المقالات

العالم الإسلامي كمفهوم علماني

عبد الرحمن حسام

العالم الإسلامي مفهوم كولونيالي علماني. هذا جوهر ما يطرحه البروفيسور جميل آيدن في كتابه “فكرة العالم الإسلامي: تاريخ فكري عالمي”.  يجادل آيدن بأن العالم الإسلامي لم يستمد مفاهيميا وتاريخيا من مفهوم الأمة القرآني، وإنما هو مفهوم مفارق له، إذ ثمة انقطاعات بين كلتا الكلمتين؛ فالأمة تشير إلى جماعة من المؤمنين، أما العالم الإسلامي فهو وحدة تحليل جيوسياسية، وهو يشير إلى جماعة عالمية تتشارك العادات، والاهتمامات، والخبرة السياسية على نحو مختلف عن الآخر غير المسلم.

الإسلاميون والغربيون على السواء يتحدثون عن “الغرب” وعن “العالم الإسلامي”، لكن آيدن يعدّ هذه الثنائية نوعا من “القَبَلية ويحاجج بأنها دعاية كولونيالية خطرة.

والعالم الإسلامي كمفهوم هو مقابل الغرب المسيحي وفي صراع أبدي معه، وهو مفهوم يقوم على فكرة الإسلام المجرد الجامد المنزوع من سياقاته التاريخية الاجتماعية والثقافية، وهو مفهوم يقتضي وحدة سياسية شاملة ويشهد سيولة في ترتيب كلٍّ من الأولويات الدينية والإستراتيجية عبر الزمن، وهو في النهاية يشير إلى فئة عرقية وحضارية لا إلى جماعة من المؤمنين، وهو مفهوم يعيش دائما عملية مستمرة -من الخلق، والانقطاعات، والطفرات، وإعادة الخلق- تدور حول الخلافة، والأمة، والحراك الأممي الإسلامي، وهو في المحصلة ليس أكثر من مجرد وهم لا يزال مستمرا.

فالإسلاميون والغربيون على السواء يتحدثون عن “الغرب” وعن “العالم الإسلامي”، لكن آيدن يعدّ هذه الثنائية نوعا من “القَبَلية ويحاجج بأنها دعاية كولونيالية خطرة. ويبني آيدن حججه عبر سردية تاريخية جينالوجية نقدية عابرة للقرون ليبيّن حداثة فكرة العالم الإسلامي وكيفية تشكلها وتطورها، والجهود الدائمة لاستغلال هذه الفكرة لأغراض سياسية من قبل القوى الإسلامية والغربية معًا، وينتهي آيدن إلى أن مفهوم العالم الإسلامي ذاته مفهوم علماني مخترع، وليس ثمة دليل أفضل على ذلك من حقيقة أن “العالم الإسلامي” أُنتج خطابيا في إطار الفعل ورد الفعل بين حملات التبشير والاستشراق من ناحية وناشطي الحراك الأممي الإسلامي والحداثيين/الإصلاحيين الإسلاميين في أثناء 150 سنة الأخيرة. وفي ما يأتي نتناول أفكار وحجج آيدن الرئيسة والمحطات التاريخية التي توقف عندها.

تثير حجج آيدن وسرديته ملاحظات عدة؛ أولها أن الواقع الإنساني والسياسي شديد التعقيد والتركيب، ومهما تطورت أدواتنا سيظل فهمنا قاصرا بدرجة تقل أو تزيد، وأن اعتبارات السياسة والإستراتيجية تظل حاكمة على غيرها من الاعتبارات الدينية والثقافية وغيرها، وأن الأفكار لا تموت بل تتبدل وتتحور وتغيب وتعود وهي في كل أحوالها سياسية في جوهرها ومآلها، وأن القيم لا تعيش في الفراغ وإنما في سياقات سياسية وتاريخية تحكمها المصلحة والواقعية والعقلانية، وأن فكرة صراع الحضارات بين المسلمين والغرب المفترضة ليست حقيقية من الناحية التاريخية، فحقيقة الأمر أنه متعلق بالمصالح السياسية والإستراتيجية أكثر من كونه أي شيء آخر.

مفهوم الحضارة كمفهوم مركزي

كان استخدام وتوظيف مفهوم الحضارة ومفهوم الحضارة الإسلامية مركزيا؛ فقد جادل مفكّرو الحراك الأممي الإسلامي بأن الحضارة الأوروبية لم يكن لها أن تبلغ ما بلغته لولا إسهامات مفكري العصر العباسي، وآمن هؤلاء الكتاب بأن هذا يثبت التوجه التقدمي للمسلمين بالفطرة، وردّ المستشرق إرنست رينان مجادلا أن إنجازات العصر العباسي حدثت رغما عن الإسلام وليس بسببه. وعلى العكس، فإن الحضارة الإسلامية -في الرؤية الإصلاحية- تلقّت الإرث اليوناني ودمجته بالقيم الإسلامية العقلانية والإنسانية، وفي العصر الإسلامي الذهبي، أسهمت في ظهور الغرب الحديث.

إن السردية التاريخية التي تؤسس للصدام بين العالم الإسلامي والغرب الحديث سردية غير تاريخية، وتعتمد على الأساطير إزاء ما يشكل الغرب والعالم الإسلامي.

وكان النقد الإسلامي الحداثي للانحطاط قاسيا ووجّه اللوم للمسلمين، مجادلا بأن التصوف والممارسات الدينية الشعبية كانا السبب في الانحطاط، ولذلك فالحل هو العودة إلى منابع الإسلام الصافية. وتُظهر هذه الحجج أن فكرة انحطاط العالم الإسلامي افترضت وجود عالم إسلامي، وبأثر رجعي لأنه إذا كان العالم الإسلامي في حالة انحطاط، فلا بد من أنه كان موجودا من قبل ومن ثم فإن هذه السردية العالمية -وهي بنت الجغرافيا السياسية والنظريات العلمية والسياسية في القرن الـ19- أُسقطت بأثر رجعي على القرون الماضية.

وتبنّى المفكرون المسلمون أفكار توينبي الحضارية في اللحظة نفسها التي كانت القومية فيها تجعل الخطابات الكولونيالية عن الهيراركية الحضارية تبدو مهجورة. وبعد الحرب العالمية الثانية اتفق المفكرون المسلمون بغض النظر عن مستويات التزامهم بالدين وميولهم السياسية المختلفة على أنه من المؤكد أن ثمة تمايزا حادًّا بين العالم الإسلامي والغربي، ومَن سيُعرفون لاحقا بالمفكرين الإسلاميين كانوا من أشد المعجبين بتوينبي، فبالنسبة لهم كان نموذج توينبي عن التاريخ العالمي حصنا ضد المركزية الأوروبية والقومية العلمانية.

إن السردية التاريخية التي تؤسس للصدام بين العالم الإسلامي والغرب الحديث سردية غير تاريخية، وتعتمد على الأساطير إزاء ما يشكل الغرب والعالم الإسلامي. فمثلا تشير النصوص التي تروي تفاصيل التنافس العثماني-الهابسبورجي إشارة مستمرة إلى “الحرب المقدسة”، وقد حشد كلا الطرفين ما استطاعوا من الخطاب الديني في مواجهة الكفار لكن الإشارات المعاصرة إلى حصار فيينا باعتباره صداما بين الإسلام والمسيحية تغفل عن حقيقة أن العثمانيين قاتلوا في هذه الحرب جنبا إلى جنب مع المجريين البروتستانتيين، وربما كان الجهاد جزءا من الخطاب المستخدم في بعض هذه الصراعات، لكن منطق الصديق المسلم والعدو المسيحي لم يكن موجودا.

إن العلاقات المعقدة بين فرنسا-الثورة، والإمبراطورية العثمانية، وولايتها المصرية، وسلطنة ميسور ترجّح أن ما ظهر بعد عقود باعتباره حدودا قاطعة وصلبة بين الغرب المسيحي والعالم الإسلامي- لم يكن حتميا. وفي منعطف القرن الـ19 كانت الكيانات السياسية الإسلامية تسلك على منوال الأسر الحاكمة والإمبراطوريات التي ظلّت تتطور على مدى ألف سنة، وكانت المنطقة الجغرافية التي عاش فيها المسلمون، الممتدة من مالي ونيجيريا إلى جنوب شرقي آسيا، غير متصلة وواسعة جدا فلم يكن لها أن يحكمها نظام سياسي واحد، وفي حدود عام 1800 كانت هناك أكثر من 30 أسرة حاكمة في الأراضي الإسلامية.

(٢)

نواصل تناول كتاب البروفيسور جميل آيدن “فكرة العالم الإسلامي: تاريخ فكري عالمي”، الذي يطرح فيه أن العالم الإسلامي مفهوم كولونيالي علماني. يجادل آيدن أن العالم الإسلامي لم يُستمد مفاهيميا وتاريخيا من مفهوم الأمة القرآني، وإنما هو مفهوم مفارق له، إذ ثمة انقطاعات بين كلتا الكلمتين؛ فالأمة تشير إلى جماعة من المؤمنين أما العالم الإسلامي فهو وحدة تحليل جيوسياسية.

لم تكن ثمة سرديات مهيمنة ومتجانسة حيال الإسلام في مقابل الغرب في النصف الأول من القرن الـ19، كما يدل على ذلك الدعم البريطاني للحكم العثماني للمسيحيين، لكن تلك السرديات ازدادت قوة مع ثمانينيات القرن الـ19 إلى درجة أنها لم يعد من الممكن تجاهلها

وهو يشير إلى جماعة عالمية تتشارك العادات، والاهتمامات، والخبرة السياسية على نحو مختلف عن الآخر غير المسلم. والعالم الإسلامي بوصفه مفهومًا هو مقابل الغرب المسيحي وفي صراع أبدي معه، وهو مفهوم يقوم على فكرة الإسلام المجرد الجامد المنزوع من سياقاته التاريخية والاجتماعية والثقافية. وهو مفهوم يقتضي وحدة سياسية شاملة ويشهد سيولة في ترتيب كلٍّ من الأولويات الدينية والإستراتيجية عبر الزمن. وهو في النهاية يشير إلى فئة عرقية وحضارية لا إلى جماعة من المؤمنين. وهو مفهوم يعيش دائما عملية مستمرة -من الخلق، والانقطاعات، والطفرات، وإعادة الخلق- تدور حول الخلافة، والأمة، والحراك الأممي الإسلامي. وهو في النهاية ليس أكثر من مجرد وهم لا يزال مستمرا.

فالإسلاميون والغربيون على السواء يتحدثون عن “الغرب” وعن “العالم الإسلامي”، لكن آيدن يعدّ هذه الثنائية نوعا من “القَبَلية ويحاجج بأنها دعاية كولونيالية خطرة. ويبني آيدن حججه عبر سردية تاريخية جينالوجية نقدية عابرة للقرون ليبين حداثة فكرة العالم الإسلامي وكيفية تشكلها وتطورها، والجهود الدائمة لاستغلال هذه الفكرة لأغراض سياسية من قبل القوى الإسلامية والغربية على السواء. وينتهي آيدن إلى أن مفهوم العالم الإسلامي ذاته مفهوم علماني مخترع، وليس ثمة دليل أفضل على ذلك من أن “العالم الإسلامي” حقيقة أُنتجت خطابيا في إطار الفعل ورد الفعل بين حملات التبشير والاستشراق من ناحية وناشطي الحراك الأممي الإسلامي والحداثيين/الإصلاحيين الإسلاميين في 150 سنة الأخيرة. وفي ما يأتي نتناول أفكار وحجج آيدن الرئيسة والمحطات التاريخية التي توقف عندها.

مفهوم الحضارة الإسلامية بوصفه مفهوما محوريا

لم تكن ثمة سرديات مهيمنة ومتجانسة حيال الإسلام في مقابل الغرب في النصف الأول من القرن الـ19، كما يدل على ذلك الدعم البريطاني للحكم العثماني للمسيحيين، لكن تلك السرديات ازدادت قوة مع ثمانينيات القرن الـ19 إلى درجة أنها لم يعد من الممكن تجاهلها. ولم تكن الرؤى الإمبراطورية قد هُزمت بالكلية، وبالتأكيد لم تنهزم الإمبراطوريات ذاتها لكنها كانت في حاجة إلى تقبل الحقيقة الجديدة المتعلقة بالعرق وتطوير أدوات التعامل مع قوته السياسية. ومن بين رماد النظام الإمبريالي العالمي القديم تولد شكل جديد للإمبراطورية ظهر فيه تأثير العرق على نحو صارخ، وكانت حدود هذا الشكل الجديد مرسومة وفق عوامل عدة، وليس فقط وفق السمات المادية لأجساد البشر، بل دخل كذلك الدين وتصورات البشر عن التاريخ المشترك والولاء السياسي.  وقد تبنّى الرعايا المسلمون هذه الهوية العرقية لأغراض سياسية متعددة خاصة بهم، وأذاع المفكرون المسلمون في تلك الحقبة أفكار الحراك الأممي الإسلامي وتطلعوا أكثر فأكثر إلى السلطان العثماني على أنه خليفة وقائد لجماعة مسلمة عالمية.

وتحدّى الحراك الأممي الإسلامي، بسعيه إلى الوحدة والحداثة الإسلامية، السردية الأوروبية المسيحية عن دونيّة المسلمين، لكنه لم يسعَ إلا قليلا إلى كبح جماح التمييز العرقي ذاته وهزيمته. وفي تلك الحقبة لمعت أسماء مثل إسماعيل جاسبرالي ورشيد رضا، لكن مؤتمراتهم العامة لم تتناول القومية ومناهضة الإمبريالية، بل ركزت على أسباب الانحطاط الإسلامي في الحياة الاقتصادية، والتعليمية، والاجتماعية، وبحث إستراتيجيات الإحياء الإسلامي. وكان بوسع ناشطي الحراك الأممي الإسلامي في بداية القرن الـ20 الاحتفاء بالخليفة من دون نبذ الحكم البريطاني، ومن ثم عدم استثارة الإمبراطوريات الأوروبية. فقد كان الخليفة راغبا في جعل سيادته الروحية أساسا لنظام عالمي إمبراطوري مستقر وليس صراعا للحضارات.

وفسر ناشطو الحراك الأممي الإسلامي التاريخ الإسلامي المعاصر باعتباره نتيجة للإذلال الغربي، واستخدموا إشارات عاطفية إلى الانحطاط الإسلامي والإذلال الغربي للعالم الإسلامي والمسلمين. وكثيرا ما مزجوا سردية الانحطاط بالنوستالجيا، كما في حالة محمد إقبال؛ فقد تحدثت كتابات إقبال كثيرا عن الأمة، لكن من الواضح أن هذا المصطلح قد استخدمه إقبال كمرادف للحضارة الإسلامية كمصطلح جيوسياسي حديث. كان في الخطاب الأممي الإسلامي وعي تاريخي جديد يكون العالم الإسلامي بمقتضاه في صراع أبدي مع الغرب المسيحي ويتم تفسير الشؤون الدولية باعتبارها صراعا بين العالمين. وكان هذا الوعي مخطئا جدا لكنه كان في جزء منه ردًّا على السرديات التاريخية الأوروبية التي ركزت على المواجهات العسكرية مع المسلمين باعتبارها مؤسسة للهوية الأوروبية. وفي هذا السياق، فإن التاريخ العالمي كان يُفهم بشكل أساسي من منظور الصراع الحضاري، ومن هذا المنظور كانت الحملات الصليبية، وصلاح الدين الأيوبي، وطرد المسلمين من الأندلس محطات أساسية في سرديات صراع الحضارات. والجدير بالذكر أن كل نظريات صراع الحضارات نبعت من الجماعات ووسائل الإعلام الأوروبية والأميركية، وكذلك فإن الكتابات الإسلامية عن الصراع الحضاري أنتجها المفكرون المسلمون الذي تعلموا في أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية.

وقد أتاحت مذابح البوسنة، والصراعات في فلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق، وإيران، وأفغانستان جميعا فرصة أخرى للتعميمات الكسولة حيال صراع الحضارات الأبدي، وألهم هذا السياق صمويل هنتنغتون فكتب مقالته المؤثرة صدام الحضارات، التي تنبأ فيها بأن العالم الإسلامي سيكون العدو الجديد للعالم الغربي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وفي هذا السياق تركز الاهتمام على صعود الأحزاب والحركات الإسلامية، خاصة الراديكالية منها. وفي المقابل، زاد ذلك زخم الإسلاموفوبيا الغربية. وكانت فترة ما بين الحربين قد شهدت فرصة قصيرة العمر لإعادة صياغة السياسة الدولية للمجتمعات الإسلامية، فبدلا من قصة صراع الحضارات، كان من الممكن للسردية أن تتحول بشكل دائم إلى العدالة في داخل النظام العالمي.

(٣)

نواصل تناول كتاب الدكتور جميل أيدن “فكرة العالم الإسلامي: تاريخ فكري عالمي”، الذي يطرح فيه أن العالم الإسلامي مفهوم كولونيالي علماني. ويجادل أيدن بأن العالم الإسلامي لم يُستمد -من حيث المفاهيم والتاريخ- من مفهوم الأمة القرآني، وإنما هو مفهوم مفارق له، إذ ثمة انقطاعات بين كلتا الكلمتين؛ فالأمة تشير إلى جماعة من المؤمنين، أما العالم الإسلامي فهو وحدة تحليل جيوسياسية. وهو يشير إلى جماعة عالمية تتشارك العادات، والاهتمامات، والخبرة السياسية على نحو مختلف عن الآخر غير المسلم. والعالم الإسلامي كمفهوم هو مقابل الغرب المسيحي وفي صراع أبدي معه. وهو مفهوم يقوم على فكرة الإسلام المجرد الجامد المنزوع من سياقاته التاريخية الاجتماعية والثقافية. وهو مفهوم يقتضي وحدة سياسية شاملة، ويشهد سيولة في ترتيب كلٍ من الأولويات الدينية والإستراتيجية عبر الزمن. وهو في النهاية يؤشر إلى فئة عرقية وحضارية لا جماعة من المؤمنين. وهو مفهوم يعيش دائما عملية مستمرة -من الخلق، والانقطاعات، والطفرات، وإعادة الخلق- تدور حول الخلافة، والأمة، والحراك الأممي الإسلامي. وهو في النهاية ليس أكثر من مجرد وهم لا زال مستمرا.

مع مطالبات المسيحيين بالاستقلال القومي عن العثمانيين، ووقوع المزيد من المسلمين تحت الحكم المسيحي حول منتصف القرن 19، كان التوازن الإمبراطوري قد فُقد، وبدأ المسلمون على نحو متزايد يُفهمون ويفهمون أنفسهم كطبقة منفصلة ومهمشة خاضعة للإمبريالية

فالإسلاميون والغربيون على السواء يتحدثون عن “الغرب” وعن “العالم الإسلامي”، لكن أيدن يعتبر هذه الثنائية نوعا من “القَبَلية، ويحاجج بأنها دعاية كولونيالية خطيرة. يبني أيدن حججه عبر سردية تاريخية جينالوجية نقدية عابرة للقرون ليبين حداثة فكرة العالم الإسلامي وكيفية تشكلها وتطورها، والجهود الدائمة لاستغلال هذه الفكرة لأغراض سياسية من قبل القوى الإسلامية والغربية على السواء. وينتهي أيدن إلى أن مفهوم العالم الإسلامي ذاته مفهوم علماني مخترع. وليس ثمة دليل أفضل على ذلك من حقيقة أن “العالم الإسلامي” أُنتجت خطابيا في إطار الفعل ورد الفعل بين حملات التبشير والاستشراق من ناحية وناشطي الحراك الأممي الإسلامي والحداثيين/الإصلاحيين الإسلاميين في 150 سنة الأخيرة. وفيما يلي نتناول أفكار وحجج أيدن الرئيسية والمحطات التاريخية التي توقف عندها.

ظهور الهوية الإسلامية والوعي الأممي الإسلامي

في بعض الأحداث في القرن 18 يمكن للمرء أن يجد إشارات للتضامن الإسلامي العام، خاصة في ظل الظروف التي شعر فيها المسلمون بأن حريتهم الدينية مهددة. لكن كل هذه المشاعر لم تكن ذات حيثية، ولم تترتب عليها نتائج مادية؛ فشبكات التعليم، والأخوة الدينية، والتجارة، والحج ازدهرت في القرن 18 من دون حماية من أية إمبراطورية مسلمة أو تحالف من الدول الإسلامية حينها. كذلك لم يشغل الفقهاء العثمانيون أنفسهم بمفاهيم عالمية عن الإسلام، رغم كونهم فعليا في إمبراطورية عالمية.

مع مطالبات المسيحيين بالاستقلال القومي عن العثمانيين، ووقوع المزيد من المسلمين تحت الحكم المسيحي حول منتصف القرن 19، كان التوازن الإمبراطوري قد فُقد، وبدأ المسلمون على نحو متزايد يُفهمون ويفهمون أنفسهم كطبقة منفصلة ومهمشة خاضعة للإمبريالية. وكانت التناقضات الفجة في إطار النظام الإمبراطوري (مثل دعم القوى الأوروبية لاستقلال غير المسلمين بينما تواصل احتلال الأراضي الإسلامية) الجذر الأساسي لظهور الوعي بالعالم الإسلامي. وهكذا كان حطام التوازن الإمبراطوري -وليس أية نظرية كلاسيكية عن الخلافة- أساس المفهوم الحديث للوحدة الإسلامية. لم يكن التاريخ المشترك ولا التقاليد غير المتغيرة للمسلمين اللذان أسسا لفكرة العالم الإسلامي، بل مصدر ذلك هو التأثير المتراكم للسياسات والصراعات والأيديولوجيات التصادفية للإمبراطوريات من عشرينيات إلى سبعينيات القرن 19.

في أوروبا كانت المخيلة القومية المدفوعة بتصورات عنصرية عن الاختلافات الدينية قد بدأت تجد طريقها، وحتى أشد الحروب الإمبراطورية في منتصف القرن 19، حرب القرم، نبعت من خلاف ديني. وبعد عام واحد من نهاية حرب القرم اندلعت الثورة الهندية في 1857، لتشكل اختبارا عمليا جديدا للإطار الإمبراطوري. ومن جديد عندما انتهت الحرب انتصر المنطق الإمبراطوري، حتى مع تزايد أهمية الهويات الدينية التي لم يعد من الممكن إنكارها. وكان كتاب إظهار الحق لرحمة الله القيرواني الهندي في القرن 19 أول من أطلق مفاهيم حديثة عن الإسلام العالمي، وفي ستينيات القرن 19 لم تكن ثنائية العالم الإسلامي والغرب المسيحي مؤسسة بعد، ولكن خليط الدين والإمبراطورية والعرق كان قد صار أكثر تعقيدا، كما أصبح أكثر عولمة. لقد بدأ الإطار الإمبراطوري يضعف بعد عقود من التوتر العرقي والديني المتصاعد؛ هنا تحولت التوازنات الإمبراطورية التي كانت الدولة العثمانية جزءا من منها إلى واقع تُصوَر فيه الدولة العثمانية كرجل أوروبا المريض.

وشهدت السنوات بين 1873 و1883 تجذرا مهما للشبكات المرتبطة بالمشاعر المسلمة الجديدة الحداثية والإمبراطورية العابرة للقومية. وانتهت تقارير بريطانية إلى أنه لم يكن ثمة حراك أممي إسلامي منظم، ولكن المخاوف من وجودها لم تكن كلها بلا أساس، ولاحظت وزارة الخارجية البريطانية أن المسلمين بدوا كأنهم يطورون وعيا متزايدا بالشؤون الدولية نتيجة للصحافة الجديدة، التي قدمت أخبارا يومية عن أماكن بعيدة عبر خطوط التلغراف، وبدأت سياسات الإمبراطورية الروسية لدعم الحراك الأممي السلافي في الشعوب المسيحية في الإمبراطورية العثمانية، وتلهم الأفكار المتعلقة بالحراك الأممي الإسلامي وسط المسلمين أنفسهم، وكانت الحرب الروسية-العثمانية (1877-1978) نقطة تحول مهمة؛ إذ أدت الحرب إلى تعبئة كاملة للهويات الإسلامية والمسيحية عالميا، وصاحبها تمييز عنصري بين المسلمين والمسيحيين غطى على المنطق الإمبراطوري، وظهر خطاب أوروبي قوي معادٍ للمسلمين لدى المثقفين الأوروبيين، مثل ويليام جلادستون؛ وعكس هذا الخطاب توجها أوسع لتوجيه النقاش الجيوسياسي على أساس القومية والعرق بدلا من الإستراتيجية الإمبراطورية.

من دون الدعم الدبلوماسي والعسكري البريطاني لم يكن لدى العثمانيين الموارد الكافية لهزيمة عدوهم الروسي في سبعينيات القرن 19، وكان الضباط البريطانيون اقترحوا وسهلوا زيارة عثمانية إلى أفغانستان لطلب الدعم الأفغاني ضد الروس، وكانوا يتخيلون وحدة إسلامية في ظل قيادة عثمانية-بريطانية مشتركة ضد التوسع الروسي جنوبا، ورفض الملك الأفغاني المشاركة في الحرب ضد الروس، كما طلب الوفد العثماني المدعوم بريطانيًّا، مشيرا إلى أن البريطانيين قد غزوا لتوهم الأراضي الأفغانية. ومع خسارة العثمانيين الحرب، بدأ السلطان العثماني تأكيد نواياه الحسنة دينيا من أجل أن يشجع وحدة داخلية، وأصبح الإسلام أساسا للهوية القومية مثلها مثل المسيحية في الإمبراطوريات والأراضي الأوروبية التي كانت من قبل تحت السيادة العثمانية. وكان تصوير الإمبراطورية العثمانية باعتبارها رجل أوروبا المريض امتدادا للتمييز العنصري ضد المسلمين الخاضعين للاحتلال الكولونيالي، الذي أصبح الآن يشمل أيضا آخر أسرة حاكمة مسلمة.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً