البحوث

الإرساليات البابوية ودورها،  في تغيير الخارطة المذهبية لمسيحيي كُردستان

المقدمة

تعد المسيحية احدى الديانات السماوية الكبرى في العالم المعاصر، وهي ديانة تبشيرية تحاول التبشير في مختلف أصقاع العالم، وقد ذاع مفهوم التبشير لدى المسيحيين، ويقصدون به نشر بشارة الإنجيل في العالم، وهو الترجمة الحرفية للفظ (الكرازة) ذي الأصل اليوناني المأخوذ من الفعل (كيريزو kerysso) أي: يعلن وينادي جهارًا. وتعني الكرازة: إعلان رسالة الإنجيل في العالم غير المسيحي؛ أي بعبارة أخرى تبليغ رسالة المسيح لغير المسيحيين. وهو المصطلح الذي يعبر به كاتبو الأناجيل لدى الحديث عن التبشير برسالة الإنجيل؛ كما في هذين النصين المقتبسين من الانجيل: ” وَيُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هَذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ”. إنجيل متى: 24/14. “يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَزَ أَوَّلًا بِالإنْجِيلِ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ”، (إنجيل مرقس: 13/10).

بعكس اليهودية التي تعد ديانة غير تبشيرية. ولكي يمهدوا الطريق لترويج الادعاء بأن الوعود والنبوءات التوراتية المتعلقة بالأرض الفلسطينية تنطبق على يهود العصر الحالي، وأن هجرة اليهود إلى فلسطين، وإقامة الكيان الصهيوني تحقيق لتلك النبوءات كان لا بد من التركيز على مفهوم (الشعب المختار) للترويج لأسطورة (الشعب اليهودي)، التي تزعم بأن اليهود أينما كانوا جماعة بشرية تتشعب من سلالة عرقية واحدة، وهي سلالة إسرائيل، وأنهم جميعًا من ذرية الذين تم إجلاؤهم من فلسطين، لأنه بدون ذلك سينهار حلمهم الذي بنوه على الوعود التوراتية، والتلمودية التي تعطي الأرض لنسل إسرائيل: “لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الأَرْضَ”، (سفر التكوين 15/ 18-21)، وهذا ما يفسر الحضور الكثيف لمصطلح (الشعب اليهودي) في الخطاب الصهيوني.

لقد وصلت المسيحية إلى ديار الكرد في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني الميلادي على رأي آباء الكنيسة [1] وفي بداية القرن الثالث حسب رأي المستشرقين وعلماء الغرب المختصين بالسريانيات[2]. وقد عاش هؤلاء الذين دخلوا في المسيحية من اليهود المستقرين في كردستان أو من الكرد أنفسهم أو من الإثنيات الأخرى في جماعات يرأسها أساقفة وتربطها بعض العلاقات بمدينة أنطاكية، أما أرتباطهم ببعضهم فلم يكن على صعيد الرئاسة الكنسية. مهما قيل عن الدور الذي لعبته كنيسة (ساليق) المدائن، فأن هذه العلاقات كانت على صعيد المحبة المسيحية ووحدة العقيدة، وكانت كل من هذه الجماعات المسيحية تتمتع بأستقلال يكاد يكون كاملا بالنسبة إلى غيرها[3]. وقد كان لنشأة المسيحية في أجواء الحقبة الهلنستية التي سادت فيها الثقافة الإغريقية بلاد المشرق ومنها مصر، متفاعلة مع ما أستقر فيها من ثقافات موروثة، كان لكل ذلك أثر كبير في التفاعل بين الإيمان والفلسفة الذي طبع الديانة المسيحية بطابعه، فأخرجها من الإيمان البسيط إلى اللاهوت المعقد، وكانت كلها تنصب على محاولة الإجابة على ما هي طبيعة العلاقة بين الله والمسيح، أو بين الأب والابن، وفي مرحلة تالية الإجابة على ما هي طبيعة العلاقة بين الأب والابن وروح القدس ، كان من بين هذه الخلافات البارزة مسألة انبثاق الروح القدس، ومسألة ما إذا يجب استعمال الخبز المخمّر في الأفخارستيا (القربان المقدّس) أم لا، ففي كنائس الروم الكاثوليك، يلقم الخبز (المصنوع بدون خميرة)، بينما يستخدم الخبز (باستخدام الخميرة) في الكنيسة الأرثوذكسية. فضلاً عن أحقية ادعاء بابا روما بامتلاكه سلطة بابوية عالمية، وموقع بطريرك القسطنطينية المسكوني فيما يتعلق بالنظام البطريركي الخماسي؛ أي الكنائس المسكونية الرئيسية: روما، القسطنطينية، القدس، انطاكية، والإسكندرية؛ وعلى إثر ذلك فقد ظهرت في المسيحية فرق ومذاهب عديدة سنذكر أشهرها حسب الترتيب التاريخي:

  • الغنوصيون: من الكلمة الغنوصية (غنوصيص = gnosis)، ومعناها علم أو معرفة أو حكمة أو عرفان، وأرادت الغننوصية أن تتحدى المسيحية، وأن تستولي عليها وعلى رموزها؛ وذلك حين قرنت بين (سوتر) و(المسيح)، واتخذت الصليب رمزاً لها. ولكن هذا الرمز في الإطار الغنوصي، أصبح رمزاً للخط الفاصل العالم الروحاني والعالم المادي. وقد عرفت الغنوصية بأنها المحاولة الأخيرة من قِبَل وثنية العالم القديم (بالتحالف مع بعض العناصر اليهودية التي كانت قد بدأت تتفسخ كنسق ديني بسبب هدم الهيكل، وبسبب وجود ترسبات جيولوجية متناقضة داخلها)، لهزيمة الدين الجديد ومصادره ورموزه. وقد أخذ الهجوم، أساساً، شكل تأكيد الثنوية الوثنية القديمة. ولعل الغنوصية قد أخذت هذا الشكل لأن المسيحية ذاتها كانت تحوي داخلها بعض العناصر المبهمة، خصوصاً تجاه اليهودية. ولكل هذا، وجد الغنوصيون الفرصة سانحة لتأكيد الثنوية القديمة، ووجدوا أساساً لها في هذا التناقض الواضح؛ فشنوا حملتهم الشرسة ضد المسيحية؛ الامر الذي اضطر المسيحية الأولى الى بلورة عقائدها، وتعريف نفسها بشكل محدد، حتى يتسنى لها القضاء على الهرطقة التي كانت تتهددها، كما اضطرها الى تبني بعض العقائد الغنوصية وأشكالها بسبب جاذبيتها للجماهير. ولكن الكنيسة  في تصديها هذا تبنت  بعض الاشكال الغنوصية ( الموضوعية)، مثل الاكثار  من الشعائر، وتأكيد مركزية الكاهن الذي يقيم الشعائر، وهو صدى للمخلص الذي يأتي بالعرفان. والبابا المعصوم كاهن الكهنة، يكاد يقترب من المخلص باعتباره تجسيداً لل (الإله) . وقد تبنت الكنيسة الكاثوليكية كثيراً من الاساطير الغنوصية في مفاهيمها- مثل عقيدة التثليث، والصلب والقيام. بل إن الكنيسة في رؤيتها لنفسها خلعت على نفسها الغنوص، وأصبحت هي (الإله) الخفي؛ فالمسيح هو آدم الثاني (= أنثروبوس الذي ينزل الى الأرض، أو صوفيا السماوية التي تنزل لتصبح صوفيا الأرضية)[4]، وعلى أية حال فهم القائلون بأن يسوع إنسان فان يوحى إليه، ولكنه ليس بإله، بعضهم يقول بأنه أي المسيح لم يصلب[5].
  • اليهود المسيحيون: وهم مجموعة من التلاميذ الصغار الذين بقوا بعد المسيح، كونوا طائفة يهودية تمارس ديانة المعبد وتحفظ تعاليمها، وكانوا عندما ينظم إليهم وثنيون أو من غير العبرانيين (اليهود) يقترح عليهم نظام يحلهم بموجبه مجمع القدس الذي عقد سنة 49م من شرط الختان ومن تطبيق الأركان اليهودية، وقد رفض كثير من اليهود المسيحيين هذا التنازل وانفصلوا عن (بولس) واتهموه بالرياء والخيانة بسبب اعتباره الختان ومراعاة يوم السبت وديانة المعبد أموراً بالية ليست ذات قيمة، علماً بأنها من تعليمات العهد القديم[6] .
  • المرقيونية: تنسب هذه النحلة إلى مرقيون (58 – 160م) أحد أبرز مسيحيي القرن الثاني الميلادي الذين حاولوا التوفيق بين الغنوصية (الخلاص عن طريق المعرفة) والمسيحية، كانت الفكرة الأساسية عند مرقيون هي أن الإنجيل المسيحي هو إنجيل الحب الذي يستقصى تماماً الناموس، وهذه العقيدة، والتي شرحها بصفة خاصة في كتابه (المتناقضات Antitheses ) جعلته يرفض العهد القديم تماماً، ويرى أن الله الخالق، والذي استعلن في العهد القديم بدءً من سفر التكوين وما بعده كإله الناموس، ليس له أي علاقة بإله يسوع المسيح ودراسة العهد القديم – كما يظن- تثبت أن هذا الإله اليهودي قد أدخل نفسه دوماً في أفعال متناقضة، فكان متغيراً على الدوام، جاهل وقاسى، أما إله الحب الكامل الذي جاء يسوع ليعلنه فكان مختلفاً تماماً، وكان هدف يسوع أن يهزم إله الناموس هذا. وبحسب مرقيون كان القديس بولس هو الوحيد الذي أدرك هذا التناقض التام بين النعمة والناموس، بينما كان التلاميذ الاثني عشر والإنجيليين عمياناً عن الحق بسبب تأثرهم ببقايا الفكر اليهودي، ولذلك كانت الأسفار القانونية الوحيدة بالنسبة لمرقيون هي الرسائل البولسية العشرة (يبدو انه إما رفض أو لم يعرف بوجود الرسائل الرعوية)، وكان يشجع أتباعه على دراسة هذه الأسفار بحسب منهجه، وكان يرفض كل التفاسير الرمزية، أما عن خريستو لوجيا مرقيون، فكان من الدوسيتيين فأسس كنيسة بديلة للكنيسة الرسمية، استمرت مدة طويلة بعد وفاة مؤسسها خصوصاً في الأطراف الشرقية لمناطق انتشار المسيحية في أرمينيا وكردستان، وكان ذلك وراء تعجيل الكنيسة في إقرار الأناجيل الأربعة وتثبيت المعتقد المسيحي الرسمي في صيغته النهائية في القرن الرابع الميلادي وتحديداً مجمع نيقية عام 325م[7].
  • الأبيونية: وهم قسمان: أولهما يعتبر يسوع مجرد إنسان عادي بلغ إلى مرتبة الصلاح بفضل تنامي شخصيته، ولد من مريم وزوجها مثل أي مولود آخر. ألح على التمسك بأحكام الشريعة الموسوية. وهذه الجماعة لم تكن تؤمن بالخلاص بواسطة المسيح وحده، أو الاقتداء به. والثانية تؤمن بأن يسوع المسيح ولد من عذراء وروح القدس، لكنهم لم يؤمنوا بأن له وجوداً سابقاً، وهو بالتالي ليس ألهاً وليس هو الكلمة والحكمة[8].
  • الدوكيتية: الغنوصيون الذين عرفوا بأسم الدوكيتية، ذهبوا إلى الطرف النقيض من الابيونية، ونفوا البشرية عن المسيح، فيما أكدوا على طبيعته الإلهية، تعلموا في مدرسة أفلاطون، وتعدوا على سمو فكرة اللوغوس (العقل أو الكلمة)[9].
  • الأريوسية: ينسب هذا المذهب إلى أريوس الليبي (256–336م)، وهو كاهن من الإسكندرية بمصر يرجع في أصوله الى البربر (= الامازيغ)، وكان مسؤولاً عن إحدى كنائس الأسكندرية وهي كنيسة بوكاليس. تتلمذ على يد لوقيانوس الأنطاكي، الذي كان يرفض ألوهية المسيح، فكان أن أستشهد دون عقيدته التوحيدية التي تناقض تعاليم بولس الذي كان أول من نادى بألوهية المسيح. اشتهر أريوس بتبنّيه لمجموعة من التعاليم التي تدور حول الطبيعة اللاهوتية في المسيحية، التي أكّد فيها على تفرّد الآب، وتبعية المسيح للآب، ومعارضته لما أصبح سائدًا حول طبيعة يسوع، فأصبح الموضوع الرئيس الذي تمت مناقشته في مجمع نيقية الأول الذي عقده الإمبراطور قسطنطين العظيم سنة 325م. بعد أن اعترف الإمبراطوران الرومانيان ليسينيوس وقسطنطين بالمسيحية كدين رسمي عام313 فيما سمي بمرسوم ميلان، رأى قسطنطين أن يوحّد الكنيسة التي اعتُرف بها مؤخرًا، وإزالة الانقسامات اللاهوتية. كانت الكنيسة المسيحية منقسمة ومختلفة حول طبيعة يسوع أو طبيعة العلاقة بين يسوع والآب. اعتبر أثناسيوس الأول بابا الإسكندرية أريوس والمتفقين مع آرائه ممن لم يؤمنوا بمعتقد الثالوث الذي يؤمن بتساوي الآب والابن في الجوهر والأبدية. وتصف كتابات مسيحية بصورة سلبية اللاهوت الآريوسي نظرًا لاعتقاده بأنه كان هناك وقت لم يكن فيه وجود للابن، حيث الآب موجودًا وحده. على الرغم من الجهود المعارضة لمذهب أريوس، استمرت الكنائس المسيحية الأريوسية في جميع أنحاء أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخاصة في الممالك الجرمانة، حتى سقوط تلك الممالك عسكريًا أو تحولهم المذهبي طواعية بين القرنين الخامس والسابع الميلادي. ويبدو أن الأرثوذكسية هاجمت أريوس وأفكاره، لاستنكاره اختلاط اللاهوت المسيحي بالوثنية الإغريقية؛ لذا كانت الكنيسة المسيحية منقسمة ومختلفة حول طبيعة يسوع أو طبيعة العلاقة بين يسوع والآب. اعتبر أثناسيوس الأول بابا الإسكندرية أريوس والمتفقين مع آرائه ممن لم يؤمنوا بمعتقد الثالوث الذي يؤمن بتساوي الآب والابن في الجوهر والأبدية. ومن وجهة نظر مسيحية أرثوذكسية يعد أريوس، هرطقياً شكل خطراً على العقيدة المسيحية طوال عشرة قرون من تاريخها. يقوم خلاف أريوس مع الكنيسة على أطروحة واحدة هي أن يسوع كائن فانٍ ليس إلهياً بأي معنى، وليس بأي معنى شيئاً آخر سوى معلم يوحى اليه، وهذا ما يؤدي الى الاستغناء كلياً عن عقيدتي الفداء، والمخلص، الركنان الاساسيان في الديانة المسيحية [10].

7-  النسطورية: نسبة الى القديس نسطوريوس(381 – 451م) بطريرك القسطنطينية الذي نصبه الإمبراطور الروماني ثيئو دوسيوس الثاني (408 450م ) بطريركاً سنة 428 م. وأعلن أن للسيد المسيح شخصيتين منفصلتين (أقنومين): أقنوم الإنسان يسوع ، وأقنوم الله ، ولا يجوز أن تسمى مريم العذراء أم الله بل هي بشر ولدت المسيح بالشخصية البشرية، وأن المسيح مات على الصليب كإنسان، وكانت النتيجة أن أُدين نسطوريوس واعتُبر خارجاً على تعاليم الكنيسة، وبعد أن قضى خمس سنوات معتكفاً في ديره القديم قرب أنطاكية نفاه الإمبراطور ثيئودوسيورس الثاني سنة 436م إلى أعالي مصر؛ حيث توفي سنة 451م، وما أن علم الإمبراطور الفارسي بما يحدث لنسطوريوس حتى قام باحتواء معارضي الدولة الرومانية بقيادة بارصوما زعيم الحركة النسطورية؛ حيث توجهوا إلى الدولة الفارسية الساسانية، ولاقوا ترحيباً من الملك فيروز(بيروز) الأول (459 484م) الذي رأى فيهم خير أداة لمحاربة الدولة الرومية البيزنطية. وحسب طلب الاسقف برصوما فقد اعتبر الملك فيروز النسطورية ديناً لجميع مسيحيي الإمبراطورية الفارسية. وفي عام 496م اجتمع في العاصمة الفارسية الساسانية سلوقية (سلمان باك الحالية) جنوب شرق بغداد المجمع الديني النسطوري، وأعلنت النسطورية ديناً رسمياً للمسيحيين، وانتخب أول بطريرك نسطوري وهو (باري). ومنذ ذلك الحين سميت الكنيسة النسطورية بكنيسة المشرق، وسُمي بطريركها بطريركاً للكنيسة الشرقية [11].

 

ظهور الرهبانيات الكاثوليكية

لقد شهد القرن الحادي عشر الميلادي حماساً دينياً نتيجةً للإصلاحات الكنسية والدعوة للحروب الصليبية. فنشطت الحركة الديرية نشاطاً ملحوظاً، ومن أشهر الفرق الديرية قاطبة في القرن الثالث عشر هما: الفرنسيسكان والدومنيكان، ويطلق على أتباعهما عادةً لقب الاخوان Friars وذلك لاتصالهم الدائم بأفراد المجتمع. والغاية الأساسية من تشكيل هاتين الفرقتين إنتشال الكنيسة الكاثوليكية من مأزقها على إثر الصراع بين البابوية والإمبراطورية الرومانية المقدسة، ولظهور البدع الدينية (الهرطقة) ومكافحة الترف الذي سرى لبعض رجال الدين، ولمناهضة التحلل من القيم الأخلاقية التقليدية وخاصة الدينية منها في المدن الناشئة آنذاك، إذ كان العصر حسب تعبير القديس (برنراد أوف كليرفو) في أواسط القرن الثاني عشر الميلادي “أن الدنيا أقبلت على عصر المآتم والشرور”. لذلك انبرى المؤمنون المسيحيون لمعالجة الوضع وكان أكثرهم توفيقاً في هذا الشأن (فرانسيس أوف أسيسي)، و(دومنيك)[12]، وبقدر تعلق الأمر بموضوعنا فإننا سنقتصر على التعريف بـ (دومنيك).

 

 

 

الرهبانية الدومنيكية

ولد القديس (دومنيك Domingo) في مدينة كالاروكا في مقاطعة قشتالة الواقعة في شمال أسبانيا سنة 1170م، وترعرع تحت كنف عمه الذي كان قسيساً. ساهم دومنيك في الحملة الصليبية ضد (الالبجنسيين)[13] عن طريق الوعظ والإرشاد وأمضى في ربوعهم عشر سنوات 1205- 1216م حيث تنطلق منها زرافات الرهبان إلى الأماكن الأخرى. وأمست الفرقة ذات تأثيرات كبرى عند وفاة المؤسس سنة 1221م. إذ قامت بأدوار هامة في المجالات الدينية في المدن والجامعات، وبرز من بين صفوفهم إثنان من عمالقة الفلسفة في أوربا هما: البرتوس ما كنوس، وتوماس اكويناس. ولقد انتشرت فرقة الدومنيكان في كافة أرجاء العالم وخاصة في آسيا الغربية، ولقد لعب هؤلاء الدومنيكان أدواراً خطيرة في الاتصالات التي جرب بين البابا والملوك الصليبيين من جهة والمغول من جهة أخرى لغرض إنقاذ الممالك الصليبية في المشرق الإسلامي. ومن جانب أخر فأن البابوية اعتمدت على الدومنيكان في محاكم التفتيش التي أنشأتها في المرحلة الأولى لمحاربة الفرق المهرطقة والمضلة حسب وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية، وقد وصل الأمر بالدومنيكان أن شبهوا أنفسهم بكلاب الله Domini Canes في اصطياد الهراطقة وللمحافظة على الرعية المسيحية ضد الذئاب الضاربة (المهرطقين)[14].

 

 

 

 

 

وصول الإرساليات الكاثوليكية إلى كردستان

 

إن الإرساليات الكاثوليكية إلى الشرق الأدنى في بداية الربع الثاني من القرن السابع عشر لم تحل في أرض جدباء، بل أن أرض المشرق كانت معروفة بعض الشيء لدى المسيحيين الغربيين، حتى لو شابت تلك المعرفة الغموض. وقد عرف المنصرون أرض الشرق عبر بعض تقارير مؤرخي الصليبيين وأخبارهم، فالعلاقات بين البلدان الأوربية ومدن بلاد الشرق عادت لتقوى مع بداية القرن السادس عشر. ومفهوم التبشير الذي أنطلق في القرن السابع عشر تأسس على معطيات الإصلاح المضاد الذي أفرزه المجمع التريدنتيني (1545 – 1563م)، الذي أعلى من شأن مسؤولية البابا الراعوية والشاملة تجاه المسيحيين غير الكاثوليك واليهود والمسلمين والوثنيين، ولأن التبشير أصبح وسيلة مميزة للإقناع [15].

والحدث الكنسي الأبرز الذي أسس لمرحلة جديدة من عمل الإرساليات التبشيرية في الشرق هو قرار تأسيس مجمع التبشير بالإيمان Faith  The College For Propagation of the عام 1622م. ويقول البابا غريغوريوس الخامس عشر( 1445- 1621م) في قرار تأسيس ذلك المجمع عبر رسالة إلى الكرادلة: “إن مهمة البابا العليا تشتمل على كل ما يتعلق بموضوع خلاص الأنفس، وفي المرتبة الأولى، الاهتمام بالإيمان الكاثوليكي، لأنه يحب العمل على أمرين: الأول يكون في المحافظة على ذلك الإيمان عند المؤمنين حيث تم حثهم على المحافظة عليه بالتمام حتى بالعقوبات، والثاني يقضي نشره بين غير المؤمنين (المسلمين و اليهود و الوثنيين). فلذلك قررت الكنيسة المقدسة أن تتبع نوعين من التصرف: الأول هو الوسيلة الشرعية كونها أرست حكمة العقيدة المقدسة، والثاني ذو طابع معنوي أو بالأحرى رسولي، إذ يتم إرسال الإرساليات (التبشيرية) المستمر من العمال (رهبان الأخويات) بين الشعوب التي هي في حاجة اليها أكثر من غيرها”[16]

لقد شكلت سنة 1622م محطة مهمة في دفع الإرساليات التنصيرية نحو الشرق، إلا أن انطلاقة الإرساليات لم تكن في شكل عقبات محدودة متفردة ولوقت معين، بل لإقامة ثابتة وضمن مشروع متكامل. فكان الرهبان (الكبوشيون) أول الواصلين إلى بلاد المشرق وتبعهم الكرمليون[17] والأوغسطينيون[18] والفرنسيسكان[19] واللعازريون[20] وأخيراً الأخوة الوعاظ (الدومنيكان).

 

وكان الرهبان الدومنيكان قد قدموا إلى بلاد ما بين النهرين وكردستان ومارسوا رسالتهم بين النساطرة منذ القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، إلا أن أخبارهم انقطعت بعد ذلك كما أن بعثاتهم التنصيرية بين صفوف الأرمن كانت قد دمرت خلال الاضطرابات التي جرت في النصف الأول من القرن الثامن عشر[21] ، ولكن الإرسالية الكبوشية سبقت الجميع في المجيء إلى العراق ، فقد أسس الكبوشيون مركزاً لهم في الموصل سنة 1632م، وتمكنوا خلال فترة قصيرة من خلق نواة كاثوليكية بين عدد من الأسر الموصلية التي أتحدت مع روما أي اعتنقت المذهب الكاثوليكي[22]، كما أن جاثليق (بطريرك) النساطرة (إيليا الثامن) سمح لهؤلاء الكبوشيين بالدعوة للمذهب الكاثوليكي داخل كنائس طائفته النساطرة .

وبدلاً من أن يفلح هؤلاء الكبوشيين في إرجاع الهراطقة (النساطرة حسب تعبير اللاهوتيين الكاثوليك) فإنهم استطاعوا اصطياد أحد الكرد المسلمين من أهالي مدينة العمادية حيث أعتنق المسيحية وفق المذهب الكاثوليكي، وأصبح من أشد الدعاة إلى هذا المذهب إلا أن ذهب ضحية هذا العمل في بلاد الحبشة البعيدة عن موطنه كردستان بألاف الكيلومترات.

 

بطرس جيسي العمادي في حوليات البروبغندا

لقد نشر الأنبا شموئيل جميل التلكيفي رئيس الرهبانية الهرمزدية كتاباً باللغة الايطالية تحت عنوان (العلاقات بين الكرسي الرسولي والسريان المشارقة)، وهو يضم قسماً من المراسلات التي كانت تجري بين بطاركة كنيسة المشرق النسطورية وبين باباوات الفاتيكان، وفي إحدى تلك المراسلات وثائق حول شخص يدعى (بطرس جيسي) من أهالي العمادية ومن أبوين مسلمين إعتنق المسيحية ودافع بحرارة عن المذهب الكاثوليكي؛ حسب روايتهم، وفيما يلي نقرأ في سجل وحوليات تلاميذ كلية بروبغندا في المجلد الأول لمجموعة الوثائق لسنة (1633 – 1753م) في الورقة (15) ما يأتي: “إن (بطرس جيسي الفارسي) من مدينة العمادية قبل في الكلية (بروبغندا) في (17 آب ـ1647م) وله من العمر آنذاك ما يقارب (24) سنة (أي أن سنة ولادته حوالي 1623م حسب الحولية) وذلك بترشيح من الكردينال (بربرينو) وبقرار المجمع في 3 حزيران من عين السنة، وهو من والدين مسلمين وأدعى بأنه مدعو من الله أن يأتي إلى روما لكي يصبح مسيحياً سنة 1641م. وفي 7 أيلول سنة 1642م عمده المونسنيور (سكنارولا) في كنيسة سيدة الجبال في روما، وكان أشبينه السيد التقي الكونت (جيسي الفرنسي) بن سفير الملك (فرنسا) في القسطنطينية”[23] . رجع الأب بطرس جيسي بعد رسامته الكهنونية (أي أصبح قسيساً) إلى بلاده (كوردستان)، وعمل كثيراً في الرسالات والمواعظ وخصوصاً في مدينة آمد (دياربكر).

ويعتقد الباحث بأن هذا الكردي الذي تنصر لم يرجع إلى مدينته ومسقط رأسه حسب الرواية الايطالية بسبب خوفه من حدوث مما لا تحمد عقباه حيث كان يتهم بالردة والكفر، وعقوبة الردة عند المسلمين هي القتل، لا سيما وأن الدولة العثمانية التي كانت تحكم آنذاك كانت تعمل بالشريعة الإسلامية هي والإمارات الكردية المنضوية تحت رايتها.

بعد ذلك تذهب سجلات كلية البروبغندا بأن المدعو بطرس قد ذهب إلى القوش حيث التقى البطريرك النسطوري مارإيليا الثامن (1617 – 1660م) الذي سر بقدومه ورآه غيوراً على الإيمان المسيحي ويكمن محبة عميقة للكنيسة ووحدتها مع جميع الكنائس وخصوصاً مع روما التي عاش فيها سنوات عديدة وتعلم اللغة الإيطالية وتعرف على المسؤولين في الدوائر الرومانية، وقد إختاره البطريرك مع أثنين آخرين وهما: الأب مرقس والشماس طيمثاوس وكلفهم بالذهاب إلى روما لاطلاعهم على حالة المسيحيين في الشرق بصورة عامة وكردستان بصورة خاصة.

بعد ذلك تشن الوثائق حملة شديدة على بطرس وتتهمه بالتزوير ومحاولة اختلاس الأموال، واستغلال معرفته للشخصيات الكاثوليكية للوصول إلى مآربه.

وترك (بطرس العمادي) روما في طريق عودته إلى كردستان حسب المعتاد، ولكنه ذهب إلى الحبشة التي كانت تدين بالمسيحية وفق المذهب الأرثوذكسي، ولكن الكهنة الأرثوذكس هجموا عليه بالرماح ورجموه بالحجارة التي تكدست على جثمانه، فمات حباً بالمسيح سنة 1680م حسب رواية البروبغندا [24].

 

 

 

 

وصول المرسلين الدومنيكان إلى كردستان

عندما فشل مسيحيو الموصل من الكاثوليك في إعادة فتح الإرساليات الكبوشية التي كانت قد أغلقت أبوابها عام 1722م بعد أن تعرضت إلى السب والنهب وقتل مسؤولها الأب (بطا الكبوشي). التمس القس (خضر الكلداني) الموصلي المقيم في أوربا آنذاك هرباً من بطريرك النساطرة من البابا (بندكتس الرابع عشر) بفتح إرسالية لهم في هذه المدينة. وبعد تردد طلب البابا من رئيس الرهبانية الدومنيكانية بإعادة فتح إرساليتهم التنصيرية في بلاد مابين النهرين وكوردستان في سنة 1847م، ففي 17 كانون الثاني عام 1750م وصل مرسلان إيطاليين هما: (فرنسيس تورياني – Tarriani) و(عبد الأحد كوديلنشيني – Codeleoncini)، وأضيف إليهما بصورة مؤقتة الكرملي (لياندرد للقديسة سيلسيا) لمعرفته اللغة العربية والأماكن التي من المقرر التنصير فيها[25]. وقد استعان هذان المرسلان بمهمتهما الطبية فنالا النجاح في مهمتهما الدينية، سيما وأنهم تمتعوا بتأييد كاثوليك الموصل. ولما بلغ خبر مجيئهما مسامع أمير بهدينان بهرام باشا الأول بن سعيد خان بك الثاني (1714 – 1768م) وكان مريضاً، فأرسل في طلب الأب المرسل الطبيب (فرنسيس تورياني) لمعالجته، فلما نجح الأخير في مهمته، سمح الأمير(بهرام) بفتح فرع للإرسالية الدومنيكانية في العمادية تكون مرتبطة بإرسالية الموصل؛ مهمتها تغيير معتقد النساطرة المتواجدين في أقليم بهدينان إلى الكثلكة والاتحاد مع روما [26].

 

 

 

 

الرسالة الدومنيكانية في العمادية ونمو الكثلكة فيها

بعد أن سمح أمير العمادية (بهرام باشا) بفتح فرع للإرسالية الدومنيكية في العمادية سنة 1752م، تم تعيين الأب المرسل (عبد الأحد الأول – كوديليشيني) كأول مرسل لها. فلما توفي الأخير سنة 1753م تولى إدارة العمادية الأب (إيبولدو صولديني) وكان حاذقاً في علم الهندسة فضلاً عن مهارته في مهنة الطب. لذا جلب انتباه الأمير الكردي (بهرام باشا) الذي منحهم سنة 1770م كنيسة قرية ديري الواقعة على بعد عدة كيلومترات شرق العمادية والمعروفة بأسم (مارعبد يشوع)، حيث قام المرسلون الدومنيكان بتعيين اكليروس كاثوليكي؛ يقوم باجراء ليتورجياته وفق الطقوس الشرقية وليست اللاتينية. كما أن باشا العمادية حرض رعاياه المسيحيين من المذهب النسطوري على اعتناق مذهب المرسلين الدومنيكان (المذهب الكاثوليكي) والاتحاد مع روما [27].

وكانت جهود المرسلين الدومنيكان في إرساليتي الموصل والعمادية قد أسفرت عن تحول أكثر من ألفي نسمة في قرى منطقة الموصل والعمادية إلى الكثلكة بحلول سنة 1770م. فضلاً عن إقناع بطريرك النساطرة إيليا الثاني عشر (1778 – 1804م) إلى إرسال صورة إيمانه الكاثوليكي إلى البابا، كما أنها أسفرت عن اعتناق المطران (يوحنا هرمزد) المذهب الكاثوليكي[28]. وكان الأب (موريس) قد قصد العمادية سنة 1768م لمساعدة الأب (صولديني) حيث ألف كتاباً في أصول النحو ومعجماً مختصراً في اللغة الكردية، وطبعه في مطبعة إنتشار الإيمان في روما لفائدة المرسلين في التنصير في كردستان.

وفي سنة 1775م توفي الأب صولديني مسؤول إرسالية العمادية في زاخو ودفن فيها. كما أن وصيفه في الموصل الأب فرنسيس طورياني قد توفي في الموصل سنة 1767م، بعد أن خدم الرسالة الدومنيكانية فيها نحو سبع عشرة سنة ودفن في مقبرة آل عبد الجليل في كنيسة شمعون الصفا في الموصل [29].

ومن سخرية القدر أن الأب (والنتين) كان قدم إلى إرسالية الموصل سنة 1756م وكان حاذقاً في الطب. لذا طلب حضوره إلى جزيرة أبن عمر (جزيرة بوتان) لمعالجة إبن أميرها. ولكن الأب والنتين لم يفلح في إنقاذ إبن الأمير البوتاني، حيث توفي بين يديه، مما دعا الأمير الكردي إلى قتل الأب والنتين وإلقاء جثته في نهر دجلة [30].

وفي سنة 1775 – 1880م أغلقت الرسالة الدومنيكانية  في العمادية بسبب الخلاف الذي نشب بين والي الموصل سليمان باشا الجليلي ( 1775 – 1799) ووالي العمادية إسماعيل باشا  (1768 – 1798م ) حول عائدية دير الربان هرمزد في القوش، والصراع الذي كان جارياً بين مسيحيي الموصل التواقين إلى الكثلكة والإتحاد مع روما؛ والمدعومين من أمراء الموصل الجليلين، وبين أمراء العمادية الذين كانوا يحاولون جاهدين المحافظة على سيادتهم على دير الربان هرمزد حيث مقر البطريرك النسطوري (إيشوعياب) ورعيته من النساطرة المتواجدين في القرى والقصبات التابعة للعمادية . ولكن موت (سليمان باشا الجليلي) والي الموصل، وتولي أبنه (محمد باشا) مقاليد الأمور في الموصل سنة 1789م وتصالحه مع إسماعيل باشا (1768 – 1798م) أعاد المياه إلى مجاريها بين الجانبين، حيث أنه عندما تمرض (إسماعيل باشا) أمير العمادية، أرسل اليه الامير (محمد باشا الجليلي) الأب (مرقص بيانتا) لعلاجه، ولما شفي أكرمه (إسماعيل باشا)، ووهبه مرة أخرى كنيسة (مار عبد يشوع) في قرية ديري للمهتدين من المسيحيين (الكاثوليك) [31].

ولكن لم يبق هؤلاء المسيحيين المهتدين إلى الكاثوليكية يهنئون بهذه الحرية زمناً طويلاً، فما أن توفي (إسماعيل باشا) سنة 1796م والذي كان يسعى إلى نجاح الرسالة الدومنيكانية حسب مصدرهم، حتى خلفه إبنه (مراد بك) 1796 – 1804م الذي شرع في اضطهاد الكاثوليك وقطع لسان القس (كيسو المانكيشي) فمات القس من جراء ذلك، وفي رواية مسيحية أخرى أنه شفى بأعجوبة؟، وقتل (مراد بك) عدداً من الكلدان في العمادية وقرية ديري الواقعة شمالها الشرقي، وهرب قسيسها المدعو (عبدالكريم) إلى الموصل، وقد لخص الأب الدومنيكاني (منصور سابلائي) هذه الحوادث بقوله: “وكان المتخلف (الامير) لإسماعيل باشا أبنه مراد بك، ثم تغلب أخوه قباد بك ثم رجع مراد بك ثم أخوه عادل بك،وسنة 1798 انتهت النسطرة من بلاد مابين النهرين (أي في السهول دون الجبال)، وكان سنة 1803م في الموصل ألف وخمسمائة عائلة كاثوليكية اهتدت إلى النسطرة”[32].

 

كما يجب ان لا ننسى ان قرية بارزان نالها خلال فترة صراع المنصرين (المبشرين) الكاثوليك مع كنيسة المشرق النسطورية لإخضاع الاخيرة لكرسي روما مثل بقية المناطق الاخرى، فالبطريك يوحنا هرمزد النسطوري الذي التحق مع روما سنة 1778م وأصبح كاثوليكيا واخذ بالتبشير لدعوتها يقول في سيرته الذاتية عن قرية بارزان وما حصل فيها سنة 1790م ما يلي: “ربنا يسوع المسيح اضاء عقول ابناء قرى (ارينا) ([33])، و (برزان). كلاهما تقبلتا عقيدة الكنيسة المقدسة (= الكنيسة الكاثوليكية)) وتحرروا من الهرطقة (=هرطقة نسطوريوس) بواسطة ابن أخي المطران شمعون، الذي جلب كهنتهما عندي… فأكرمتهم فأعطيتهم ما تحتاجون اليه من كتب وآنية مقدسة، لتكون كنائسهم كما في البيع المسيحية وعادوا الى قرارهم” ([34]).

 

وهذ يدل على أن مسيحيو قرية بارزان وغيرها من القرى المحيطة بها غيروا عقيدتهم النسطورية (= أتباع كنيسة المشرق القديمة) الى الكنيسة الكاثوليكية تحت اسم الكلدان المتحدون بواسطة المطران شمعون ابن أخ البطريرك يوحنا هرمزد، بحلول نهاية القرن الثامن عشر.

وتذكر مصادر بطريركية بابل على الكلدان في الموقع الرسمي لها بقولها:” لقد استُخدمت العبارة: (الكنيسة الكلدانية)، رسميًا للدلالة على مجموعة من أبناء كنيسة المشرق الذين انتموا إلى الكنيسة الكاثوليكية أولاً في قبرص عام 1340، في زمن البابا مبارك الثاني عشر، لكّن هذا الاتحاد لم يدم. ثم في عام 1445 إثر مجمع فلورنسا، في زمن البابا اوجين الرابع. هؤلاء المشارقة القبارصة كانوا من بقايا الأسرى الذين ساقهم ملوك الروم وأسكنوهم في جزيرة قبرص، ومعظمُهم كان من منطقة أرزون. ثانيًا في القرن الثامن عشر، عندما أقام البطريرك الكاثوليكي كرسيَّه في دياربكر (أمد – تركيا)، استعمل التسمية هذه إلى جانب تسمية “الكنيسة الكاثوليكية”. وسَرَت تسميّة “الكنيسة الكلدانية” رويدًا رويدًا، وتغلّبت على التسميّات الأخرى، وخصوصًا عندما اتحد الكرسيّان الكاثوليكيّان: ديار بكر والموصل في شخص يوحنا هرمز عام 1828. من المؤكد أن هناك أختام بعض البطاركة “النساطرة” وشواهد قبورهم تحمل التسمية الكلدانية. واليوم قد استقرت هذه التسمية رسمياً للجانب الكاثوليكي من أبناء كنيسة المشرق”[35].

 

وفي نهاية القرن الثامن عشر، وتحت تأثير بطريركية آمد وبمعاونة الرهبان الكبوشيين والدومنيكان، انضّم معظم أبناء كنيسة المشرق في الموصل وسهلها إلى الكثلكة. فيذكر الأب دومينكو لانزا انه زار كرمليس في عام 1765، وأن اهلها كلهم كانوا قد اعتنقوا الكثلكة، وكذلك تلكيف وقرى خط القوش. وعندما رأى البطريرك إيليا الثاني عشر دنحا، في دير الربان هرمزد، ان التيار الكاثوليكي أخذ يشتد ويقوى ويتسع، اتصل مع روما وكتب عدة رسائل معربًا عن رغبته في الاتحاد معها. وبسبب تدخل يوسف الثالث، بطريرك آمد، لم تتحقق هذه الرغبة. وعندما خلفه ابن أخيه، إيليا الثاني عشر ايشوعياب (1778-1804)، عارضه بقوة يوحنا هرمزد، متروبوليت الموصل، أحد أنسبائه. وسبب هذه المعارضة كان في الغالب الاتصالات مع روما. لقد عدّ يوحنا هرمز نفسه كاثوليكيا منذ 1778، وثبتّته روما ميترا بوليتا على الموصل ومدّبرا بطريركيًّا. إلا انه لم ينصب بطريركا الا متأخرا بسبب معارضة أوغسطين هندي له، وشك روما في مصداقيته.

في سنة 1804 توفي إيليا الثالث عشر ايشوعياب، ولم يكن في عائلته ذَكَرٌ يمكن ان يخلفه، فخلت الساحة أمام يوحنا هرمزد. ولكن وجد من بين المعارضين: رهبان دير الربان هرمزد، وكان الأب جبرائيل دنبو المارديني قد أعاد إليها الحياة الديرية. ففضلوا عليه أوغسطين هندي. كما ان المرسلين اللاتين، كانوا قد بعثوا إلى روما تقريراً سلبياً عن خدمة يوحنا هرمزد، مما دفعها إلى تعيين هندي مدبراً بطريركيًا على كرسي بابل، وأوقفت يوحنا هرمزد عن الخدمة. ولكن موت أوغسطين هندي حل مشكلة وجود كرسيين بطريركيين في طائفة واحدة، وفي وقت واحد. فقام البابا بيوس الثامن بتثبيت يوحنا هرمزد رسميًا ” بطريرك بابل على الكلدان “Patriarch of Babylon of the Chaldeans”، وجعل كرسيّه في الموصل. كان ذلك في الخامس من تموز 1830، مع العلم أنه لا توجد علاقة كنسية ببابل وان الكرسي البطريركي كان في المدائن (ساليق وقطيسفون)، أي بغداد، ربما يعود هذا التبني الى كونها عاصمة الكلدانيين. هكذا اندمجت البطريركيتان: آمد والموصل، ومنذئذٍ حافظت السلسلة البطريركية – الخط الأول- على شركتها التامّة مع روما والى اليوم.

 

ومن جهة أخرى فإن البعثات البابوية استطاعت استقطاع الجزء الأكبر من مسيحيي قصبة قرقوش(= الحمدانية) من طائفة السريان الأرثوذكس وجلبهم الى حظيرة الكنيسة الكاثوليكية باسم ( السريان الكاثوليك)، وتجدر الإشارة الى أن قرقوش تعد أكبر قصبة مسيحية وسريانية في الشرق الأوسط، وتسَمَّى عين السريان، وكانت أرثوذكسية إلى نحو سنة 1800م، والآن بحدود 90 بالمئة من سكانها، سريان كاثوليك، والباقي سريان أرثوذكس، وقد حظيت كثلكة السريان بمساندة قوية من أسرة الجليلين، الذين حكموا الموصل في تلك الحقبة. وفي سنة 1839م، أصبح دير مار بهنام بحوزة السريان الكاثوليك.[36]

 

ومن جانب آخر يبدو أن هناك تناقضاً في المصادر والمراجع المسيحية بخصوص موقف أمراء العمادية من نشر الكثلكة في ربوع المسيحيين النساطرة (=الاثوريين- الاشوريين) رعية أمير العمادية، ففي الوقت الذي يكيلون المدح للأميرين (بهرام باشا) و (أسماعيل باشا) نراهم يكيلون التهم جزافاً بحق الأمير (مراد بك)، فهو حكم سنة 1796م– 1798م على خلاف بين المصادر. وفي هذه السنوات[37] انتهت النسطرة في منطقة السهل في نينوى والعمادية، أي أن جميع القرى المحيطة بالعمادية في شرقها وفي غربها (وادي صبنه) قد اعتنقت الكاثوليكية وتركت النسطرة. بعكس القرى الواقعة في شمالها (قرى عشيرة برواري بالا ونيروة وريكان)، فأنها لا زالت حتى كتابة هذه الأسطر مؤمنة بالعقيدة النسطورية.

وعلى أية حال فقد كان لبهرام باشا وإبنه إسماعيل دور كبير في تغيير الخارطة المذهبية لمسيحيي منطقة بهدينان فإليهما يرجع الفضل في اهتداء قرى: ديري ـ بيبادي ـ قدش ـ بيناتا ـ إنيشكي ـ أرادن ـ تنا ـ داودية ـ هرماش ـ آزخ- دير مارياقو- ديربون- فيشخابور – بيدار- بيرسفى وغيرها، إلى الكاثوليكية والاتحاد مع روما.

 

وفي نهاية القرن الثامن عشر، وتحت تأثير بطريركية آمد وبمعاونة الرهبان الكبوشيين والدومنيكان، انضّم معظم أبناء كنيسة المشرق في الموصل وسهلها إلى الكثلكة. فيذكر الأب دومينيكو لانزا انه زار كرمليس في عام 1765، وأن اهلها كلهم كانوا قد اعتنقوا الكثلكة، وكذلك تلكيف وقرى خط القوش. وعندما رأى البطريرك إيليا الثاني عشر دنحا، في دير الربان هرمزد، ان التيار الكاثوليكي أخذ يشتد ويقوى ويتسع، اتصل مع روما وكتب عدة رسائل معربًا عن رغبته في الاتحاد معها. وبسبب تدخل يوسف الثالث، بطريرك آمد، لم تتحقق هذه الرغبة. وعندما خلفه ابن أخيه، إيليا الثاني عشر ايشوعياب (1778-1804)، عارضه بقوة يوحنا هرمزد، متروبوليت الموصل، أحد أنسبائه. وسبب هذه المعارضة كان في الغالب الاتصالات مع روما. لقد عدّ يوحنا هرمز نفسه كاثوليكيا منذ 1778م، وثبتّته روما ميترا بوليتا على الموصل ومدّبرا بطريركيًّا، الا انه لم ينصب بطريركا إلا متأخرا بسبب معارضة أوغسطين هندي له، وشك روما في مصداقيته.

وفي سنة 1804 توفي إيليا الثالث عشر ايشوعياب، ولم يكن في عائلته ذَكَرٌ يمكن ان يخلفه، فخلت الساحة أمام يوحنا هرمزد. ولكن وجد من بين المعارضين: رهبان دير الربان هرمزد، وكان الأب جبرائيل دنبو المارديني قد أعاد إليه الحياة الديرية. ففضلّوا عليه أوغسطين هندي. كما ان المرسلين اللاتين، كانوا قد بعثوا إلى روما تقريراً سلبياً عن خدمة يوحنا هرمزد، مما دفعها إلى تعيين هندي مدبراً بطريركيًا على كرسي بابل، وأوقفت يوحنا هرمزد عن الخدمة. ولكن موت أوغسطين هندي حل مشكلة وجود كرسيين بطريركيين في طائفة واحدة، وفي وقت واحد. فقام البابا بيوس الثامن بتثبيت يوحنا هرمزد رسميًا” بطريرك بابل على الكلدان “Patriarch of Babylon of the Chaldeans”، وجعل كرسيّه في الموصل. كان ذلك في الخامس من تموز 1830، مع العلم أنه لا توجد علاقة كنسية ببابل وان الكرسي البطريركي كان في المدائن (سأليق وقطيسفون)، أي بغداد، ربما يعود هذا التبني الى كونها عاصمة الكلدانيين. هكذا اندمجت البطريركيتان: آمد والموصل، ومنذئذٍ حافظت السلسلة البطريركية-الخط الأول-على شركتها التامّة مع روما والى اليوم.

 

 

الدومنيكان ومحاولة تنصير المسلمين

 

وغني عن القول ان الارسالية الدومنيكانية كان شغلها الشاغل في تلك الاونة ، هي إدخال النساطرة في المسيحية، أو الايمان القويم حسب تعبير كتاب حوليات الرهبنة الهرمزدية الكلدانية في القوش، ففي معرض الاشارة الى نشاط رئيس الرهبنة الدومنيكانية بخصوص ادخال النساطرة في الكثلكة: ” في يوم 12تموز1842م جاءنا الاب انطون مرجان الدومنيكي رئيس الرهبنة الدومنيكانية ، والاب يوسف رسول الكنيسة، قدما بصحبة مار يوسف أودو، وكانوا في طريقهم الى قودشانوس(= قودشانس مقر مار شمعون في منطقة هكاري)، لاعادتهم الى الايمان القويم، وفي طريقهم مروا بقرية أرادن( = غرب مدينة العمادية)، الا أنهم عادوا أدراجهم بسبب خوفهم من اسماعيل باشا(= آخر امير بهديناني على العمادية)، ومكث الاب انطون لدينا يوماً واحداً ثم توجه الى الموصل…” [38].

وهناك أمر غريب ورد في حولية الرهبنة لسنة 1856م، حول إعتناق ثلاثة مسلمين للمسيحية طواعية؟، وأن مركزهم الاجتماعي والديني مرموق: ” في اليوم الرابع من شهر آب(1856م) المصادف يوم الاثنين، قدم الى الدير (= مارهرمز في جبل القوش) عندنا الباليوز (= نائب القاصد الرسولي البابوي في الموصل)، ومكث عندنا ثلاثة أيام ثم ذهب الى قرية مارياقو (= قرية قشفر الواقعة شمال غرب مدينة دهوك). وأثناء وجوده هناك قصده ثلاثة من المسلمين قادمين من منطقة الجزيرة(= جزيرة بوتان)، اسم الأول (علي آغا)، واسم الثاني (الملا احمد)، واسم الثالث (الشيخ قاسم)، وثلاثتهم من عشيرة معروفة وذات شأن، جاء هؤلاء الثلاثة خفية الى القاصد الرسولي ليعتنقوا المسيحية، فأرسلهم القاصد الى الدير عندنا سراً، لنقوم بتعليمهم مباديء الايمان، فحلوا في الهيكل التحتاني من فناء الكنيسة، وهناك باشرنا بتعليمهم مباديء الايمان وما يلزم من أجل تهيئتهم لتقبل سر العماد، فتعلموا صلاة (أبانا الذي في السموات)، وصلاة (السلام لك يا مريم)، وقانون الايمان ومباديء أولية مختصرة من التعليم المسيحي. ولقد تمرض أحدهم وأشتد عليه المرض، إلا أنه شفي، ولقد تعب الاخوة كثيراً في خدمتهم. وإنتابنا خوف كبير من أن يكشف سرهم، ويصيبنا أذى كبير بسببهم لأنهم كانوا من الاشخاص المعروفين من قبل أناس كثيرين. وكتبنا رسائل كثيرة الى البطريرك (= مار يوسف أودو) والى القاصد (= المندوب البابوي لدى الكلدان في الموصل) من أجل نقلهم من الدير الى مكان آخر، عندئذ أرسل البطريرك طالباً القيام بتعميد لاشخاص الثلاثة المذكورين داخل الهيكل سراً، وأن يقوم بعملية التعميد الاب لويس النازل عندنا في الدير، فقام الكاهن المذكور بتعميدهم في الهيكل سراً، وقمنا بإرسالهم ليلاً الى الى الموصل عند القاصد الرسولي ليتدبر شأنهم” [39].

وبعدها سكتت الحولية عنهم وأشارت الى أمور اخرى تخص حياتهم اليومية، ولكنها في حولية سنة 1857م تطرقت مرة أخرى الى ما جرى لهم، حيث تنكر الجميع لهم إعتباراً من البطريرك اللاتيني في القدس، فضلاً عن المؤسسات الكاثوليكية في جبل لبنان؛ ربما بداعي الخوف من الدولة العثمانية، لذلك تم إعادتهم الى دير مار هرمز، ومن ثم تم إرسالهم الى السليمانية وهناك إنقطعت أخبارهم، ونظراً لاهمية هذا الموضوع، سندرج أدناه ما تبقى من الحولية بشأنهم:” الرجال الاسماعيليون الثلاثة الذين مكثوا عندنا في الدير فترة شهرين، والذين قمنا بتعليمهم الامور الايمانية الضرورية، والذين قمنا بتعميدهم على يد الاب لويس، صديق القاصد الرسولي(= البابوي) بناديكتوس، هؤلاء الثلاثة أُرسلوا الى جبل لبنان من قبل البطريرك والقاصد الرسولي، ومنها الى أورشليم(=القدس) لدى البطريرك (واليركا) اللاتيني، إلا أنه رفض قبولهم، كما رفضوا من قبل الجميع في جبل لبنان كله؛ لهذا السبب عادوا مرة أخرى الى ديرنا، ومكثوا عندنا خمسة عشر يوماً، بعدها أرسلناهم الى القاصد في الموصل، وقام الاب أوغسطين مركي رئيس دير الآباء الدومنيكان في الموصل الذي قام بتدبير شأنهم وأرسلهم الى السليمانية”[40]، وهناك إنقطعت أخبارهم.

ويبدو ان هؤلاء المنصرين من الدومنيكان الفرنسيين، ونظراؤهم مسيحيي الموصل كانوا وجلين من أن تعلم الدولة العثمانية بما يقومون به من محاولة تنصير المسلمين أنفسهم، لذا كان كل جانب يحاول ارسال هؤلاء المرتدين الثلاثة الى مكان اخر بغية تعليمهم وتربيتهم على نهج المسيحية وفق رواياتهم؛ التي يعوزها الدليل من جهة اخرى، سيما وان هؤلاء الثلاثة كان أحدهم عالم دين والآخران آغوات. لذا يجب الحذر في تقبل تلك الرواية، في تلك الحقبة من منتصف القرن التاسع عشر، رغم صدور بعض الفرمانات من الدولة العثمانية تحت ضغط الدول الاوربية بالمساواة بين المسلمين وغيرهم. ومن جهة اخرى فان هذه الرواية تثبت بما لا يدع مجالاً للشك: بأن هؤلاء الرهبان وأسيادهم من الارساليات الدومنيكية والكرملية والكبوشية واليسوعية كانوا ولازالوا ينفذون مخططات عجيبة غريبة ضد أبناء وطنهم المسلمين!

 

وكان الكاتب الاشوري الشهير (هرمزأبونا) قد شن حملة شديدة على الارساليات الكاثوليكية التي أرسلتها (باباوات روما) بقصد تمزيق الشعب الآشوري الى عدة أقسام تمهيداً لاحتوائه، فهو يقول بهذا الصدد ما نصه:” كان ذالك التقوقع الطائفي المبني على الخلافات المذهبية التي كانت قد باعدت بن ابناء شعب وامة واحدة. والحالة التي كانت قائمة بين الأشوريين (= النسطوريين) من أتباع الكنيسة الشرقية. واخواتهم ابناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية على سبيل المثال كانت نموذجا لذلك. او ما آلت اليه حالة الانقسام المأسوية في الكنيسة الشرقية ذاتها حين انقسمت الى فرعين (نسطوريين)، منذ اواخر القرن السادس عشر. فأصبح لها خطين بطرير كيين يتمثلان بالخط البطريركي المنحدر من مار أدي ومار ماري والذي استقر به المطاف في دير الربان هرمزد بالقرب من (ألقوش). والخط المنشق المعروف بخط (البطاركة الشمعونيين)، والذي أول سلسلته تنحدر من المحاولة الأولى لروما سنة 1551م لخلق خط كاثوليكي يتبعها من بين مؤمني الكنيسة الشرقية، والذي استمر من (سنة 1553 الى سنة 1579م)، ودخل التاريخ باسم بخط (مار يوحنا سولاقا) الذي استهل نشاطه في أمد(دياربكر) وانتهى المطاف بثالث بطاركته وآخرهم في سعرت (= سيرت). أما رابعهم (مار شممون دنخا) الذي عاد خلفائه الى عقيدة وأمان الكنيسة الشرقية، ولكن بفرع مستقل – حسب تقويم البطاركة الشمعونيين- اذ أصبح يعرف بخط (مار شمعون) والذي كانت مدينة (أورميه) اول مقر له. ثم تنقل من مكان لاخر ليستقر المقام به أخيراً في قرية (قودجانس) في هكاري. ومنذ سنة 1580م اصبحت أبرشيات الكنيسة الشرقية، موزعة بين البطريركيتين النسطوريتين: السهلية، والجبلية، لحين بروز خط بطريركي ثالث في سنة 1681م، وهو خط البطاركة اليوسفيين في (أمد- دياربكر) الخاضع لروما والذي حتى اختفائه النهائي سنة 1828م لم يتجاوز في انتشاره وحدوده الجغرافية مدن آمد وماردين.

ومنذ الربع الاخير من القرن الثامن عشر أصبح الخط السهلي – وبحكم موقعه الجغرافي- هدفا سهلا للحملة الكاثوليكية التي اشتدت إبان الانحطاط العثماني، وهيمنة فرنسا وبريطانيا على مقدرات وسياسة الدولة العثمانية. وكان قدر الشعب الاشوري (= النساطرة- الاثوريين) وكنيسته، ان يتعرض هذا الخط البطريركي الى عملية إخضاعه والسيطرة عليه، من قبل البعثات التبشيرية الكاثوليكية العاملة في السهول (= الدومنيكان والكبوشيون)، وبدعم مباشر من فرنسا والعثمانيين”[41].  .

بعدها يتطرق الكاتب الآشوري الى النتائج التي تمخضت عنها هذه الحملة العنيفة من الارساليات التبشيرية الكاثوليكية المدعومة من فرنسا، وبتواطؤ عثماني، حيث اختفى الخط البطريركي المار شمعوني(= النساطرة) من السهول (= سهل نينوى) كلياً :” ومنذ اوساط القرن التاسع عشر, اختفى هذا الخط البطريركي للكنيسة الشرقية من السهول, وحل محله المجموعة التي شكلت منها روما (الكنيسة الكلدانية) التي اصبحت تجاور جغرافيا، أختها الكنيسة الشرقية (النسطورية) –  خط مار شمعون- سواءً في المناطق الواقعة الى الجنوب من وطن القبائل المستقلة حيث الكثافة الكلدانية ( = العمادية والزيبار وعقرة)، أو التجمعات المتفرقة التي كانت تتبع الكنيسة الكلدانية في المناطق الواقعة الى الغرب من وطن هذه القبائل في منطقة الجزيرة والمناطق الواقعة في الاجزاء الشمالية لبلاد ما بين النهرين (= زاخو ودهوك وسهل نينوى)، أو أولئك المنتشرين بين التجمعات الاشورية.

وبهذا يظهر لنا بأن الارساليات البابوية الكاثوليكية كان لها دور كبير في إضعاف أتباع كنيسة المشرق، والكنيسة السريانية الأرثوذكسية بتحويل غالبية اتباعهما إلى الكثلكة عن طريق الارساليات البابوية من جهة ، وعن طريق رعاة الكنيسة الكلدانية فيما يخص النساطرة – أتباع كنيسة المشرق. وكنيسة السريان الكاثوليك فيما يخص أتباع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية القديمة، وحتى بالنسبة للأرمن، فإنهم استطاعوا اقتطاع قسم منهم تحت مسمى (كنيسة الأرمن الكاثوليك).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع والهوامش

 

 

[1]– أدي شير، تاريخ كلدو وآشور، بيروت، 1913،ج 2، ص2 ؛ فرست مرعي، تاريخ اليهودية والمسيحية في كردستان، دار ئاراس، أربيل، 2008م، ص61.

[2] –  فرست مرعي، تاريخ التبشير المسيحي في كردستان، السليمانية، اكاديمية التوعية وتأهيل الكوادر، 2011م، ص6.

[3] – سلوى بالحاج صالح العايب، المسيحية العربية وتطوراتها من نشأتها الى القرن الرابع الهجري، بيروت، دار الطليعة، 1997م، ص27

[4] – عبد الوهاب المسيري، الحلولية ووحدة الوجود، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر،2018م، ص277، 313 – 314.

[5] – لمزيد من المعلومات، ينظر: فرست مرعي، بارزان في المصادر التاريخية، جامعة زاخو، مركز الدراسات الكردية، 2019م، ص

[6] – ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود وزميله، 2013م، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، دار الجيل للطبع والنشر والتوزيع، مج3، ص3921.

[7] – فرست مرعي، محاضرات في تاريخ الخلافة العباسية، صنعاء، دار منتدى الكتاب، ص17.

[8] – – القمص ميخائيل جريس ميخائيل، تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – مذكرات في تاريخ الكنيسة المسيحية البدع والهرطقات، الأبيونية.

[9] – صحيفة البيان الإماراتية، الفرق والمذاهب المسيحية، في 28 رجب 1442هـ 12مارس 2021م.

[10] – ميشال عون، البدعة الأريوسية، المجلة الكهنوتية المارونية، السنة السادسة والعشرون، العدد الأول، كانون الثاني 1996، بيروت – لبنان، ص.7.

[11] – فؤاد يوسف قزانجي، أصول الثقافة السريانية في بلاد ما بين النهرين، عمان – الأردن. دار دجلة، ص 117.

[12]– عبد القادر أحمد اليوسف: العصور الوسطى الأوربية، مطابع مؤسسة دار الكتب للنشر في جامعة الموصل، (د.ت)، ص 245.

[13]– الالبجنسيين: فرقة مسيحية زاوجت في إنكارها بين المسيحية والمانوية، لذلك اعتمدت على الزهد والتقشف كمنهج لحياة أنصارها، حوربت هذه الفرقة بشدة وقسوة متناهية من قبل باباوات روما.

[14]– عبد القادر أحمد اليوسف: المرجع السابق، ص247، 250 – 251.

[15]– الأب سليم دكاش: المسيحية عبر تاريخها في المشرق، مجلس كنائس الشرق الأوسط، بيروت، الطبعة الثانية 2000م، ص689 – 690.

[16]– الأب سليم دكاش: المرجع السابق، ص690 نقلاً عن برنار هيبرجيه.

[17]– الكرمليون: وهم رهبان كاثوليك، نشأت طائفتهم في أول الأمر على جبل الكرمل في فلسطين، ثم نزحوا إلى قبرص عام 1238، ومنها على اوربا. ينظر: غسان دمشقية: لاهوت التحرير، الأهالي للطباعة والنشر، دمشق الطبقة الأولى 1990، ص 188.

[18]– الأوغسطينيون: إحدى الرهبانيات الكاثوليكية مؤسسها القديس أوغسطين، سافر أتباعه إلى الهند الشرقية في 18 آذار 1578م وكانوا في مضيق هرمز منذ سنة 1576م، ومن هناك توغلوا في إيران في عهد الشاه عباس الأول، وقد أحسن إليهم هذا الشاه الصفوي. ينظر: اوجين تسران: خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية، نقلها إلى العربية القس سليمان صائغ، الموصل 1939، ص176.

[19]– الفرنسيسكان: وهم أتباع القديس فرنسيس، ينقسمون إلى ثلاث طوائف وهم: الرهبان الصغار، وهم أكبر الطوائف، والكبوشيون والديريون، تمسك الفرنسيسكان منذ البداية بحياة الفقر المدقع ولم يسمحوا لأنفسهم بإمتلاك شيء مطلقاً، كانت لهم في القرون الوسطى حركة علمية مرموقة. ينظر: غسان دمشقية، دار الأهالي، دمشق،1990م، ص183.

[20]– اللعازريون: رهبانية فرنسية مؤسسها أوجين بوره، جاء بمهمة إلى إيران من قبل مديرية معارف فرنسا والمجمع العلمي للخطوط والآداب. ينظر: أوجين تسران: خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية، ص 182 – 183.

[21]– الأب البير أبونا: تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية، ج3، ص 230.

[22]– عماد عبد السلام رؤوف: الموصل في العهد العثماني، مطبعة الآداب – النجف، 1395هـ – 1975م، ص 327.

[23]– المطران عمانويل دلي: مبادرات الاتحاد بين بطاركة بابل وروما في القرن السابع عشر، القسم الخامس، مجلة نجم المشرق، العدد 27 في 2001م، ص 349 – 350.

[24]– المطران عمانوئيل دلي: مبادرات الاتحاد بين بطاركة بابل وروما في القرن السابع عشر، القسم السادس، مجلة نجم المشرق، العدد 28 في 2001، ص486 – 493.

[25]– يوسف حبي: التراث الكردي في مؤلفات الإيطاليين: مجلة المجمع العلمي العراقي الهيئة الكردية، المجلد الثامن، 1981، ص239.

[26]– م. ابراهيم: الدومنيكيون – نشأتهم – إرساليتهم ودورهم الإنساني والثقافي والعلمي في البلاد، مجلة الصوت الكلداني، العدد 4، 1999، ص 45 – 46.

[27]– الأب بطرس نصري الكلداني: كتاب ذخيرة الأذهان في تواريخ المشارقة والمغاربة والسريان، دير الآباء الدومنيكان، الموصل 1913، ج2، ص 356 – 357.

[28]– الكاردينال اوجين تيسران: خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية، نقلها إلى العربية القس سليمان الصائغ. الموصل 1939، ص 178 – 179.

[29]– بطرس نصري: ذخيرة الأذهان، ج2 ص 357.

[30]– م. أبراهيم: الدومنيكيون، ص46.

[31]– بطرس نصري: ذخيرة الأذهان، ج2 ص 391.

[32]– بطرس نصري: المرجع السابق، ج2، ص 390 – 391.

 [33]- الصحيح قرية هيران التي هي الآن مركز ناحية هيران التابعة لقضاء شقلاوة وجل سكانها كورد مسلمون. ينظر: السيرة الذاتية للبطريرك يوحنا هرمزد: عربها وحققها الاب الدكتور بطرس حداد، مجلة بين النهرين، العدد 34-35، 1981م، ص251.

[34]– السيرة الذاتية للبطريرك يوحنا هرمزد: عربها وحققها: بطرس حداد، مجلة بين النهرين، الموصل، العدد 34-35، 1981، ص251.

[35] -خلاصة تاريخ الكنيسة الكلدانية، https://saint-adday.com/

[36] – موفق نيسكو، مسيحيو العراق والرحَّالة كارستن نيبور، https://www.ahewar.org

[37]– عماد عبد السلام: الموصل في العهد العثماني: ص163 – 167، بطرس نصري: ذخيرة الأذهان، ج2، ص 390.

[38]– حوليات الرهبنة الهرمزدية الكلدانية، ترجمة وتحقيق بنيامين حداد الموصل، منشورات مركز جبرائيل دنبو الثقافي،2008، ص 203.

[39]-. حوليات الرهبنة الهرمزدية الكلدانية، ص 282-283.

[40]-. المرجع نفسه، ص 286 – 287.

[41]– هرمز أبونا: الاشوريون بعد سقوط نينوى – القبائل الاشورية المستقلة الولايات المتحدة الامريكية، الينوي- شيكاغو، 2005، ج5، ص 189-190.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

‎ٲ.د. فَرسَت مرعي

د.فرست مرعي اسماعيل مواليد ۱۹٥٦ دهوك ٲستاذ التاريخ الاسلامي في جامعة دهوك له ۲۱ كتابا مؤلفا باللغتين العربية والكردية ، و٤۰ بحثا ٲكاديميا في مجال تخصصه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً