البحوث

أدعياء اليهود للمسيحانية في العصر الإسلامي

 

المقدمة

إذا كانت الدراسات والبحوث قد اهتمت إلى حد ما بأدعياء النبوة في التاريخ الإسلامي، فان مثل هذه الدراسات لم تتطرق إلى اليهود الذين ادعوا المسيحانية بالمفهوم التوراتي، أو النبوة والمهدية بالمفهوم الإسلامي. والسبب في اعتقاد الباحث يعود بالدرجة الأولى إلى عدم اهتمام المؤرخين بهذه المجالات التي تخص فئة هامشية تنتمي إلى أهل الذمة ليس لها تأثير على مجريات الأمور في الدولة الإسلامية، فضلا عن قلة المعلومات في هذا الجانب.

وقد شهد العالم الإسلامي ظهور العديد من الحركات اليهودية المسيحانية الكاذبة، حيث كانت البلدان الإسلامية تعد وبحق ارض خصبة لمثل هذه الأفكار، نتيجة الحرية والأمان الذي عاشه اليهود في ظل الإسلام، تلك الحرية التي منحتهم مساحة كبيرة من التفكير والدرس والبحث، وصلت بهم حد دراسة التأويلات والتفسيرات الباطنية والصوفية كالقبالة ([1])، ومكنتهم من طرح ادعاءاتهم بدون أية مواربة أو مخاوف. وقد كان من أهم تلك الحركات المسيحانية: حركة أبو عيسى الأصفهاني، حركة اليوذعانية، وحركة داود الروحي، وغيرها.

يرجع اختيار الباحث لهذه الحركة نموذجاً للدراسة، لأن الروايات المتعلقة بالمسيح الدجال على حد تعبير الباحث اليهودي الالماني (إريك براور) هو أهم مادة مفردة نمتلكها حول تاريخ اليهود الكرد ([2])، كما أن هذه الحركة لم تلق الدراسة ولم تشبع بحثاً من قبل المؤرخين المسلمين. فضلاً عن ذلك فإن الروايات المتعلقة بتلك الحادثة قليلة جداً، لذا حاولت بقدر الإمكان إلقاء الضوء عليها مستفيداً في هذا الجانب من روايات المؤرخين والباحثين اليهود، ودائرة المعارف اليهودية (الانسكلوبيديا اليهودية)، لعلها تضفي مورداً جديداً على التاريخ الإسلامي عامةً، وتاريخ كردستان خاصة، وتوضح من جانب آخر طريقة استيعاب وتفكير القوم لهذه الحركة وانعكاسها على مجمل الاوضاع السياسية والدينية في تلك الحقبة المهمة من التاريخ الاسلامي.

أما الموضوع فقد وقع اختياري عليه لسببين أولهما: دراسة الحركات اليهودية المسيحانية في ظل الخلافة العباسية، وأثرها على اليهود في مختلف أقطار المشرق الإسلامي. ومحاولة تفنيد آراء بعض المستشرقين والمؤرخين اليهود، حول تعرض اليهود لأشكال من الاضطهاد والتمييز والتهميش، أدت إلى ظهور مثل هذه الادعاءات. حيث كان المستشرق الفرنسي (كلود كاهين) واضحاً في التعليق على هذا الموضوع الحساس، في معرض كتابته عن الأقليات غير الإسلامية – أهل الذمة (اليهود) خلال العصر الإسلامي، ومقارنته بوضعهم في الحقبة المسيحية الوسيطة في أوروبا بقوله: ” ليس ثمة شيء في الإسلام في القرون الوسطى يمكن تسميته تحديداً بمعاداة السامية “. كما إن الموضوعية تحتم علينا أن نحاول مقارنة عدم التسامح المسيحي بنظيره الإسلامي لما لهما من أوجه شبه وأوجه اختلاف، إن الإسلام، بغض النظر عن العديد من الاضطرابات والقلاقل، قد أظهر من التسامح والود إزاء اليهود الذين عاشوا في بلاد المسلمين أكثر مما أظهرته أوروبا ([3]).

أما المستشرق اليهودي – البريطاني – الأمريكي (برنارد لويس) الذي يعتبر مؤلفه ( اليهود في الإسلام) أكثر تقييماً للاعتدال بشأن وضع اليهود تحت النفوذ الإسلامي في العصور الوسطى الإسلامية، فيقدم تفسيره الخاص لإحساس اليهود بوضع أفضل تحت حكم الإسلام منه في ظل المسيحية  قائلاً: ” عندما نقارن موقف المسلمين من اليهود ومعاملتهم إياهم في القرون الوسطى بوضع اليهود بين جيرانهم المسيحيين في أوروبا الوسيطة فإننا نرى عدداً من المقابلات الصارخة… إن معاداة اليهود في المجتمع الإسلامي ليست من جهة لاهوتية… إنها بالأحرى ذلك الموقف المعهود من قبل الغالب إزاء المغلوب، موقف الأغلبية إزاء الأقلية، دون ذلك البعد اللاهوتي الإضافي وبالتالي البعد النفسي الذي يضفي على نزعة معاداة السامية لدى المسيحيين طابعها الأوحد والخاص”([4]).

أما السبب الثاني، فهو أن هذا الموضوع وهو اضطهاد الشعوب الإسلامية لليهود فيما يعرف (بمعاداة السامية) قد صار لغة العصر وموضوعه، هذا من جانب؛ ومن جانب آخر فإن مثل هذه الموضوعات لا تدعم كراهية الإسرائيلي لغيره من البشر، وترسخ في وجدانه حب الأنا وتفردها فحسب؛ بل أنها تلقى رواجاً وقبولاً على كافة الأصعدة فى إسرائيل، وتدرس فى المدارس والجامعات الإسرائيلية، أضف إلى ذلك أن غالبية هذه النخبة من المؤرخين الإسرائيليين هم من مؤلفي كتب التاريخ المدرسية والجامعية فى مراحلها المختلفة فى إسرائيل. ومن هؤلاء: مناحيم شترن، وأريئيل ربابورت، وبروريا بن باروخ فى العصرين اليوناني والروماني، وبت تسيون عراقى كلورمان، ويسرائيل جرشوني فى فترة ما بعد ظهور الإسلام ([5]).

ولبيان تهافت مثل هذه الادعاءات التي ليس من ورائها طائل، فان معاملة الفاتحين المسلمين لليهود كانت حسنة في فترة الفتوح وما بعدها في العصرين الأموي والعباسي. قياساً بما لاقوه على يد البيزنطيين والساسانيين، فقد كانت تدابير الإمبراطور البيزنطي هرقل Heraclius الشديدة ضدهم، جعلتهم يعملون مع العرب المسلمين في الشام ضد الروم البيزنطيين، حتى وصل الأمر بالخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان إلى إسكان جماعة منهم في مدينة طرابلس (= اللبنانية) المعرضة لهجمات الأسطول البيزنطي ([6]).

وجاءت الفتوح الإسلامية بتحسن كبير في وضع اليهود، وأكد الخلفاء الراشدين ذلك في وصاياهم بأهل الذمة. وتعطي الروايات اليهودية صورة طيبة لنظرة الخلفاء الأوائل للجماعات اليهودية وخاصة في العراق ([7])، وفي الشام كانت المعاملة حسنة، وعومل “اليهود السامرة “([8]) معاملة خاصة لتعاونهم مع العرب المسلمين، وكان التزام الأخيرين بالعهود وحمايتهم لأهل الذمة مدعاة احترام هؤلاء ومودتهم، وفوق ذلك فان الشريعة الإسلامية لا تميز بين اليهود وغيرهم من حيث الوضع القانوني، وهذا يعود إلى نظرة الإسلام المفتوحة لأهل الكتاب ([9]).

لقد أكد الإسلام على وحدة الأديان السماوية في الأصل الإبراهيمي، ووفر الآخرين حرية العقيدة ما داموا يلتزمون بالعهود ولا يعتدون على المسلمين أو يعينون عليهم، وترك المسلمون لأهل الذمة شؤونهم الخاصة وفق شرائعهم، واستعانوا بالذميين من اليهود والنصارى في الوظائف المالية والكتابية للاستفادة من خبرتهم. وكانت سمة التسامح على أشدها في صدر الإسلام، ولا يمكن تفسير ذلك – كما حاول البعض من المستشرقين وتلامذتهم – التفوه بها؛ بحاجة العرب المسلمين إلى الشعوب الأخرى في الإدارة وغيرها، بل الثقة بالنفس وروح التسامح ([10]).

 

عقيدة انتظار المخلص الموعود من نسل داود: المسيحانية“Messianism”

اصطلحت العبرية على استخدام لفظ “مشيحوت للتعبير عن مبدأ الإيمان بخلاص شامل يتحقق على يد الملك المسيح “هامشيح ” الذي يعتبر قدومه مؤشراً لبداية مستقبل مثالي بكل ما فيه. وهي مأخوذة من الفعل العبري “ماشح” الذي يعنى في عبرية العهد القديم أن يمسح بالزيت المقدس. أما مصطلح المسيحانية “Messianism” فهو مشتق من اللغة العبرية من الفعل: ماشيح Mashiach الذي يعني: “الممسوح بدهن الزيت المقدس- هامشيح”: “The Anointed one” على عادة بني إسرائيل في مسح الطفل او الملك المتوج بدهن الزيت كسِمة للقداسة “”Yehoshua أي (يهوه المنقذ)، وقد حور الاسم واتخذ صيغة (يشوع): “Yeshu” وهو الاسم الذي عرف به السيد المسيح (عليه السلام) والذي يعني “الربُّ يخلص”([11]).

وقد ترددت اللفظة اسماً ومصطلحاً معاً، في الكتاب المقدس: العهد القديم والجديد ولمرات عديدة. ففي سفر صموئيل الثاني (22/51) نقرأ: “أحمدك يا رب، وأورنم اسمك بين الأمم نصراً عظيماً يمنح ملكه ويظهر رحمته لمن مسحه، لداود وذريته إلى الأبد”([12]).

وجاء في سفر اشعيا: “سيخرج من جذع يسي (والد نبي الله داود -عليه السلام-) وينمو غصن من أصوله، روح الرب ينزل عليه.. لا يقضي بحسب ما ترى عيناه. ولا يحكم بحسب سماع أذنيه، بل يقضي للفقراء بالعدل وينصف الظالمين بكلام كالعصا، ويميت الأشرار بنفخة من شفتيه. يكون العدل حزاماً لوسطه، والحق مئزراً حول خصره، فيسكن الذئب مع الخروف، ويبيت النمر بجانب الجدي”([13]).

وكان الأحبار والأنبياء يسمون من أجل المسح بالزيت “مسحاء الله”، وينهى العهد القديم عن المساس بهم كما جاء فى سفر أخبار الأيام الأول (20/ 22)” لا تمسوا مسحائي ولا تؤذوا أنبيائي”. وكان مسح الملوك أول شعائر التتويج والمبايعة، فكان شاؤول وداود من هؤلاء المسحاء. ثم أطلقت كلمة مسيح مجازاً على كل مختار منذور. فقد ورد في سفر اشعيا: “إن كورش الملك الفارسي(=الأخميني) كان مسيحاً للرب. لأن الرب أخذ بيده لإهلاك أعداء بني إسرائيل وإقامة الهيكل من الجديد”.

وجاء في الإنجيل: “وبينما هو يفكر (يوسف النجار) في هذا الأمر، ظهر له ملاك الرب في الحلم وقال له: “يا يوسف ابن داوود لا تخف أن تأخذ مريم امرأة لك، فهي حبلى من روح القدس، وستلد ابناً تسميه (يسوع) لأنه يخلص شعبه من خطاياهم”([14]). وجاء أيضا: “ولما بلغ الطفل يومه الثامن، وهو يوم ختانه سمي يسوع كما سماه الملاك قبلما حبلت به مريم”([15]).

ومع تخصيص جذع يسي (والد النبي داود-عليه السلام-) بدور القيام بمهمة المسيحانية المنتظرة وتحقيق الخلاص النهائي لبني إسرائيل على يده، فان الاسم واللقب قد أطلقا على آخرين لا يمتون بصلة رحم إلى الفرع المنتخب إلهياً من بين فروع بني إسرائيل الأخرى (بني يعقوب –عليهم السلام-) الأخرى.

وقد شاع استخدام هذا الفعل في كتاب العهد القديم للتعبير عن مسح الكهنة والأنبياء والأمراء وبعض الأدوات والأشياء. وهو تقليد كان شائعا لدى شعوب الشرق الأدنى القديم. ولما كان المسح بالزيت يضع الشخص الممسوح في مكانة أعلى من جميع إخوانه لكي يكون فى خدمة الرب؛ فإن ذلك يجعله أكثر قربا من يهوه، كما يجعله مختاراً منه، ويقوم بالحكم نيابة عنه ويمنح بني إسرائيل البركة باسم يهوه، وينفذ شريعته وخططه وكل ما يريد على الأرض، كما يجعل منه ملكا مقدساً لا تنتهك حرمته. ومن خلال مسح الملك وتسلحه بالروح السماوية، فإنه يتلقى حكمه خارقة، ولأنه قد أصبح ملاك يهوه؛ فهو ينفذ كل رغباته على الأرض. وهو يعرف المستقبل ويتمتع بحياة أطول من كل البشر، كما أن خبراته عظيمة ويمكنه تحقيق ما يعجز عنه الآخرين. ثم تطور المفهوم في عصر التلمود حيث أصبح يستخدم فقط للدلالة على ملك يأتي في المستقبل، مزوداً بقوى من الرب الذي اختاره لينفذ مهمة تخليص بني إسرائيل من الأعداء ويحكمهم كملك عظيم ويخضع باقي الشعوب الأخرى لسيطرته الدينية والسياسية ([16]).

وقد كانت فكرة الخلاص في العهد القديم إحدى الأفكار التي شوهها أحبار التلمود ومعاصريهم من أدباء الأبوكاليبس ([17]). أو الأدب الرؤيوي، فبدلاً من التمسك بدعوة الأنبياء بأن يكون مجيء الخلاص مرتبطاً بعودة بني إسرائيل إلى الطريق القويم في عبادة الرب ونبذ عبادة الأوثان وكافة الموبقات الأخرى من انحلال خلقي وفساد اجتماعي، نحى أحبار التلمود ومعاصروهم من الكهنة وأدباء الأبوكاليبس بمفهوم الخلاص منحى عنصريا حيث أصبح يشير إلى الإيمان بمجيء ملك يهودي ترسله السماء يتميز بقدرات قتالية خاصة، يقود بني إسرائيل ويضعهم طبقا لهذا المفهوم المتطور على قمة السلم البشرى. وتحت تأثير قبول عقائد أخرى (=  الغنوصية) المتمثلة في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة وعقائد ثنوية إيرانية، تبعد عن شريعة موسى، وتحت تأثير العنصرية والدونية التي يتحدث منها أولئك الأحبار نتيجة الهزائم العسكرية المتكررة التي لحقت بهم على يد: الآشوريين والبابليين واليونان والرومان،  وضع أحبار التلمود شروطاً أخرى لمجيء هذا الملك المسيح عرفت باسم” مخاض المسيح ” هي في مجملها حالة الكوارث المدمرة الشاملة للعالم اجمع، تتبعها حاله سلام وهدوء أبدى يتميز فيها اليهود ـ كما يعتقدون ـ بوضع السيادة على كافة إنحاء المعمورة متعبدة طائعة مقدمة القرابين لتتخذ من صورة الإله التي يرسمها بنو إسرائيل في هذا التراث محطاً للعبادة، وتصبح عبادة الشعوب لصورة هذا الرب خضوعاً لبنى إسرائيل في ذات الوقت. وفى مجموعة أخرى عرفت بـ “معجزات المسيح” يتحدث فيها أحبار اليهود عن تصورهم لوضع غيرهم من الأمم الأخرى في عصر المملكة المسيحانية، يقول الربي يوسى:” سيجلس الرب المبارك ويسحق الأغيار شيئاً فشيئاً ولا يقدرون على البقاء أمامه لأن التوراة تكون عليهم نيراً عظيما يحاولون التخلص منه”([18])..

فقد أطلق على الملك الأخميني كورش الثاني (559-530 ق.م)، – المسيح المنتظر- تكريماً له، جراء قضائه على المملكة الكلدانية (البابلية)، واحتلال عاصمتها بابل عام 539ق.م، وإصداره أوامر تقضي بالسماح ليهود الأسر البابلي بالعودة إلى فلسطين، ومساعدتهم مادياً من أجل إعادة بناء المعبد السليماني (هيكل سليمان) الذي دمره الملك البابلي نبوخذ نصر عام586 ق.م، فجاء في سفر اشعيا: ” وهذا ما قاله الرب لكورش الذي مسحه وأخذ بيمينه ليخضع له الشعوب، ويضعف سلطان الملوك حتى يفتح أمامه المصاريع فلا تغلق في وجهه الأبواب، أسير قدامك، فأمهد الجبال، وأحطم مصا ريع النحاس، وأكسر مغاليق الحديد، وأعطيك الكنوز الدفينة والذخائر المخبأة، فتعلم إني أنا الرب، اله إسرائيل، الذي دعاك باسمك، { أي الممسوح}([19]).

كذلك أطلق الاسم في سفر زكريا على شخصيتين هما: الكاهن الأعظم يشوع، والملك زربابل، وهو حفيد الملك “جيهوى أشين” وكان وقتها زعيما ليهود المنفى الذين عادوا من بابل إلى يهودا (=المملكة الجنوبية قبل تدميرها على يد نبوخذ نصر) بموافقة الملك كورش الثاني. وعين زربابل في ظل حكم الملك داريوس الاول في سنة 521ق.م حاكماً لمقاطعة يهودا (=أورشليم- القدس وأطرافها)، وكان آخر حكامها من بيت داود. ويتحدث (كتاب زربابل) الذي كتب في زمنه والذي قيل انه وجد منقوشاً على الحجر، عن رؤى رآها زربابل (بذر بابل) عن ظهور المسيح ([20]) .

وقد الفت أعمال كثيرة عن الآمال المسيحانية التي نشأت عن كتاب زربابل، وتقول دائرة المعارف اليهودية: “رغم انه من الصعوبة تحديد تواريخ مختلف الأعمال التي يتكون منها هذا الأدب المسيحاني، فلا يستبعد أن يكون بعضها سابقا حتى على كتاب زربابل… وقد كان لهذه الكتابات تأثير كبير على اليهود في العصور الوسطى ([21]).

وتزامنت الفكرة دائماً مع حقب المحن والفتن والملاحم وموجات الاضطهادات والتصفيات الجماعية لليهود على أيدي خصومهم Trauma Suffering وحالات نفسية تتسم بالإحباط والخذلان Frustration وان ظهور المنتظر الغائب والمنقذ الموعود من نسل داود، هو سفينة النجاة وطريق الخلاص مما يعانون من مذلة وصغار، وضياع وتشتت، وغياب سلطان، وما يتجرعون من قسوة وظلم وامتهان، وما يحسونه من إحباط ويأس وخذلان في ديار العبودية والشتات Bandag of Exile ([22]).

ولقد تعرض اليهود ومؤسساتهم الدينية إلى حملات عديدة من القتل والتخريب والهدم على يد أعدائهم، ومنها:

  1. التدمير الأول لأورشليم وهيكل سليمان عام 586-587 ق.م على يد الملك الكلداني البابلي نبوخذ نصر، ثم الأسر البابلي.
  2. التدمير الثاني لأورشليم وهيكل سليمان على يد القائد الروماني تيتوس عام 70م، وفرضه قسرا أجلاء بني إسرائيل عن فلسطين، ويبدو أن اليهود الذين عاشوا في شمال الجزيرة العربية وجنوبها (اليمن) هم من هؤلاء اليهود ([23]).
  3. المذبحة الهائلة التي انزلها الإمبراطور الروماني هاد ريان عام 132م باليهود إثر فشل حركة التمرد الفاشلة التي قادها الزعيم اليهودي شمعون باركو خيبا Simon Bar Kochiba الذي انتحل صفة المسيحانية وادعى انه المسيح المنتظر، وقد قتل باركو خيبا ومعه عدة آلاف من اليهود بعد استسلامهم للإمبراطور الروماني، الذي دمر أورشليم وبنى على أنقاضها مستعمرة رومانية اسماها (كولونيا إيليا كابتولين) ([24]).

وبناء على ما تقدم فقد سرت إلى بنية العقيدة اليهودية عناصر رؤيوية ذات مضامين أخروية ، فصارت العقيدة تبعاً لذلك تتضمن الإشارة إلى مرحلتين متتابعتين، أولاهما: تمهيدية تسود فيها المظالم وتعم المفاسد، ويبتلى بنو إسرائيل فيها عادة بالحكم الأجنبي وسطوته والقهر والاضطهاد والقسوة والمعانات، وهذه المرحلة التمهيدية؛ تبدأ بعد أن تملأ الأرض ظلما وجورا وفساداً، مما يستدعي عودة النبي” إيليا ” من السماء، الذي سيمهد بجهاده وقتاله ضد أعداء بني إسرائيل للخلاص، ثم يصعد إلى جبل الكرمل ليعلن نهاية الفواجع والكوارث، بل والتاريخ Consummation of History، وقيام عهد جديد هو العهد المسَائي على الأرض.

ومع ظهور السيد المسيح – ببشارته- ولأنه من جذع يسي، ومواليد بيت لحم([25])، فقد افترقت السبل باليهود مع مجيئه، فاعتقدت طائفة منهم أنه المنقذ الإلهي المرتقب, وأنه المقصود بما ورد في الأسفار عن المسيا من أن أسمه : المسيح بن يوسف، واحتجت هذه الطائفة بما جاء في نبوءة النبي اشعيا عنه: ” ولكن السيد الرب نفسه يعطيكم هذه الآية: ها هي العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو  اسمه عمانويل، يأكل زبداً وعسلاً إلى أن يعرف كيف يرفض الشر ويختار الخير([26])، فآمنوا برسالة السيد المسيح واتبعوه، وصاروا يشكلون فرقة : يهودية – مسيحية : Judaizing Christians – Christianized Jews، وقد استمرت هذه الطائفة التي لفقت في عقيدتها بين اليهودية والمسيحية في الوجود ردحاً طويلاً من الزمن، رغم أن اليهود والنصارى رفضوا معاً الاعتراف بهم([27])، حتى أن الراعي المسيحي خريسوستوم Chrysostom – الذي عاش أواخر القرن الرابع الميلادي – اضطر للتنديد بهذه الطائفة بمدينة أنطاكية باسم المسيحية التي كانت آنئذ قد غدت ديانة رسمية للإمبراطورية البيزنطية.

 

أدعياء اليهود للمسيحانية قبل الإسلام

على الرغم من أن المسيح المخلص غير مذكور بشكل صريح في التوراة، إلا أن هناك إشارات له ولعصره في بعض أسفارها. كما أن بحث هذه الفكرة عند اليهود والخوض في تفصيلاتها أضفيا على المسيح المخلص أوصافاً معينة يتميز بها عن بقية البشر ويختلف فيها عنهم. فقد قالوا إنه يجب أن يكون من نسل النبي داود – عليه السلام – وأن يكون قاضياً ومعلماً للتوراة، كما يجب أن يكون نبياً بل أفضل الأنبياء بعد موسى – عليه السلام -، وأن ولادته يجب أن تكون في اليوم التاسع من آب طبقاً للتقويم العبري. ثم لا بد أن تكون هناك موطئات لظهوره وعلامات ذكروها وناقشوها في أديباتهم. وقبل ظهوره لا بد أن يظهر النبي الياهو (= إيليا – الخضر في التراث الإسلامي) بفترة قصيرة يعلن عن ذلك. كما يجب أن يظهر قبله مسيح آخر اسمه المسيح ابن يوسف من قبيلة (افراييم (= ابن يوسف) موطئاً وممهداً ويخوض حروباً حيث يسقط في آخرها صريعاً على أبواب أورشليم ([28]). وسيقود المخلص اليهود منتصراً ويأخذهم إلى فلسطين حيث سيحكم العالم منها وتخدمه الأمم والشعوب. وطبقاً لما يذكره اليهود فانَّ العصر المسيحاني سيكون عصراً ذهبياً تنعدم فيه المجاعة والحروب والصراعات بين الناس وتعم الرفاهية والسعادة ويزول الحزن والأمراض من بينهم بل وتطول أعمارهم ومن يموت وعمره مائة يعتبر صغيراً كما جاء في سفر اشعيا:” لا يموت هناك طفل أيام ولا شيخ لم يستكمل أيامه لأن صغير السنِ يموت وهو ابن مائة سنة والذي يموت دون مائة فإنَّه ملعون”([29]). وتذكر الأدبيات المسيحانية أن هذه الحقبة ستطول لألفي سنة قبل حلول يوم القيامة.

وبعد رفض عامة اليهود الإقرار بمسيحانية السيد المسيح تنامت دعوات المسيحانية وعلى تعاقب القرون، فادعاها بحسب التسلسل التاريخي:

  • بين الأعوام 52 و45 للميلاد ظهر رجل يهودي من مصر وأدعى بأنه نبي وتبعه حوالي ثلاثون ألف رجل، فقادهم إلى جبل الزيتون عند أورشليم وقال لهم بأن حيطانها ستسقط بأمره وسيحررها من سيطرة الرومان، ثم دارت بينه وبين الجيش الروماني على أتباعه. ويظهر مما ورد في العهد الجديد أن هذا المتنبئ بقي حياً بعد هذه المعركة ([30]).
  • شمعون باركوخبا، يهودي ظهر في فلسطين في القرن الثاني الميلادي وأدعى بأنه من نسل الملك داود، وقاد ثورة ضد الحكم الروماني في الأعوام 132-135م انتهت بقتله وأتباعه على يد القائد الروماني يوليوس سيفردس ([31]).
  • في حدود عام 448م أدعى يهودي من جزيرة كريت بأنه موسى، وأنه أرسل ليخلص اليهود، وقد وعد من كان في الجزيرة منهم بأن يأخذهم عن طريق البحر الأبيض المتوسط إلى فلسطين دون مراكب، حيث يفلق لهم البحر كما فلقه موسى (عليه السلام)، وقد ضرب لهم موعداً لذلك، فلما جاءوا البحر نادى على البحر أن ينشق ولكنه لم ينشق ومع ذلك فقد أمرهم أن يقفزوا فيه فأطاعوه وقفزوا فغرق منهم من غرق ونجا منهم من نجا. أما المخلص المزيف فقد اختفى ولم يعثر له على أثر ([32]).
  • في حوالي 645م أعلن رجل من يهود افريقية عن ظهور المسيح وزعم أنه الموكول بإعادة الأسباط العشرة المفقودين إلى أرض الميعاد، وجمع حوله ما يقرب من أربعمائة رجل من الحاكة والقصارين، وهجم بهم على مجموعة من أديرة المسيحيين وحرقوا ثلاثة منها وقتلوا أحد رؤسائهم، فقبض على اليهودي فصلب وقتل أتباعه ([33]).

 

 

 

 

أدعياء اليهود للمسيحانية في العصر الإسلامي

لقد سكن الجزيرة العربية يهود كثيرون، كما حكمت اليمن أسرتان ملكيتان يهوديتان، ومن المرجح أن تكون الآمال المسيحانية قد ثبتت أفئدة اليهود العرب أثناء تدمير المملكة الحميرية على يد الأحباش وما تبعها من اضمحلال لمركزهم. والإشارات المختلفة التي ساقها المؤرخ ابن إسحاق المتوفى سنة 151هـ للنبوءات اليهودية المتعلقة ببعثة ((نبي)) قد تكون نتيجة لقراءة مختلفة لبعض الكتابات اليهودية المسيحانية، وكان ابن إسحاق وعلماء المسلمين الذين جاءوا من بعده يظنون أن اليهود الذين تنبأ أحبارهم بمبعث نبي كانوا في حقيقة الأمر ينتظرون مبعث النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)،” أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به”([34]). وهذا واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، أن أياً من الأنبياء الإسرائيليين الذين جاءوا من بعد موسى (عليه السلام) في تعاقبٍ متطاولٍ، حتى ظهور المسيح (عليه السلام) لم يدَع أنه النبي الموعود في هذه النبوءة ([35]).

وأنهم حين أعلن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) نبوته جحدوا هذه النبوة عامدين ([36]). ولكن يهود الحجاز فيما يبدو لم يروا أية آية ولم يشهدوا تحقق أية نبوءة، وقد ذكر ابن إسحاق:” وقد دعا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يهود إلى الإسلام ورغبهم فيه، وحذرهم غيرة الله وعقوبته، فأبوا عليه، وكفروا ما جاءهم به، فقال لهم (الصحابة) معاذ بن جبل وسعد بن عادة وعقبة بن أمية: يا معشر يهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون انه رسول الله، ولقد كنتم تذكرونه لنا قل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته؛ فقال رافع بن حريملة، ووهن بن يهوذا (= يهوديان) : ما قلنا لكم هذا قط، وما أنزل الله منٍ كتابٍ بعد موسى(عليه السلام)، ولا أرسل بشيراً ونذيراً بعده …”([37]).

وعلى أية حال فقد ادعى العديد من اليهود أنهم المسيح المخلص (المنتظر)، وهم حسب التسلسل التاريخي:

  • في عام 102هـ/720م أيام الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك أدعى يهودي سوري اسمه سفيروس أو سيرينوس- سيرين(Serenas) انه المسيح المخلص([38])، وتنبأ بمعجزة تعود بها فلسطين إلى اليهود، وأدعى سيرينوس انه نبي لا لليهود وحدهم بل للمسلمين، كذلك ألغى بعض أحكام الفقه اليهودي التي مصدرها التلمود وليست التوراة التي تحرم أطعمة بعينها، وسمح بالزواج دون عقد، بل ذكر عنه وعن أتباعه بأنهم لم يكونوا يصلون، وقد صدقه جمع كبير من اليهود بل وحتى المسيحيين وجمع أموالا ومتاعاً بحجة استعمالها في طرد المسلمين من فلسطين وإقامة دولة اليهود. وقد ذاعت شهرة سيرينوس حتى وصلت إلى اسبانيا (الأندلس) التي كانت في ذلك الوقت تحت الحكم الإسلامي، وبهذا الصدد يذكر أحد المعاصرين:” أن يهود ذلك البلد قرروا النزول عن ممتلكاتهم ووضعوا أنفسهم تحت قيادة هذا الشخص الذي كانوا يشبهونه بالمسيح”([39]).

وقد ألقى القبض عليه بعد بضع سنوات في عام 106هـ/724م في أيام الخليفة هشام بن عبد الملك، في رواية، وفي رواية إلى الخليفة يزيد بن عبد الملك، ولما سأله الخليفة هشام عن مدَعاه أجابه بأن دعوته كانت لتضليل اليهود والسخرية منهم وأن ادَعاءه لم يكن عن إيمان وعقيدة، فترك أمره إلى أبناء ملته وقيل بل أمر بقتله ([40]).

2-  عبيد الله أبا عيسى اسحق بن يعقوب الأصفهاني : وقيل كان اسمه ابن عيسى عاديا( عوفيد)، هناك خلاف بين المصادر الإسلامية واليهودية في التوقيت الذي ابتدأ الأصفهاني دعوته، ففي حين تشير المصادر اليهودية إلى أن زمن ادعائه بأنه المسيح المنتظر جاء في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان(65- 685 /86هـ-705م) وفق دائرة المعارف اليهودية([41]) ، وفي زمن آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد( 127-744 /132هـ – 750م) حسب مرجع آخر([42]) اعتماداً على كتاب ( الملل والنِحل) للشهرستاني المتوفى سنة 548هـ ، يلاحظ بأن المصادر الإسلامية تذكر بأن الأصفهاني دعا إلى نفسه في بداية قيام الخلافة العباسية في زمن الخليفة أبو جعفر المنصور(136-158هـ)، وكان قد ابتدأ حركته في أواخر حكم الدولة الأموية، ويعتقد أنها استمرت حتى  أيام الخليفة أبو جعفر المنصور ، وقال لليهود إن للمسيح خمسة رسل يأتون قبله واحداً بعد الآخر، وزعم أن  المسيح أفضل ولد آدم([43]). ويذهب ابن حزم المتوفى سنة 456هـ أن محمد بن عيسى كان يؤمن بأن عيسى نبي بعثه الله بالإنجيل إلى بني إسرائيل، وان محمداً (صلى الله عليه وسلم) نبي بعثه الله بشريعة القرآن إلى بني إسماعيل (عليه السلام) ([44])، وزعم أن الله كلمه وأمره بتخليص اليهود من أيدي الأمم العاصية الظالمة، وحرم ابوعيسى أكل اللحوم وشرب الخمر والطلاق، وأوجب سبع صلوات (سبع مرات في النهار سبحتك على أحكام برك) ([45]). وكان ابوعيسى اليهودي خياطاً أميا لا يقرأ ولا يكتب، ونسب إليه تأليف عدة كتب، أعتبر أتباعه ذلك معجزة لأنه لم يكن يقرأ ويكتب. وظل أبو عيسى ثائراً ضد الخلافة العباسية لعدة سنين، وعندما هوجم من قبل جيش الخليفة المنصور خط حول أتباعه خطاً بعود آس، وقال لهم أقيموا داخل الخط فليس ينالكم عدو أو سلاح، فكان الجيش العباسي يحملون عليهم حتى إذا بلغوا الخط تراجعوا عنهم خوفاً من طلسم أو عزيمة، ولكن ابوعيسى خرج من الخط وحده على فرسه وقاتل الجيش العباسي، وقتل عدداً منهم ثم قتل وانهزم أصحابه، وفي رواية أخرى يذكر الشهرستاني انه قتل على يد جيش المنصور في منطقة الري ([46]).

وكان سنباذ وهو أحد القادة الإيرانيين من أهالي منطقة نيسابور التابعة لإقليم خراسان قد ثار ضد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور سنة 140هـ/ 757م، انتقاما منه بسب قتله لأحد قادة الثورة العباسية (أبو مسلم الخراساني) في 5 شعبان 137هـ/ 755م، واستطاع ان يجمع حوله الكثير من الأتباع في مدة قصيرة، وأحتل في البداية قومس(كومش)، ووضع يده على الخزائن التي كان أبو مسلم قد أودعها في تلك المدينة، ثم ما لبث أن أعلن عزمه على التوجه صوب بلاد العرب المقيمين الحجاز، وأعلن اعتزامه هَدم الكعبة المشرفة. ويعتقد أن الداعي اليهودي ابوعيسى الأصفهاني استغل انشغال المنصور بحركة سنباذ فثار هو الآخر، فكان أن قضى قائد المنصور (جهور بن مرار العجلي) على حركتي سنباذ المجوسي، وأبو عيسى اليهودي مرة واحدة وقتل غالبية أتباعهما في منطقة الري سنة 140هـ/ 757م ([47]).

3 –  في الحقبة نفسها ادعى أحد أتباع ( أبو عيسى الأصفهاني) واسمه يوذعان أو يهوذا من مدينة همدان ، أدعى انه المسيح المخلص، وقد حرم الخمر وأكل اللحم كما فعل أبو عيسى ، وشرع أيضا صلوات وصياماً، وكان يرى بأن الأعياد والسبت ما هي إلا رموز قد بطلت بعد أن هدم الهيكل، وكان أتباعه يجبرون اليهود على إتباع ممارساتهم، وكان أيضا يحث على الزهد والإكثار من الصلاة وكان يقول بأن للتوراة ظاهراً وباطناً وتنزيلاً وتأويلاً، وقد خالف في تأويلاته عامة اليهود، كما خالفهم في التشبيه، ومال إلى القدر، وأثبت الفعل حقيقة للعبد، وقدر الثواب والعقاب عليه وشدد في ذلك([48]). ويذكر أحد مؤرخي الأديان، أن اليوذعانية، أو المقاربة هم كالباطنية في المسلمين ([49]).  وتشير بعض الروايات بأن شرذمة من أتباعه كانت باقية إلى عام 938م ([50]).

4 في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، توفي حاخام العراق الأكبر ورأس الجالوت([51]) في الدولة الإسلامية، وكان اسمه (الجاؤون سليمان)، ويبدو انه لم يترك ولدا يخلفه في وظيفته، وكان أحق المرشحين لهذا المنصب ابن أخيه (عنان بن داود )، فعارض في انتخابه اكبر رجلين باقيين على رأس اليهود في الدولة الإسلامية وهم: دوداي بن نحمن مدير الأكاديمية البابلية في فومبديثة (= فم البداق – قرب الانبار) – نهر دعة (= بالقرب من مدينة الفلوجة الواقعة على نهر الفرات)، و يهوداي بن البصير عميد الأكاديمية البابلية في سورا (= منطقة الفرات الأوسط – قرب مدينة الحلة)، بسبب ما ذكر عنه من فساد السيرة وسوء الأخلاق وقلة التقوى، واختارا لزعامة يهود العراق الأخ الأصغر لعنان بن داود وكان اسمه (حنانيه بن داود)([52])، ، لا سيما وان بعض علماء اليهود قد تأثروا بآراء المعتزلة وأصحاب (الكلام) من المسلمين، فصاروا ينتقدون تعاليم الربانيين ويتحفزون للخروج على أحكام التوراة وقيوده. وكان على رأس هذه الحركة ثلاثة من علماء اليهود، هم الربيون: افراييم، واليشع المعلم، وحنوكة ([53])، فوجدوا في ثورة عنان ضآلتهم المنشودة، ونصبوا عنان بن داود على رأس حركتهم. فأسرع الربانيون ([54]) بالشكوى إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور الذي أمر بحبس عنان، ويروى بعض المؤرخين أن عنان هذا لقي الإمام أبا حنيفة النعمان المتوفى سنة 150هـ في السجن فأشار عليه أن يدعي انه صاحب دين، وأنه يؤمن بعيسى ومحمد (عليهم الصلاة والسلام) نبيين، وانه اختار الأعياد طبقاً لرؤية الهلال بدلاً من الحساب الفلكي، وانه يصر على أن آراءه ليست بآراء اليهود القدماء، وليس ثائرا على رأس الجالوت، لذا أطلق على حركته اسم (القرائيين) أو بني المقرأ ([55]). وبعد إطلاق سراحه رحل إلى فلسطين هو وأتباعه حيث شيدوا لهم كنيس ([56])، وان كان بعض الباحثين المحدثين يرفض رواية السجن هذه ويرجحون انه لا صحة لها من أساسها وينفون ما زعمه باحثو الربانيين من تأثر القرائين بالشيعة الأثني عشرية، وان عنان كان تلميذا للمعتزلة الذين وقفوا موقف الحذر من بعض الأحاديث النبوية، وتحرجوا من اعتبار الحديث مصدرا أساسيا للتشريع الإسلامي، كما أن رفض (عنان بن داود) للتلمود ليس مرده الحقد على الربانيين، بل بسبب الصراع على منصب رئيس الجالوت كما قيل ([57]).

ويرجح البعض عودة نشأة هذه الفرقة إلى فترة سابقة على عصر عنان والى جذور تاريخ القرائيين يمتد إلى أعماق التاريخ اليهودي، كما ذكر أحد المؤرخين أن العانانية نسبة إلى عانان بن داود، وأشار بأنها فرقة غير القرائيين الذين يرجع تاريخ نشأتهم إلى فترة سابقة في التاريخ اليهودي ([58]).

وقد اعتبر مؤرخو عصر المماليك الربانيين والقرائيين بمثابة الفرقة الواحدة، وذلك رغم انه كان لكل من الفرقتين معابدها الخاصة، فقد اتفق القراء ون والربانيون على استخراج ستمائة وثلاث عشرة فريضة من التوراة، كما اتفقوا على نبوة موسى وهارون ويوشع، وعلى نبوة إبراهيم واسحق ويعقوب وهو (إسرائيل) وأبنائه الأثني عشر (الأسباط)، ولم يعترف القراؤون بغير هؤلاء ([59]).

  • في بداية القرن الثاني عشر الميلادي (السادس الهجري)، ادعى رجل يهودي اسمه سلمون (سليمان) ظهر في فلسطين بأنه المسيح المخلص الذي تنتظره اليهود ” إنَي مرسل رسولي فيعد الطريق أمامي ويأتي فجأة إلى هيكله(المعبد)، السيد الذي تلتمسونه وملاك العهد الذي ترضون به. ها إنِي آتٍ قال رب الجنود” ([60] وكان سلومون يسافر من مكان إلى آخر يعد اليهود بأنه سيجمعهم بعد شهرين ونصف إلى أورشليم(القدس)، وقد تعجب اليهود من ادعائه لأنه كان كاهناً، والكاهن من نسل قبيلة (لآوي) وليس من نسل نبي الله داود (عليه السلام) الذي هو من نسل (يهوذا) ([61]) الذي هو شرط في المسيح المخلص كما تمت الإشارة إليه سابقاً. وكان يقول للناس بأنه سيذهب إلى مصر ” وآتي بإخوتنا منها إلى أورشليم” وكان سلومون الكاهن من فرقة القرائين ([62] وهو أول قرائي يدعي أنه المسيح ([63]).
  • في عام 1172م/604هـ ظهر يهودي في مدينة فآس بالمغرب اسمه (موسى الدرعي) وكان من علماء اليهود المعروفين، وقال لليهود بأنه المسيح وأنه سيحقق معجزته في الليلة الأولى من الفصح اليهودي (= التسع من شهر نيسان). وقد أمر أتباعه أن يبيعوا أمتعتهم وأن يصبحوا مدانين للمسلمين وذلك بشراء ما قيمته ديناراً بعشرة دنانير من أجل أن يحققوا ما جاء في التوراة: وأعطى الر نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم فسلبوا المصريين”([64]). وقال لهم في تعليل ذلك لأنَهم سوف لا يرونهم بعد ذلك، ولكن عيد الفصح جاء ومضى ولم يحدث شيء، وأصبح الذين صدقوه فقراء صعاليك بسبب دَينهم للمسلمين، وهرب الدرعي إلى فلسطين ومات هناك ([65]).

 

تصدي علماء الكلام اليهود لأدعياء المسيحانية

لقد تصدى أكابر متكلمة اليهود لدعاوى الوقاتين ونددوا بتنبؤاتهم عن ميعاد ظهور المسيا (المسيح المنتظر)، كما هو واضح في كتابات سعديا بن يوسف الفيومي(892-942م)، وموسى بن ميمون(1135-1204م) ([66])، ويوسف البو(1380-1444م) المتأثرين بالنزعة العقلية الاعتزالية، فأنكر هؤلاء دعاوي الوقاتين وسحرهم وشعوذتهم، وأكدوا وقرروا انه لا يجوز لأحد التنبؤ بقدوم المنقذ الإلهي( المسيح المنتظر)” فعلم ظهوره لا يعلمه إلا الله” ([67])، مع تأكيدهم للمقاصد الغائية للمسيحانية من أن ظهور المخلص بشارة لدخول بني إسرائيل الأمان، وإن الإنسانية ستجد طريقها الصحيح إلى الدين الحق ، وتعاليم التوراة وشرائعه، وستنعم البشرية بالرشاد تحت ظل مبادئ العدل والإخوة والمساواة، وستسقط كل العوائق والموانع التي كانت تحول دون الانكباب على دراسة التوراة والاستهداء بتعاليمه، وستنتهي عصور الخصومات والحروب وتنعم البشرية بالسلام والرفاهية بمجيء وقيام السيادة الإلهية على الخلق أجمعين . فصار الوقاتون يبحثون عن تاريخ محدد لظهور المسيا اليهودي، فحدد بعضهم عام 1096م وهو عام بدء الحملات الصليبية، عام ظهور المخلَّص والسنة المنشودة للخلاص النهائي المحتومThe Year Of The Deliverance   ولما أثبتت الأحداث أن الحروب الصليبية كانت شؤماً ودماراً كاملاً ليهود أوروبا، إذ جعل الصليبيون شعارهم الأول : ” الثأر للسيد المسيح من قتلته اليهود “، واتهموا اليهود بموالاة المسلمين مما جر إلى سلسلة متعاقبة من حملات الاضطهاد والتنكيل والمذابح الجماعية ومصادرة الأموال والممتلكات، وفرض الإقامة الجبرية على اليهود في مناطق مقفلة، حصروا فيها Ghetto، وألزموا بلبس القبعات المدببة The Jew Hat ، ووضع شرائط صفراء على صدورهم  بغية فرزهم وفصلهم عن المسيحيين The Yalow Badge ([68]).

وهكذا انتهى الأمل بالخلاص بنتائج سلبية ومعاناة قاسية، وفي القرنين التاليين للحروب الصليبية، عاد الوقاتون إلى تحديد تواريخ أخرى لمجيء المخلص من آل داود، فافترضوا عامي 1348م و1403م ميقاتاً معلوماً لظهوره، استخلاصاً من الرؤويات المبثوثة في سفر دانيال ([69]).

 

 

المصادر والمراجع والهوامش

 

[1] –  القبالة: هي مجموعة التفسيرات والتأويلات الباطنية والصوفية عند اليهود. والاسم مُشتَّق من كلمة عبرية تفيد معنى التواتر أو القبول أو التقبل أو ما تلقاه المرء عن السلف، أي «التقاليد والتراث» أو «التقليد المتوارث». وكان يُقصَد بالكلمة أصلاً تراث اليهودية الشفوي المتناقل فيما يعرف باسم «الشريعة الشفوية» ثم أصبحت الكلمة تعني، من أواخر القرن الثاني عشر= «أشكال التصوف والعلم ألحاخامي المتطورة» (إلى جانب مدلولها الأكثر عموماً باعتبارها دالاً على سائر المذاهب اليهودية الباطنية منذ بداية العصر المسيحي). وقد أطلق العارفون بأسرار القبَّالاه (مقو باليم بالعبرية والقبَّاليون بالعربية) على أنفسهم لقب «العارفون بالفيض الرباني». ومصطلح «قبالة» واحد من مصطلحات أخرى تشير إلى المدلول نفسه، فالتلمود يتحدث عن «رازي هتوراه»، أي «أسرار التوراة». وقد كان يُشار إلى المتصوفين بعبارات يورديّ مركافاه، أي النازلون إلى المركبة، وبعلي هاسود، أي أسياد أو أصحاب الاسم، وإنشي إيموناه، أي رجال الإيمان، وبني هيخلاه دي ملكا، أي أبناء قصر الملك. وكان القبَّاليـون يرون أن المعـرفة، كل المعـرفة (الغنوص أو العرفان)، توجد في أسفار موسى الخمسة، ولكنهم كانوا يرفضون تفسير الفلاسفة المجازي، وكانوا لا يأخذون في الوقت نفسه بالتفسير الحرفي أيضاً. فقد كانوا ينطلقون من مفهوم غنوصي أفلاطوني مُحـدَث يُفضـي إلى معـرفة غنوصـية، أي باطنية، بأسرار الكون وبنصوص العهد القديم وبالمعنى الباطني للتوراة الشفوية. لمزيد من المعلومات راجع: عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مج 5، ص 345.

 

[2] – يهود كردستان، أكمله وأصدره رافيل باتاي، نقله الى العربية شاخوان كركوكي وعبد الرزاق بوتاني (اربيل: دار ئاراس،2002)، ص 63.

[3] –  مارك ر. كوهين: بين الهلال والصليب وضع اليهود في القرون الوسطى، ترجمة إسلام دية ومعز خلفاوي، قدم له صادق جلال العظم (كولونيا- ألمانيا: منشورات الجمل،2007)، ص 20 -21.

[4] –  كوهين: بين الهلال والصليب، ص 22.

[5] – هاني عبد العزيز السيد سالم: الحركات اليهودية المسيحانية في ظل الإسلام حركة شبتاي زيفي نموذجاً، بحث مقدم إلى المؤتمر العالمي للتاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة مالايا، كوالالمبور، تشرين الاول 2011م، ص 912.

[6] –  البلاذري: فتوح البلدان، حققه وعلق حواشيه وأعد فهارسه وقدم له: عبدالله أنيس الطباع وعمر أنيس الطباع (بيروت: مؤسسة المعارف،1407هـ-1987م)، ص 174، .

[7] – عبد العزيز الدوري: اليهود في المجتمع الإسلامي عبر التاريخ، في أوراق في التاريخ والحضارة (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1428هـ -2007م)، ج3، ص 94 – 95 نقلاً عن Cambridge History of Religion in The Middle East.

[8] – السامرة، فهي باللغة العبرية (شومرون) التي تعني عاصمة مملكة إسرائيل التي يوجد فيها جبل جريزيم الذي كان يحج إليه السامريون في عيد الفصح، وقد شكلت السامرة أقلية صغيرة العدد في مصر أيام سلاطين المماليك، هذا فضلا عن أن بعض المصادر المعاصرة قد أشارت إلى أن السامرة ليست من اليهود، ومع هذا فقد عاملهم سلاطين المماليك على أساس أنهم فرقة يهودية ينطبق عليها شروط أهل الذمة. وقد نشأت هذه الطائفة في فلسطين بعد سقوط مملكة إسرائيل -التي انشقت بعد وفاة سليمان- على يد الملك آشوري (تجلات بلا صر) عام 738 ق.م الذي أجلى اليهود عن فلسطين إلى نواحي شمال بلاد ميديا (= كردستان)، واحل محلهم بعض القبائل في سكنى عاصمة المملكة وهي مدينة السامرة القديمة التي يعيشون حولها والتي قامت على أنقاضها مدينة نابلس، ويذهب بعض الباحثين اليهود إلى أن نشأة هذه الفرقة ترجع إلى أيام السبي البابلي عام 586 ق.م. وفي هذا التاريخ بنى السامريون هيكلهم فوق جبل جرزيم. وقد اشتدت العداوة بين هذه الفرقة وبقية اليهود عندما رفضوا المساهمة في بناء الهيكل الثاني، إذ كانوا يعتبرون أن المكان المقدس لليهودية هو جبل جرزيم في نابلس، وليس جبل صهيون وأورشليم، وقد أضاف هؤلاء إلى التوراة عبارات توحي بقدسية هذا الجبل، ومن المعروف أن السامرة يصعدون جبل جرزيم ثلاث مرات في السنة حاملين معهم حمامة ذهبية ليقدموها قربانا على المذبح في أعلى الجبل، وهم لا يحجون إلى القدس ذلك لان جبل جرزيم يحتل في قدسيتهم مكان القدس، وهم يقدمون الشاة في عيد الفصح محتفظين بعظامها سليمة، ينظر، محاسن محمد الوقاد: اليهود في مصر المملوكية في ضوء وثائق الجنيزة (د،م، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1999)، ص 228 – 229

[9] – البلاذري: فتوح البلدان، ص 158.

[10] – عبد العزيز الدوري: المرجع السابق، ج3، ص 95.

[11] – عرفان عبد الحميد فتاج: اليهودية عرض تاريخي والحركات الحديثة في اليهودية (عمان: دار عمار للنشر، 1422هـ-2002م) ص25-26. نقلا عن The Encyclopedia of Religion

[12] – الطبري: التفسير 6/35،

[13] – العهد القديم، سفر اشعيا :11، وانظر أيضا: سفر صموئيل الأول :16/13 (فحلّ روح الرب على داود من ذلك).

[14] – العهد الجديد، إنجيل متى: 1/20-21.

[15] – العهد الجديد، إنجيل لوقا: 2/12، و4/16: “روح الرب عليّ، لأنه مسحني لأبشر المساكين”.

[16] – منى ناظم الدبوس: المسيح اليهودي ومفهوم السيادة الإسرائيلية، سلسلة نحن وهم 1(القاهرة: الاتحاد للصحافة والنشر،1986)، ص28-29، 53.

[17] – كلمة يونانية تعنى الكشف أو الإظهار. ويطلق مصطلح أدب الأبوكاليبس على المؤلفات التي تهتم بالكشف عن الأشياء الغامضة التي تقع فيما وراء الطبيعة والخافية عن العين البشرية. وقد تبلور هذا الأدب في القرن الأول الميلادي بهدف حث بني إسرائيل على التمسك بالشريعة. للمزيد راجع: منى ناظم الدبوسي: المرجع السابق، ص 26

[18] – هاني عبد العزيز السيد سالم: الحركات اليهودية المسيحانية في ظل الإسلام، ص 912.

[19] – العهد القديم، سفر اشعيا،45-1 و14-28، وقد صور سفر ارميا في عبارات ثأرية مصير الملك الكلداني نبوخذ نصر الذي دمر أورشليم وخرب المعبد السليماني (الهيكل) وسبى اليهود إلى مدينة بابل فيما سمي بالسبي البابلي، ينظر سفر ارميا 31/7.

[20] – بركات احمد: محمد واليهود نظرة جديدة، ترجمت محمد علي مراد (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996م) ص204.

[21] – Messianic Movements, Encyclopedia Judaica (Jerusalem 1971)، Vol. XI, Column 1413.

[22] – عرفان عبد الحميد: اليهودية، ص29 نقلا عن Britannica Encyclopedia مادة اليهودية

[23] – فاروق الدملوجي: تاريخ الأديان – الألوهية وتاريخ الآلهة (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 2004)، ص 459؛ ويذكر الكاتب أن عدد اليهود الذين قتلوا على يد تيتوس من سكان أورشليم (القدس) بلغ مليوناً من الأنفس.

[24] – بركات احمد: محمد واليهود نظرة جديدة، ص34؛

[25] – لرد دعوى المسيحية أنكر اليهود أن يكون السيد المسيح – عليه السلام – من مواليد بيت لحم، وهو الأمر الذي أكدته الأناجيل: (ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية) إنجيل متى :2/1، وإنجيل لوقا2: المدينة التي سيخرج منها المخلص الموعود؛ وبعد أن فشل اليهود في رد نسبة اليهود إلى داود، فقالوا: إن السيد المسيح من مواليد الناصرة، واستدركوا: (أمن الناصرة يخرج لهم شيء صالح)، إنجيل يوحنا: 1/46.

[26] – العهد القديم، سفر اشعيا: 7/14، وقارن بإنجيل متى: 10/18

[27] – لرد دعوى المسيحية أنكر اليهود أن يكون السيد المسيح – عليه السلام – من مواليد بيت لحم، وهو الأمر الذي أكدته الأناجيل: (ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية) إنجيل متى :2/1، وإنجيل لوقا2: المدينة التي سيخرج منها المخلص الموعود؛ وبعد ان فشل اليهود في رد نسبة اليهود الى داود، فقالوا: إن السيد المسيح من مواليد الناصرة، واستدركوا: (أمن الناصرة يخرج لهم شيء صالح)، إنجيل يوحنا: 1/46.

[28] – لرد دعوى المسيحية أنكرا ليهود أن يكون السيد المسيح – عليه السلام – من مواليد بيت لحم، وهو الأمر الذي أكدته الأناجيل: (ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية) إنجيل متى :2/1، وإنجيل لوقا2: المدينة التي سيخرج منها المخلص الموعود؛ وبعد أن فشل اليهود في رد نسبة اليهود الى داود، فقالوا: إن السيد المسيح من مواليد الناصرة، واستدركوا: (أمن الناصرة يخرج لهم شيء صالح)، إنجيل يوحنا: 1/46.

[29] – الاسم أورشليم ليس عبرياً وفي التوراة هناك صورتان لاسم المدينة هما: يروشلم ويروشلايم، وهذا الاسم الثاني هو المستعمل بين اليهود، واستعمل العرب منذ ما قبل الإسلام عدداً من للاسم منها: اوريشلم، واوريشلوم، واوريسلم وغيرها، وقد ورد بعضها في شعرهم. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان.

[30] – أعمال الرسل: 21/38؛ إن العدد كان أقل مما ذكر.

[31] – بركات احمد: محمد واليهود نظرة جديدة، ص184.

[32]  –    Encyclopedia Judaica Messianic Movement, pp234؛ بركات احمد: محمد واليهود نظرة عصرية ، ص 204.

[33] – عرفان عبد الحميد فتاج: اليهود، ص 33؛ جعفر هادي حسن: الدونمه بين اليهودية والإسلام، ص27 نقلاً عنS.W. Baron, Social and Religious History of the Jew, Vol 5, p.184..

[34] –  سفر تثنية الإشتراع: 18 / 18.

[35] – مولانا محمد علي: حياة محمد ورسالته، نقله العربية منير البعلبكي، الطبعة السابعة (بيروت: دار العلم للملايين، 1984)، ص 46؛ هاشم يحيى الملاح: موقف اليهود من العروبة والاسلام في عصر الرسالة، هيئة كتابة التاريخ، سلسلة الموسوعة التاريخية الميسرة (بغداد: دار الشؤون الثقافية،1988)، ص 25.

[36] –  ابن هشام: السيرة النبوية، حققها وضبطها مصطفى السقا وآخرون (بغداد، مطبعة واوفسيت منير، 1986)، ق1، ج1، ص204.

[37] –  السيرة النبوية لابن هشام، ق1، ج2، ص563- 564.

[38]. هناك خلاف في تسمية هذا الشخص في المصادر ما بين سيرين وسيرينوس، فبينما يذكره المؤرخ العراقي المشهور عبد العزيز الدوري والمؤرخ الهندي ب (سيرين)، يلاحظ بأن الباحث العراقي جعفر هادي حسن يطلق عليه (سفيرنيوس). ينظر: عبد العزيز الدوري: اليهود في المجتمع الإسلامي عبر التاريخ ج3، ص107؛ بركات احمد، المرجع السابق، ص26، جفر هادي: المرجع السابق، ص26.

[39]– بركات احمد: محمد واليهود، ص26؛ نقلاً عن جراتز: تاريخ اليهود (فيلادلفيا، 1894م)، الجزء الثالث؛ رحلة بنيامين التطيلي: ترجمة عزرا حداد، تقديم عباس العزاوي (بيروت، دار الوراق للنشر المحدودة،2011)، ص 243.

[40] – بركات احمد: المرجع السابق، ص26؛ عبد العزيز الدوري: أوراق في التاريخ والحضارة، ج3، ص107؛ جعفر هادي حسن: المرجع السابق، ص26.

[41]. (Hayytim J Cohen –Amnon Netzer) ” Isfahan ” Encyclopedia Judaica, (Jerusalem, 2007) Vol, 10, pp,79-80

[42]– رحلة بنيامين التطيلي، 243.

[43] –   الشهرستاني: الملل والنحل، ج2، ص 239.

[44]–  الملل والأهواء والنحل، تحقيق عبد الرحمن عميرة وزميله (بيروت: دار الجيل، د،ت)،ج1، ص 179؛ عبد العزيز الدوري : المرجع السابق، ص 107.

[45] – المزامير، 119 / 164.

[46] – الملَل والنحل، ج2، ص 239.

[47] –   ادوارد براون: تاريخ الأدب في إيران، ترجمه إلى الفارسية علي باشا صالح، ترجمه الى العربية احمد كمال الدين حلمي، تقديم محمد علاء الدين منصور(القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة،2005م)، ص 164؛ وقد توهم المستشرق البريطاني براون في توقيت خروج (سناذ)، والصحيح هو سنة 137هـ، وليس كما قال 140هـ، والخطأ الآخر الذي وقع فيه براون هو أن أبو مسلم اودع امواله في مدينة قومس، والصحيح انه اودعها في مدينة الري، ينظر بهذا الصدد، غلام حسين صديقي: الحركات الدينية المعارضة للإسلام في ايران في القرنين الثاني والثالث الهجريين، ترجمة مازن إسماعيل النعيمي0دمشق: دار الزمان،2010)،ص 80- 82؛ فرست مرعي : محاضرات في تاريخ الخلافة العباسية(صنعاء: ألوان للطباعة والنشر،1422هـ-2001م)، ص39- 40.

[48] – الشهرستاني: الملل والنحل، ج2، ص 240.

[49] – فخر الدين الرازي: اعتقادات فِرق المسلمين والمشركين، مراجعة وتحرير علي سامي النشار (بيروت: دار الكتب العلمية،1402هـ- 1982م)، ص 83.

[50] –  جعفر هادي: المرجع السابق، ص 28؛ Haim Hillel Ben – Sassoon. (Messianic Movement), Encyclopedia Judaica, VOL 14, pp118.

[51] –  رأس الجالوت: أو أمير المنفى – تعتبر بعض المأثورات (يهواكيم) آخر ملك من سلالة داود انه أول رأس جالوت عرف به، وكان رأس الجالوت في أيام عزه القاضي السامي لجماعات اليهود ولم تضيق الشريعة اليهودية سلطته وتنظيمه الا قليلاً. وبقي هذا المنصب شاغراً الى عهد الفاتحين العرب المسلمين فرجع اليه حينئذٍ بهاؤه، وأن جميع رؤساء الجالوت الذين قاموا منذ القرن السابع الميلادي حتى القرن الحادي عشر منه كانوا من سلالة (بستاني) الذي بواسطته تجدد عز هذا المنصب وتايد موقفه السياسي. ينظر يوسف رزق الله غنيمة: نزهة المشتاق في تأريخ يهود العراق هامش 2 ص97.

[52]–  الشهرستاني: الملل والنِحل، ج2، ص 238. ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1، ص 178؛ علي بن محمد الفخري: تلخيص البيان في ذكر فرق أهل الاديان، تحقيق وتقديم رشيد الخيون (بيروت: مدارك،2011)،ص 288- 289؛ الدوري: المرجع السابق، ص 107.

[53]–  رحلة بنيامين التطيلي، ص 227-228.

[54] – الربانيون أو الربانيون أو الربيون: هم جمهور اليهود المعروفون أكثر من غيرهم، وتعني كلمة (ربانيم) بالعبرية الإمام الحبر الفقيه، وقد عربت هذه الكلمة إلى (رباني)، ووردت في القرآن الكريم في قوله تعالى ((إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله … )) سورة المائدة ، الآية 44 ، وقد سمي أبناء هذه الفرقة (ربانيين) إشارة إلى إتباعهم تفسير علماء اليهود وفقهائهم في المشنا (= نص التلمود)، والتلمود، وتقيدوا بذلك حتى صار هذا الاسم سمة عامة لهم. وكانت رئاسة اليهود (= الجالوت) لواحد من الربانيين وهم أكبر طوائف اليهود في تلك الآونة، وكان له حق الإشراف على أبناء الطوائف الثلاث من: الربانيين والسامريين والقرائين. والربانيون هم حالياً جمهور اليهود الذين ينقسمون الى طائفتين كبيرتين وهم: الاشكناز وهم يهود اوروبا وشرقها، والسفارديم وهم اليهود الذين استقروا في حوض البحر الابيض المتوسط، بعد هروبهم من الاندلس إثر محاكم التفتيش الاسبانية. ينظر: فرست مرعي الدهوكي: لمحات من تاريخ اليهودية والنصرانية ومخططاتهما ضد الاسلام، الطبعة الثانية (صنعاء: المنتدى الجامعي للنشر والتوزيع،1423هـ-2002م)، ص 49 – 50.

[55] –  ريجارد كوك: بغداد مدينة الإسلام، نقله الى العربية وقدم له وعلق عليه فؤاد جميل ومصطفى جواد (بغداد: مطبعة شفيق،1962)، ص 62 – 63.

[56]– القرائيين كلمة مشتقة من المصدر (قرأ)، بمعنى قرأ –دعا- نادى- وذلك لأنهم لم يؤمنوا بغير (المقرأ) أي ما يقرأ فيه وهي التوراة التي لم يعترفوا بغيرها من كتب اليهود كما أنهم لم يتقيدوا بما جاء في التلمود، ويعتقدون بسابق القدر، ويعتمدون على الأهلة في تقويمهم وحساب أعيادهم ومواسمهم مما اوجد فروقا في هذه الناحية بينهم وبين الربانيين. وقد شبههم بعض المؤرخين العرب بالمعتزلة في الإسلام، والحقيقة أن هذا التشبيه لا يطابق الواقع، ولعل السبب في ذلك هو الخلط بينهم وبين الفريسيين، وهم فرقة يهودية ظهرت في بداية العصر المسيحي، أي إنها كانت معاصرة للسيد المسيح (عليه السلام)، وكانت تناصبه العداء. ينظر: مراد فرج: القراء ون والربانيون، ص 29 – 30.

[57]– حسن ظاظا: الفكر الديني اليهودي أطواره ومذهبه (دمشق: دار القلم،2002)، ص295. قاسم عبدة قاسم: أهل الذمة في مصر من الفتح الإسلامي حتى العصر العثماني، ص112.

[58]– المقريزي، الخطط، ج2، ص472، 476. قاسم عبده، أهل الذمة، ص112.

[59]– القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الانشا، ج13، ص253، انظر أيضا مراد فرج، القراؤون والربانيون، ص113، 116.

[60] –  سفر ملاخي: 3/1.

[61] –  فرست مرعي الدهوكي: لمحات من تاريخ اليهودية والنصرانية، ص 150 ملحق رقم (1).

[62] –  جعفر حسن هادي: المرجع السابق، ص 29.

[63]–   المرجع نفسه، ص 29.

[64] –  سفر الخروج، 12 / 36.

[65] –  جعفر هادي حسن: الدونمه بين اليهودية والإسلام، ص 29 – 30.

[66] –  موسى بن ميمون: ولد موسى بن ميمون فى قرطبة عام530هـ / 1135م التي كانت تخضع لحكم المسلمين آنذاك. وقد ظل هناك حتى عام 563هـ/ 1165م؛ إذ رحل إلى مصر، وهناك قضى بقية حياته إلى أن توفى. وينحدر موسى من أسرة عريقة يرجع نسبها إلى يهوذا هنَّاسي، بل إن بعض الباحثين يرجعون نسبه إلى الملك داود. وكان أبوه ميمون قاضياً فى المحاكم الدينية مشهوراً= =ومتمكناً فى الدراسات الدينية وعلم الفلك والرياضيات، وتلقى ابن ميمون دروسه الأولى فى الأندلس، حيث تمتزج فيها علوم العالم وثقافاته. وفى ظل هذه البيئة التي انصهرت فيها كل تلك الثقافات المختلفة نشأ موسى نشأة علمية فلسفية ودينية؛ فقد اهتم الأب ميمون بتعليم ابنه التوراة والتلمود وغيرهما من علوم الدين اليهودي. كما تتلمذ على يد عدد من المسلمين حاملي مشعل الحضارة والعلم فى ذلك الحين؛ أمثال يوسف بن صديق الأندلسي الذي كان لدروسه أثر عظيم فى تكوين عقلية ابن ميمون العلمية، وكذلك ابن أفلح الأشبيلي الذي درس على يده بالأندلس علم الفلك؛ هكذا اطلع ابن ميمون على كتابات المسلمين فى المنطق والفلسفة والعلوم الطبيعية والطب. وعن ترحال موسى بن ميمون وأسرته نعرف أنه عندما دخل الموحدون إلى قرطبة عام 543هـ / 1148م خيروا أهل الذمة من اليهود والنصارى المقيمين فيها بين اعتناق الإسلام أو الرحيل عنها، فرحل بعضهم وبقي البعض الآخر ممن أظهر الإسلام وأبطن اليهودية منتظراً فرصة اللحاق بمن خرج. هكذا خرجت أسرة ميمون إلى جنوب إسبانيا حيث مدينة المرية، وهناك عاشت الأسرة اثنتي عشرة سنة حتى فتحها الموحدون عام 555هـ / 1160م. وطبقاً لنظام التخيير السابق الذكر اضطرت الأسرة إلى اعتناق الإسلام وحفظ القرآن والاشتغال بالفقه. ولكن حينما سنحت الفرصة بالرحيل غادرت أسرة ميمون المرية متوجهة إلى مدينة فاس المغربية فى العام نفسه. ونتيجة لتشدد أسرة الموحدين، اضطرت أسرة ميمون إلى الإبحار خفية فى عام563هـ/ 1165م إلى عكا ثم مكثت فيها ما يقارب ستة أشهر، حيث اضطرت للنزوح إلى مصر بسبب المعاملة الوحشية من الصليبيين للمسلمين واليهود الخاضعين لسلطانهم، كما أن مصر كانت تتميز بقدر كبير من التسامح الديني وحرية العقيدة، هذا إضافة إلى المعاملة الحسنة من قبل الأيوبيين لأهل الذمة، وفى مصر، تولى موسى بن ميمون رئاسة الطائفة اليهودية عام 583هـ / 1187م، وقد كان ذلك بدعم من الناصر صلاح الدين الأيوبي، ووزيره القاضي الفاضل تقديراً منهما لدور العلم والعلماء. كما أن موسى كان قد عيَّن ابنه إبراهيم خلفاً له في رئاسة الطائفة، وظلت هذه الوظيفة تتوارث داخل أسرة موسى بن ميمون حتى القرن الرابع عشر الميلادي وقد كان من نتائج تولى موسى رئاسة الطائفة أن أخذ في محاربة كل الخرافات والأساطير الموجودة في الديانة اليهودية، كما حارب كل العادات السيئة الموجودة فى الصلوات والطقوس الدينية. ونتيجة توطيد علاقته بالناصر صلاح الدين وأسرته وحاشيته، عمل طبيباً للملك الناصر، كما استعان به الناصر على تهدئة يهود اليمن في أوقات اندلاع أعمال الشغب والتمرد.؛ ينظر: عبد المجيد، محمد بحر: اليهود في الأندلس، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، المكتبة الثقافية، 1970م)، ص89- 90؛ هاني عبد العزيز السيد سالم: الحركات اليهودية المسيحانية في ظل الإسلام ، ص 13 – 14 .

[67] –   العهد القديم: سفر زكريا، 34/23.

[68] –   عرفان عبد الحميد: المرجع السابق، ص 33 – 34.

[69] –   فرست مرعي: لمحات من تاريخ اليهودية والنصرانية، ص 44 – 48.

 

‎ٲ.د. فَرسَت مرعي

د.فرست مرعي اسماعيل مواليد ۱۹٥٦ دهوك ٲستاذ التاريخ الاسلامي في جامعة دهوك له ۲۱ كتابا مؤلفا باللغتين العربية والكردية ، و٤۰ بحثا ٲكاديميا في مجال تخصصه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً