المقالات

العنف ضد المرأة من منظور إسلامي

الأستاذ الدكتور صباح محمد البرزنجي
رئيس مركز الزهاوي للدراسات الفكرية

لايخفى على الناقد البصير أن العنف أصبح في هذه الأيام ، سمة غالبة على الحياة الإنسانية ، العنف ليس على المرأة فحسب وإنما على كل إنسان يعيش على وجه البسيطة . لكن العنف على المرأة له وقعه الخاص ، نظراً لكون المرأة مقهورة على مر التأريخ أكثر من الرجل ، ونظرا لأنها كافحت كثيرا لتنال حقوقها الطبيعية الشاملة للحقوق السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية .
إن بحثي المختصر و المقتضب هذا ينصب على نقطة جوهرية وهي كيفية حماية المرأة من العنف من وجهة نظر الإسلام ، أي من خلال نصوص القرآن و السنة ، وقبل أن أبدأ بسرد نماذج من هذه النصوص ، أود أن اؤكد على مجموعة من النقاط :
أولاً : إن العنف ضد المرأة لم يكن يوما من الأيام أمرا إبتدعه المسلمون أو الإسلام ، بدليل وجود العنف وبصورة أكثر بشاعة في سائر المجتمعات ، إذ أننا نسمع يوميا و نرى ما تلاقيه المرأة من صنوف العذاب والإضطهاد ، رغم وجود كثير من الأنظمة و القوانين و الأجهزة التي وضعت أساسا للدفاع عن المرأة .
ثانيا : إن الكثير من المسلمين في الوقت الحاضر وفي تعاملهم مع المرأة بالذات لا ينطلقون من المبادئ و التعليمات الدينية و من النصوص الشرعية ، لأنهم غير ملتزمين بها بتاتا ، ولهذا نجد المرأة في البيوت و المجتمعات الملتزمة أقل تعرضا للعنف قياسا بالتي تعيش في أوساط غير متدينة .
ثالثا: ليس بإمكان القوانين و المحاكم وحدها ، أن تحد من ظاهرة العنف وسريانها في المجتمع ، بل لابد أن توجد بجانب القانون تربية أخلاقية إجتماعية وأسرية ومدرسية ، لتسهم هي بدورها في إعداد الجو و المناخ الملائم لبسط ثقافة التسامح و اللاعنف بين الأفراد .
في البداية أود القول أن في الإسلام نصوصا عامة و خاصة في منع العنف ، النصوص العامة هي التي تدعو كل إنسان الى إحترام الآخر و الإحسان إليه وحتى مقابلة الإساءة بالإحسان وعدم تجاوز الحقوق و الحدود في التعامل معه . منها قوله تعالى : ولا تستوي الحسنة و لا السيئة إدفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم . وقوله تعالى : ويدرؤن بالحسنة السيئة ، اولئك لهم عقبى الدار .
والمنع من إيذاء الناس في قول تعالى : والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد إحتملوا بهتانا وإثما مبينا . والتوصية المستمرة بإشاعة الرحم و الرأفة : ثم كان من الذين آمنوا و تواصو بالصبر و تواصو بالمرحمة . والنصوص في هذا المجال من الكثرة بحال بحيث لا يمكن حصرها وكلها تؤكد على ضرورة نبذ العنف و إشاعة الأمن و الأمان .
أما النصوص الخاصة بالمرأة ، فإنها تبدأ من حيث تتكون الأسرة ، حيث يتمتع الوالدان وخصوصا الأم بعناية فائقة من لدن القرآن الكريم : ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي و لوالديك إلي المصير . قرن شكرهما بشكر الله . وفي آية أخرى قرن الإحسان اليهما بالعبادة لله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا .
والأسرة في الإسلام بمثابة سياج وقائي للفرد و للمجتمع ، إذ أنها النواة الإجتماعية الأولى لتنشئته ، ولهذا فقد أولاها الإسلام أهمية بالغة ، بوضع تشريعات غاية في الدقة ، فيما ينعلق بتكوينها و تنظيمها و تأطير العلاقة بين الزوجين بإطار عقد قانوني ملزم للطرفين ومنشئ لإلتزامات مالية وأدبية و معنوية ، وعُدّ الزواج رابطة ود وإمتزاج روحين : يا ايها الناس إتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوالله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا . ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة و رحمة .
والقاعدة الأساسية هي المساواة بين الرجل و المرأة في الحقوق و الواجبات ، كما أكد عليه قوله تعالى 🙁 ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) ، وثمة إستثناء على هذه القاعدة (وللرجال عليهن درجة ) في بعض مسائل المعاملات و التشريعات التي يكون للرجولة و الأنوثة دور ، وهذا الإستثناء بنظرنا هو في صالح المرأة و ليس العكس ، ففي نظام المهر و النفقات ، تعطى المرأة حقا ماليا إضافيا ، يضمن لها دوما رأس مال خاص بها ، بحيث لو أحسن الناس التطبيق كانت المرأة أحسن حالا من الرجل . وليس هذا حطا من قيمة المرأة أو سببا لتبعيتها للرجل كما يصوره بعضهم ، لأن الشريعة تمنع الرجل من تجاوز حدوده و حقوقه المرسومة ، ومن يتعد حدود الله فاولئك هم الظالمون .
وحين نلاحظ بعض الفوارق بين الرجل و المرأة في أمور تشريعية عامة وخاصة يبدو لنا في الوهلة الأولى أنها تمييز لامبرر له ، لكن الأمور لا تعالج هكذا خاصة وأن لكل حكم شرعي اسبابه الموجبة و غاياته الإجتماعية فلا يعقل أن تطلق الأحكام جزافا دون البحث عن علل هذه الفوارق . و الحكمة تقتضي الوقوف مليا عند هذه الظاهرة لتبين ما يخفى على بعض الأذهان .
إن الحقائق الموضوعية الثابتة بالأرقام تؤكد أن المرأة في خضم الأوضاع الإقتصادية بحاجة الى حماية اكثر مما يحتاجه الرجل ، و أنها أكثر عرضة للتجاوز عليها وهضم حقوقها ، مثلما يحدث في كثير من اماكن العمل ، و هذه الحماية يجب أن تكون شاملة لكافة الجوانب ( الجانب الجسدي و النفسي و الروحي و الأخلاقي ) والأهم أن لا تضطر المرأة بدافع إقتصادي أن تتنازل للرجل وكذلك لا يستغل الرجل عمل المرأة من أجل إستعبادها و منعها من التمتع بحقوقها كإنسانة و زوجة و أم . إذ أن الإسلام يتعامل مع المرأة على هذا الأساس ، أن يُنظر اليها كإنسانة لها كافة الحقوق الإنسانية ، و من ثم يُنظر اليها كزوجة حرة كريمة في أُسرة قائمة على معاني الحب و الألفة و الإحترام المتبادل زوجة تتمتع بحقوق و تؤدي واجبات معينة ومحددة ، و كذلك ينظر اليها كأم لها من الحقوق الإضافية ما تضمن بها مستقبلا هادئا و هانئا تشعر فيه بالأمان و الإطمئنان .
وقد منع الإسلام على المجتمع إكراه البنات على الزواج كما ينص عليه قوله تعالى : فلا تعضلوهن ان ينكحن ازواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف وكما ورد في الحديث الصحيح المروي عن ابن عباس ان جارية بكرا اتت النبي –ص- فذكرت ان اباها زوّجها وهي كارهة . فخيرها رسول الله ، وكما أكد عليه جمهورفقهاء المذاهب الإسلامية ، لأن العقد لابد أن يكون قائما على الرضا و عقد الزواج ينبغي أن يتوفر فيه مع الرضا عنصر التكافؤ ايضا . لأن للزواج في المنظور الإسلامي قدسية لا تتحقق إلا بتوفر هذين العنصرين ، ولهذا وصف بالميثاق الغليظ في قوله تعالى : وأخذن منكم ميثاقا غليظا .
و فيما يتعلق بنوع العلاقة بين الرجل و المرأة ، فليست العلاقة علاقة الند بالند و النقيض بالنقيض ، وإنما علاقة التكامل و التوادد و التناصح و التعاون ، وهذا هو الأصل الذي يبنى عليه المجتمع و الأسرة ، ولأن الرجل هو الذي يكثر منه التجاوز و التحامل على المرأة و ليس العكس فقد كان هو المخاطب و هو المسؤول عن وضعية المرأة وحسن المعاشرة و التعامل معها ، لا المرأة التي هي الجانب الأحوج الى الحماية على مر التاريخ ، ولأن الرجل هو الأحوج الى التوجيه و الإرشاد ، كي لا يتمادى في غيه و لايجهل حق المرأة عليه .حتى في حالة الكراهية لا يجوز للرجل أن يعامل زوجته بالقسوة ، بل عليه أن يعاشرها بالمعروف : وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا و يجعل الله فيه خيرا كثيرا . إن الشخص الملتزم بدينه حين يقف حيال هذا النص يبرز لديه نوع من التعقل و التبصر فيراعي جانب المصلحة فيما يخصه و يخص زوجته ، فلا يندفع إندفاعا شهوانيا ليضر بنفسه و بزوجته في آن واحد . بدليل أن المتعة و اللذة ليستا بذاتهما غاية ، إلا بمقدار ماتترتب عليهما من مصالح للفرد و المجتمع . و لاابالغ إذا قلت أن السعي وراء الشهوات و الغرائز يأتي رديفا للفضائل و المكارم ، من وجهة نظر أكثر الفلاسفة و المفكرين ومن ضمنهم فلاسفة المسلمين و مفكروهم .وحين يصل الزوجان الى الشقاق و النزاع فإن القرآن يدعوهما الى الإنصياغ لمنطق العقل وهو أن يحكما بينهما شخصين واحدا من أهله و واحدا من أهلها لغرض الإصلاح بينهما : وإن خِفتم شِقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله و حَكَما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفقِ الله بينهما .
وإذا كانت المرأة في وضع تخاف النشوز أو الإعراض من زوجها فإن الصلح هو الخير الذي ينبغي المصير اليه ، وهذه حالة شائعة بين الأزواج ، وهو الخيار الأنسب ، على أساس المصالحة و وهي كما تعرفون عقد من العقود قائم على اركان و توفر شروط من أهمها توفر التراضي التام وليس الشكلي فيهما ، قال تعالى :
وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير .
وهنا الدعوة الى الصلح وليس الى العنف ، لأن الصلح هو الذي يحيط المرأة بسياج من الحماية القانونية ، ولأن طبيعة المرأة و الرجل بحكم الإنسانية أدعى لإتباع داعي العقل و المصلحة حين يسود بينهما جو المصالحة .
أما إذا كانت المرأة هي التي تخرج عن ألتزاماتها الزوجية ما يصطلح عليه لدى الفقهاء بالنشوز ، فإن الحكم يختلف بضرورة إتباع خطوات معينة ذكرت في قوله تعالى :
الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من اموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله و اللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا .
بعض الناس و الكتاب المعاصرين يجدون في هذا النص نوعا من التمييز اللامبرر بين الرجل و المرأة ، زاعمين ان للرجل أن يضرب زوجته متى شاء ، وأن للرجل حق التسلط على المرأة . وهذا زعم خاطئ تماما . لأن الآية في روحها و جوهرها لا تعطي هذا الحق للزوج على زوجته ، ليستعمله حسب هواه . فالمسئلة ليست مسئلة هينة وكل خلاف بين الزوجين قائم بسبب كراهة الزوجة لزوجها ليس خلافا يبحث في الهواء الطلق ويعرض على الشاشات و في الندوات ، فقد يكون الأمر خصوصيا و شخصيا الى حد بعيد ، و قد تكون لإذاعته و تدخل غير الزوجين فيه من المضاعفات ما لاتُخشى عواقبه . ولهذا يُلزم الزوج وليس الزوجة بإتخاذ تدابير عِلاجية لتمرد زوجته . فعليه أولاً أن يعِظها ، والموعظة كما يفهم من دلالة كلمة الوعظ اللجوء الى المشاعر و العواطف للتاثير العاطفي و الشعوري على الزوجة كي تحيد عن قرارها . أما إذا أصرت على قرارها فعلى الزوج أن يثير مشاعرها الجنسية بهجرها في المضجع ، لا أن يترك النوم معها ، بل ينام معها دون الإعتناء بها جنسيا ، هذا ليتاظاهر بإستغنائه عنها جنسياً ، عسى أن تعود المرأة الى حضنه في لحظة من لحظات الحب و الحنان التي طالما مارساها . وإذا أخفقت هذه الخطوة ايضا فعليه أن يضربها ، والضرب في هذا السياق لا يفهم منه التعدي و التعسف ، لأنه ورد كخطوة من خطوات جلب الإنتباه و تصحيح الوضع ، فهل من المعقول أن يضرب الزوج زوجته ضربا قوياً مسيئا للزوجة وهو يريد المعالجة وعودة زوجته الى البيت و الأسرة ؟! ولما كان الضرب مفهوما مجملا و قابلا لتفسيرات عديدة و قد يسئ الزوج تطبيقه جاءت السنة النبوية مبينة لنوع الضرب و كيفيته ، بأن لايكون مبرحا و لا يكون في الوجه و الأماكن الحساسة في البدن ، بل أن يكون مجرد تنبيه للزوجة المتمردة على موقفها الخاطئ من زوجها الذي هو في أكثر الأحوال أب لأطفالها ، وراع لمصالحها ، مع التاكيد على أن الزوج الصالح لا يضرب زوجته أبدا ، إمتثالا للتوصيات المتكررة مثل قول النبي الكريم (ص): إستوصوا بالنساء خيرا ، فإنهن عندكم عوان ، وإنكم إنما استحللتم فروجهن بكلمة الله . و قوله عليه السلام: ما أكرمهن إلا كريم و ما أهانهن إلا لئيم. وقوله : رويدك يا أنجشة رِفقاً بالقوارير وقوله : النساء شقائق الرجال.
أما إذا كانت الزوجة وفية بإلتزاماتها و لا تلهث وراء نزواتها فإن الزوج إذا ما ضربها فإنه يكون آثما و خارجا عن الطريق وبإمكان الزوجة أن ترفع دعوى قضائية ضده أمام القاضي ليقوم بتعزيره على استعماله العنف ضد زوجة ملتزمة قامت بما عليها تجاه زوجها ، ولأنه تجاوز الحدود المرسومة وإعتدى على إنسان له من حقوق الكرامة و العزة ما لايخفى . وإذا نجم من ضربه إياها أي ضرر فإنه ملزم بالتعويض ، عملا بالقواعد العامة في الفقه الجنائي الإسلامي ، ولا يقبل منه الإحتجاج بكونه زوجاً ، إذ الزوجية لا تمنحه حقا مطلقا في ضرب زوجته دونما سبب .
إذن فإن الآية الكريمة دليل على عدم جواز ضرب المرأة ، وليس العكس كما يتصور بنظرة سطحية ، إذ أنها أباحت الضرب غير المبرح في ظرف خاص حين تكون الزوجة متمردة على بيتها وزوجها وأطفالها ، وهذه المرأة تستحق العقوبة الرادعة عقلا وعرفا . وفي غير هذه الصورة فإن حكم الضرب هو التحريم لأنه هو الأصل .
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الشريعة الإسلامية شريعة سمحة لا تسمح بالعنف الأسري ، إلا في حالات تقع اللائمة فيها على المرأة نفسها قبل أن تقع على زوجها . وفي المثل العربي على نفسها جنت براقش.
ومن صور العنف التي تتعرض لها المرأة في بعض المجتمعات ، إصابتها بالبرود الجنسي نتيجة ختانها المعروف بالخِفاض ، تلك العملية التي تتم من قبل بعض العجائز اللاتي لا خبرة لهن و لا يراعين حد الإعتدال في قطع الشُفرة ، مما يسبب ألما كثيراً للبنت و أحيانا نزيفا حادا وكذلك عقدة نفسية قد تؤثر فيما بعد في حياتها الأسرية . ومعلوم أن خِفاض البنات فيه إختلاف بين الفقهاء ما بين قائل بالوجوب أو بالإستحباب ، لكن هذا فيما يؤمن جانب السلامة البدنية و النفسية ، وإلا فإن حكمه يعود الى الأصل أي الحرمة . وهذا مما ينبغي أن بؤكد عليه علماء الدين و الدعاة ويحثوا الناس على ترك هذه العادة إلا بضوابط وشروط صحية معلومة ، حماية لحق النساء في المتعة الجنسية في إطار الزواج الشرعي . وهو حق لا يمكن التغاضي عنه بحال .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً