقاًلآداب خـاصـة، يشعل النار به ويدعو بدعـوات خاصة، ثمكان سائر الروحانيين ينثرون (هئومه) وكـانـوا في اثـنـاءتـلاوة الأدعـيـة أوالآفستا يـدقـون أغـصـان نـبـات (هئومه)في هاون بعد تطهيرها، وكان يوجد في (يزشن گاه= محلعمل التشريفات) آلات وأدوات كل منها تفيد في تشريفخاص من التشريفات، هي كما يلي:

ا و ۲ – هاون و مدها، وهي بمنزلة ناقوس المسيحيين وتستعمل الآن عندهم كذلك، وكان في الأصل لدق اغصان نبات هئومه .

۳- برسمه، الذي كان يقطع من شجر(هدانه اپتا) وهو شجر كالرمان، واليوم

يصنع من الفضة او البرونز، ويقلب به النار.

4- برسمدان = محل عود برسمه.

5برسمچين، وهوسكين صغير يقطع به عود برسمه من شجر(هدانه اپتا).

6- كؤوس لنبات هوم وپراهثوم والمياه المقدسة.

۷- طوس صغار من نوع الطسوت لنفس نبات هثوم و پراهثوم، وهي فيها تسع ثقوب.

8- الورس، و هو حبل صغير حیك من شعر البقر، ويشد به عود برسمه.

9- حجر كبير باسم (أرو يس گاه) وهو حجر مربع، تجعل عليه تلك الآلات السابقة .ينظر: محمد معين، مزديسنا وأدب بارسى، ص297 305.

ويستطر الدكتور معين بالقول:جاء في القواميس الفارسية: برسمه: فروع رفيعة لا عقدة فيها، وهي بمقدار شیر، يقطع من شجرهثوم، وهو شجر يشبه شجر (گز)فان لم يكن هوم فن الگز، فان لم یکن گز فمن شجر الرمان. وأدب قطعه: أن يطهر برسمچین – وهو السكين الصغير لقطعه – بالماء ثم يتلى عليه بعض الأدعية التي تتلى حين عبادة النيران وغسل الابدان واكل الطعام – ويجب ان يكون ممسكة المدية أيضا من حديد – ثم يقطع بها عود برسمه“. المرجع السابق، ص401.

ثم يقول :حينما يشتغل موبد بقراءة الأدعية حاليا، يراقب النار موبد آخر يأخذ بيده فروع برسمه من برسمدان و يديرها ثم يعطيها من يمينه لشماله وبالعكس ثم يرجعها الى برسمدان.

بعد ذلك ينقل الدكتور محمد معين مقطعاً طويلاً من كتاب زند آفستا الذي الفه المستشرق اليهودي الفرنسي دارجيمس مشتاتر بقوله”: کتب دار مستتر في زندآوستا يقول: لنا قسمان من معابد النيران: معابد کبارتدعی (آتش بهرام) وصغيرة تدعى (آدران) او (اگبارى). ويوجد الآن في مبي(= بومبي) هندوستان ثلاثة من القسم الأول ومئة من الثاني. والفرق بين الأول والثاني في كيفية النار وكيفية تحضيرها؛ فان تحضير ناربهرام يمتد سنة کاملة، وهي تتشكل من(13) من أنواع النيران فهی تعد کجوهر روحى لجميع النيران المعبودة، وهي تستلزم تشريفات مختلفة جاء توضيحها في وندیداد– فنديداد حد اجزاء الافستا الساسانية). وقد جرت السُنة لدى المجوس أن يكون في كل حوزة من البهدينين أي الزردشتيين من النوع الأول (بهرام)واحد. ويعتقد بعض رجال دينهم بأنه لا يجب أن يكون لهم اكثر من (بهرام) واحد فقط في كل اقليم؛ اذ هونار الملكولايمكن أن يكون ملكان لاقليم واحد!، وبما أنها نارالملك فيلزم لها اريكة ملوكية، ولذلك فهم ينظمون لها ستة قطع من خشب الصندل بصورة أريكة مدرجة. محمد معين، مزديسنا، المرجع السابق، ص355 – 57.

وفي الاخير يعلق المفكر والعلامة الايراني مرتضى مطهري على هذه المراسم والتشريفات الخاصة بطقوس عبادة النيران بقوله:” أجل؛ هذا هو قسم من مراسم وتشريفات تعظيم وتقديس النيران للزرادشتيين. ولا كلام لي الآن حول توحيدية هذه الاعمال أوشرکها؟ لكني أود أن تفکر أنت أيها القارئ في هذه المراسيم منطقياً وعقلياً، ثم ترى هل تجد أنت أشد خرافة من هذه الأعمال في العالم ؟ ثم قسها أنت بالعبادات الاسلامية: الصلاة والأذان والجمعة والجماعة، والحج والمساجد ونسك العبادات في الإسلام، والأذكار والأوراد والتسابيح الإسلامية، ثم ترى أنت بنفسك البون الشاسع بينها، ثم ترى هل كان يحق للامة الايرانية حينما واجهت هذه التعاليم القيمة ان تنبذ ما كان يعبد آباؤها أم لا؟!“. مطهري، الاسلام وإيران، ص198.

ولا بأس هنا أن نورد شيئا من صدی بوم من البومة ونعرف القراء الكرام بقيمة هذه الاصداء و النعرات… کتب ابراهیمپورداود بشأن بيت النار في بلدة (نوسارى) الهندية، التي تعرف باسم (ایرانشاه) وهي من نوع (بهرام آتش) يقول:مسطورفي سُنة الفرس: أن الايرانيين حملوا نار بهرام معهم من ایران، ولعله حق، اذ نقرأ في: تاريخ الطبري والمسعودي: أن الايرانيين كانوا يحملون نار بهرام معهم حين هزيمتهم إلى مناطق أوغل في ایران وأبعد عن الفاتحين(= المسلمين)، مخافة أن تقع النيران بأيديهم فيطفئوها، وبيوت النارالايرانية وأن خمدت تدريجيا وأبدلت بمساجد، ولكنهم لم يألوا جهداً في صيانتها عن الخمود. وأن یزدجرد الثالث(= الملك الساساني الاخير) حينما انهزم في (نهاوند) حمل معه نار(وی) المقدسة إلى (مرو)بشخصه. أن كان بيت نار (ایرانشاه) في (سنجان) بنيت عام ۷۱۹م مع ذلك مضى اليوم عليها أكثر من ۱۲۳۰عاما، وهي لا زالت تراقب عن کثب حيرة أتباعها في الاقليم الاجنبي لكنها لم تفقد لونها الأحمر في حوادث الدهر، بل كانت تدعو أصحابها بلسانها الحار إلى الاستقامة والحرارة. وبعد هزيمة (سنجان) أقامت في (نوساری) 235 عاما، إلا انها خمدت عامين من عام ۱۷۳۳م الى ۱۷۳۲م … ويمضي عليها اليوم 204 أعوام وهی تضي في هذه القرية، وحولها آلاف من الزرادشتيين فيهم الدساترة والموابدة والهيربدان والبهدینان، ويزورها مجوس ایران وفرس هندوستان ولا سيما في أشهر اردیبهشت وآذرماه، وفي هذا البيت (ایران خديو) أي (ایرانشاه) يعلو صوت نشد اوستا من الموابدة البيض كل صباح وضحی ومساء. ان ایرانشاه تذكرنا بخدامها الذين يبلغون المئات – ببيوت: نارشیزه، وري ، واستخر ما كان لها من جلال الساسانيين. محمد معين، مزديسنا، ص358 359.

بعد ذلك يصب الاستاذ مرتضى مطهري جام غضبه على الاكاديمي والباحث الايراني ابراهیم پورداود (1886 1968م) فهل من أحد يصدق أن يتجاهل هكذا، رجل يدعي أنه من اساتذة جامعة طهران؟! ولا أدري أهي جهالة أم تجاهل؟ ولكني اقول: شاهت وجوه ربائب المستعمرینالعملاء الخونة المجرمين!…، نقلاً عن مطهري في كتابه: الاسلام وإيران، ص196 199.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً