البحوث

العلاقات بين الاسلام والمسيحية في كوردستان من التصادم الى التسامح

المقدمة

  المسيحية احدى الديانات السماوية الكبيرة التي لها تواجدلابأس في المنطقة الكوردية، التي ظهرت فيها تسميات عديدةتحمل طابعا اثنيا أو إدارايا او استيطانيا في القرون التيسبقت ميلاد السيد المسيح ( عليه السلام)؛ من عليا تم، الىسوبارتو، الى ارمينيا وميسوبوتاميا، فبلاد الاكراد الىالأثنوغرافيا الا وهيكوردستان -.

لقد وصلت المسيحية الى ديار الكرد في نهاية القرن الاولالميلادي وفق كتابات رجال الدين المسيحيين، وفي بداية القرنالثالث الميلادي حسب مصادر المستشرقين وعلماء السريانياتالغربيين، وليس المجال هنا لبحث هذة الاشكالية حول التفاوتالزمني الذي يبلغ القرنين بين تواجد المسيحية في هذه البلادبين التاريخين المذكورين آنفا.

الديانات السائدة في كوردستان قبل وصولالمسيحية:

 بعد وصول الديانة المسيحية الى كوردستان، كانت هناكديانات عديدة سماوية وغيرسماوية منتشرة بين الكورد من:يهودية، وزرادشتية، وميثرائية، ومانوية، ومزدكية، وغيرها، وكانت غالبية اراضي كوردستان تقع تحت سيطرةالامبراطورية البرثية الاشغانية (ملوك الطوائف حسبالمصادر الاسلامية) ، بينما كانت الاجزاء الغربية منكوردستان واقعة في المنطقة المتنازع عليها بين الامبراطوريتينالبرثية والرومانية الغربية (أقليمي كورد وئين واسراوين- دياربكر وأورفة).

وتظهر المصادر التاريخية ان المسيحية بدأت بالانتشار رويدارويدا في شمال مابين النهرين وكوردستان في نهاية القرنالثاني وبداية القرن الثالث الميلاديين، لذلك لم تتكون لهاتنظيمات ادارية كنسية في المنطقتين المشار اليهما انفا، ومن جراء ذلك لم يظهر رتبة الجاثليق ( نائب البطريرك) في تلكالفترة، حيث يذكر المؤرخ الدانماركي آرثر كريستنسن فيمعرض حديثه عن انتشار المسيحية في الامبراطورية البارثيةوما قام به (الرسول) توما من التبشير في القرن الاول الميلاديبقوله:” الخرافة تجعل سانت توماس مبشرا في بارثيا وفيأعمال توماس المنتحلة نجد أنه سار برسالته حتى بلاد الهند،ولكن هذه الاعمال ليست صحيحة من الناحية التاريخية”(1)،وعندما يتطرق الى الدور السياسي المزعوم الذي لعبهالمسيحيون في الامبراطورية البارثية نراه يقول:” بانه لم يكنللنصارى أي دور سياسي ايام الاشكانيين...”(2) . في الوقتالذي يشير المطران ادي شير بأن الرسول مارى أخذ يطوففي بلاد حد ياب (= منطقة اربيل) وكركوك حتى وفاته فيالمداين (=سلمان باك الحاليةجنوب شرق بغداد ) سنة 82م،وكان قد اقام في المشرق ثلاثين سنة فأسس هناك كرسيالفطريركية في المداين (=المدائن) وصار هو أول كل الاساقفةوناظر كرسي الفطريركية”(3).

الصراع الساساني البيزنطي وانعكاسه علىمسيحيي كوردستان :

 في عام 226م تمكن الملك الفارسي الساساني اردشير بنبابك بن ساسان من قتل الملك البارثي ارطبان الخامس ودخلعاصمته (طيسفون- المدائن سلمان باك) ظافرا واعلن نفسهفيها شاهنشاهـا (ملك الملوك)، بعدها بقليل اعلن انالزرادشتية هي الديانة الرسمية للامبراطورية الساسانية(4)، وأمر الهربدان تنسر بجمع تعاليم زرادشت في مجلد واحد، كما جمعت تفاسيره المعروفة باسم (الزند) وجعل له تفسيراعرف باسم (بازند)، ومنح رجال الدين صلاحيات واسعة معززامن دورهم ومكانتهم الاجتماعية في الدولة الساسانية، حيثكان الملك أردشير يعتقد ان (الملك والدين توأمان) لأن الدينامثل الملك وعماده، ثم صار الملك يعد حارسا للدين، فلابد بدللملك من أسه، ولابد للدين من حارسه، لأن ما لا حارس لهضائع ومالا أس له فمهدوم(5).

ولقد عاش المسيحيون الكورد وغير الكورد في سلام ووئاموطمانينة مادامت عقائدهم وافكارهم التي يحملوناها لاتؤثرفي الخط العام للأمبراطورية الساسانية،ولكن الموقف تغير فيالنصف الاول من القرن الرابع الميلادى حين اصدر الامبراطور قسطنطين 306-337م) مرسوم ميلان الشهير في سنة 313ممعترفا بالمسيحية كأحدى الديانات الشرعية داخلالامبراطورية الرومانية، فكان على مسيحيي الامبراطوريةالساسانية ومنهم مسيحيو كوردستان ان يتحملوا تبعات هذاالعمل، لأن الامبراطورية الساسانية اعتبرهم بمثابة عملاء ل(الطابور الخامس) للدولة الرومانية، وممازاد من تفاقم هذهالمشكلة ان ارمينيا الدولة الحدودية بين الامبراطوريتينالساسانية والرومانية قد دخلت في المسيحية من خلال اعلانملكها تيريدات الثالث (TradartIII) تنصر أرمينيا رسميا فيعام 314م، ومما يؤيد هذا الاجراء تلك الرسالة التي وجهاالامبراطور الساساني شابور الثاني (309-379م) الى امراءالأرمن بقوله: “عندما تعلمون بامتنا هذا نحن الآلهة الاخرينوهو في الدرج الذي بعثناه اليكم ، فعليكم ان تقبضوا علىسيمون رئيس النزاريين(= المسيحيين النساطرة)، ولاتطلقوهمالم يوقع الوقيعة ويقبل ان يجمع جزية وغرامة مضاعفتينيؤديهما الينا عن كل النزاريين الذين يعيشون في بلاد قداستناوالذين يسكنون اراضينا، لأنا نحن الآلهة الاخرين ليس لنا غيرمتاعب الحرب وهم ليس لهم غير غير الراحة واللذات ، انهميسكنون بلادنا ويشاركون قيصر عدونا المشاعر (8).

وقد كانت هذه الحوادث مقدمة لاشهار سيف الاضطهاد ضدمسيحيي الامبراطورية الساسانية من الكرد وغيرهم داماربعين عاما او تسعة وثلاثين(=الاضطهاد الاربعيني)،ووضعت فظائعه واهواله فيما لايحطى من مدونات (سيرواعمال الشهداء )(8) باللغة السريانية، ومما يؤكد الاضطهادعلى مسيحيي كوردستان خاصة ما اورده كريستينسن: ” وقدوقع الاضطهاد خاصة في ولايات الشمال الشرقي وفيالمناطق المتأخمة للامبراطورية الرومانية حيث كان هناك مقاتلومذابح كما كان هناك تشريد، وفي سنة362 م نفي تسعةالاف مسيحي مع الاسقف هيليودور من قلعة فنك(= القريبة من جزيرة بوتان) في بزابدة الى خوارزم بعد ثورة (9).

ومهما يكن من امر فقد استطاعت المسيحية الصمود امام آلةالتعذيب المجوسة الزرادشتية ، و يعزو المستشرق(اسموسن) انقاذ المسيحية الى القول :” وما انقذ المسيحية فيالامبراطورية الايرانية (الساسانية) من الفناء التام الا لأنخلفاء (شابور الثاني) ماعجزوا عن الاستمرار، أو انهم لميكونوا راغبين في مواصلة هذه السياسة الدنيئة”(10).

وهكذا انتشرت المسيحية في الامبراطورية الساسانية ومنهاموضوع بحثنا كوردستان؛ وازدهرت كنائسها واسقفياتهاحتى لقب الامبراطور الفارسي الساساني كسرى أبرويز(590-62 8م) بالملك النصراني بسب تشجيعه للكثير من القيمالروحية والاخلاقية ومنها على أقل تقدير انهما ديانتانسماويتان مصدرهما الله الواحد الاحد.

الاسلام والمسيحية في كوردستان وجها لوجه :

 في سنة 16هـ/637م استطاع المسلمون الفاتحون في عهد الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) دخولالعاصمة الفارسية الساسانية (طيسفون)، وحدث بعدها أولاتصال بين العرب المسلمين وبين الكورد، ونتيجة لذلك فانغالبية المدن والقرى والقلاع الكوردية فتحت صلحا، فيما جرتمقاومة في بعض المناطق الاخرى: كشهرزور، وما سبذان، ومهرجانقذق. وبعض مناطق إقليم أذربيجان؛ وعلى اية حالفان المسلمين قد التقوا بالمسيحيين من الكورد وغيرهم كماالتقوا باتباع الديانات الاخرى .

وتذكر المدونات وحوليات الكنيسة الكثير من الحقائق المتعلقةبهذا الاتصال الذي جرى على ارض كوردستان بين اتباعالديانتين السماويتين .يقول صاحب التاريخ السعردي :” إن الجاثليق ايشو عياب ارسل هدايا الى النبي محمد(صلى اللهعليه وسلم) وفي جملتها الف ستارة فضية مع جبرائيل اسقفميسان، وكاتب الرسول، وسأله الاحسان الى النصارى، وبرهالرسول بعدد من الأبل، وثياب عدنية” (11).

ومن جانب آخر فان الجاثليق نفسه الذي كان يرأس طائفةالمسيحين اثناء حكم الخلفاء الراشدين قال مانصه: ” ان العرب(=المسلمين) الذين اعطاهم الله حكم العالم اليوم ليسوا اعداءالنصرانية فهم يحترمون ديننا، ويكرمون القديسين والكهنة،ويساعدون الاديرة والكنائس”(12).

ونقل المستشرق الفرنسي دوفال في كتابه (تاريخ الرها) الآية القرآنية حول سماحة الاسلام تجاه النصارى: ” ولتجدنأقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بان منهمقسيسين ورهبانا وانهم لايستكبرون”(14).

وفي هذا المجال يجب أن لا ننسى ما فعله  القائد الاسلامي الكوردي(الناصر صلاح الدين الأيوبي) يوم فتح بيت المقدس،وحررها من الدنس الصليبي وكان بها مائة ألف مسيحي،أعطاهم أمانًا لمدة أربعين يومًا للجلاء عن القدس، فجلا منهاأربعة وثمانون ألفًا، لحقوا بأهليهم من المسيحيين في مدينةعكا، وافتدى بنفسه بضعة آلاف، وافتدى أخوه الملك (العادل)ألف رجل مسيحي آخر، ورفض أن يفعل بهم كما فعلوابالمسلمين قبل تسعين سنة.، عندما استباحوا بيت المقدس وقتلوا بدمٍ بارد سبعين ألف مسلم، فضلاً عن إبادتهم ليهود المدينة المقدسة.

ومن جانب آخر فان المسيحيين الكرد وغير الكرد عاشوا جنباالى جنب مع المسلمين الكرد وغير الكرد في جو يسوده التعاونوالمودة والمصير المشترك، ولم ينغص حياتهم طيلة قرون عديدةمن عهود الخلافة الاسلامية، الا بعض الهنات التي هي منطبيعة البشر وتتحكم فيها العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها غالبية المجتمعات الانسانية.

واستمرت الامور تسير على هذه الوتيرة حتى حل المغولالوثنيين بقيادة السفاح هولاكو خان بديار الاسلام، وقامواباعمال منكرة وفظيعة لايقرها شرع ولاقانون ولاعرف ضدالمسلمين والمسيحين وغيرهم على حد سواء. وان كان العبءالاكبر قد وقع على المسلمين بسبب علاقاتات المصاهرة بيناسرة جنكيزخان والمسيحيين النساطرة فلا عجب ان كانتزوجة هولاكو(دوقوزخاتون)(15) مسيحية تتبع المذهبالنسطورى ، وكان عدد لا يستهان من القيادات المغولية مناتباع المسيحية النسطورية (16).

ولكن بمجيء السفاح الاخر تيمورلنك في القرن الخامس عشرالميلادي وقيامه بأعمال فظيعة فاقت ماقام به اسلافه المغول،جعلت المسيحين ينكفئون على انفسهم ويحاولون بشتى السبلايجاد مأوى لهم خوفا من خطر الانقراض والابادة، لذلك تركواالسهول المحيطة بمدينة الموصل وغادروا الى الجبال الكورديةفي منطقة هكارى (كوردستان الشمالية تركيا حالياً) حيثالمأوى والملجأ الامين بين ظهراني الكورد المسلمين، كما فعلوافي السابق عندما هربوا من الروم البيزنطيين بتهمة الهرطقةوالخروج على تعاليم الكنيسة(17)، حتى أنهم نقلوا بطريركيتهم التي كانت قابعة في قصبة ألقوش الواقعة شمال مدينة الموصل وجنوب مدينة دهوك، الى قرية (قودشانس) الواقعة شمال غرب مدينة جولميرك عاصمة إمارة هكاري الكوردية.

العلاقات الاسلامية المسيحية في كوردستانفي العصر الحديث :

  في بداية القرن السادس عشر حدث صراع عنيف بين الدولةالعثمانية السنية من جهة والدولة الصفوية الشيعية من جهةاخرى على مناطق النفوذ في الاناضول وأذربيجانوكوردستان، بلغت ذروتها في نشوب معركة جالديران في 3 آب/أغسطس عام 1514 م التي اسفرت عن خسارة الدولةالصفوية الحرب وسقوط عاصمتها تبريز، وتقسيم كوردستانالى قسمين: القسم العثماني والقسم الصفوي، وابتدأ من ذلكالوقت ابتدأ تاريخ جديد للمنطقة برمته .

فالعلاقات الاسلامية المسيحية ابتدأت من ذلك الوقت تأخذمنحاً آخر سواءً في كوردستان او في باقي الولايات التابعةللدولة، فالعثمانيون كانوا في حالة صراع مستمر مع روسياالقيصرية والدول الاوروبية بحكم عوامل الصراع الديني الذي كان يلف العلاقات الدولية انذاك، وان كان بعض سماته تحملطابعا سياسيا او اقتصاديا او غير ذلك .

وبشأن موضوع بحثنا فان المسيحية في كوردستان العثمانيةالفارسية تمثل آنذاك في شكل شرقي قديم (كنيسة المشرق) التي تفرغ منها: النساطرة حسب مقررات مجمع أفسس عام431م، والسريان حسب مقررات مجمع خلدونية 415م، كماكان يعيش الى جنب الكورد واحيانا بين أظهرهم طائفة الأرمن المحسوبين عقائدياً على كنيسة السريان المنوفستيين(=أصحاب الطبيعة الواحدة)، قبل أن ينقسموا الى قسمين بفعل البعثات التبشيرية البابوية الكاثوليكية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

ولم تكن الكنائس الاتحادية قد ظهرت بعد او على أقل تقديرفي منطقة كوردستان، فالموارنة اللبنانيون اتحدوامع الكنيسةالكاثوليكية في وقت سابق على هذا التاريخ.

ومهما يكن من أمر فان الكنائس الاتحادية (من فعل اتحد، -to unite،اتحادى( union وهي جماعات انفصلت وانشقتفي اوقات وظروف مختلفة عن الكنائس المسيحية الشرقية،ودخلت في اتحاد كنسي(عقيدي) مع الكنيسة الرومانيةالكاثوليكيةوهي تخضع بشكل عام للسطلة العليا لبابا روماوللزعامة الكنسية الكاثوليكية في الفاتيكان، معترفة بالعقائدالكاثولكية، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه باستقلاليتهاالداخلية، من ناحية التنظيم الكنسي والطقوس التقليدية(=اللليتورجات) واللغات الوطنية ، وممارسة شعائر العبادةوالخدمة الدينية.

وقد تفرغ عنهم في كوردستان من الكنيسة النسطورية الكلدان المتحدون- الذين شكلوا كنيسة الكلدان حيث يتبعهامسيحيو الكاثوليك الذين يسمون الآن بالكلدان وهم يشكلون أغلبية مسيحيي العراق وكوردستان.

ان هذه الإنقسامات الكنسية أدت الى تزايد عدد الطوائفالمسيحية في الدولة العثمانية بصورة عامة، وفي كوردستانبصورة خاصة؛ فاصبح عدد الكنائس المسيحية على الوجةالاتي:

1-الكنيسة النسطورية (=كنيسة المشرق- الاشورية(

2-الكنيسة الكلدانية

3-كنيسة السريان الارثوذكس

4-كنيسة السريان الكاثوليك

5-كنيسة الارمن الكريكوريين (= الأرمن القديم)

وتعد الكنيسة الكلدانية هي الاكبر من بين تلك الطوائف علىاقل تقدير في كوردستان فهم يضمون الجزء الاكبر منمسيحيي كوردستان أي(80%).

العلاقات من التسامح الى التصادم

 في كانون الثاني سنة 1555م، قام باشا إمارة العمادية بالقاء القبض على البطريرك الكلداني (هرمز سولاقا) وسجنه، وكان الاخير قد غير مذهبه النسطوري الى الكلداني الكاثوليكي، لذا سلمه البابا (جوليانس الثالث) درع البطريركية في 28 نيسان 1553م في مدينة روما، وعاد أول البطاركة الكلدان الى الشرق، وبوشاية خصمه (شمعون الثامن  دنخا – 1551-1558م) بطريرك القوش النسطوري، الذي اتهمه بالعمالة، قام باشا العمادية بعد ذلك بالتخلص من (سولاقا) عبر إغراقه في إحدى البحيرات الواقعة جنوب شرق مدينة العمادية، بالقرب من دير مار ساوه (= قرية ديرش- منطقة برى كاره) في سنة 1555م.

 في سنة1641م  جاء في سجل حوليات كلية بروبغندا، التابعة للفاتيكان في المجلد الأول، لمجموعة الوثائق، لسنة 1633- 1753: أن بطرس جيسي الفارسي من مدينة العمادية قبل في الكلية (بروبغندا) في 17 آب عام 1647م، وكان له من العمر آنذاك ما يقارب 24 سنة، وذلك بترشيح من قبل الكاردينال (بربرينو)، وبقرار المجمع في 3 حزيران من نفس السنة، وهو من والدين مسلمين  وادعى أنه مدعو من الله أن يأتي الى روما، ليصبح مسيحيًا سنة 1641م. وفي 7 أيلول 1642م، عمّده المونسيور(سكنا رولا) في كنيسة سيدة الجبالفي مدينة روما، وكان أشبينه السيد التقي (الكونت جيسي  الفرنسي) ابن سفير الملك الفرنسي في القسطنطينية (استنبول(.
رجع الأب بطرس جيسي، بعد رسامته الكهنوتية الى بلاده (كردستان)، وعمل كثيرًا في  الرسالات والمواعظ، وخصوصًا في مدينة آمد (دياربكر)، حيث يبدو أن مجيئه الى مسقط رأسه في العمادية ربما سيثير مشاكل، كانت الكنيسة آنذاك في غنى عنها. مهما يكن من أمر فإنه كان غيورًا على نشر الإيمان الكاثوليكي، والدفاع عنه ضد النساطرة (الآشوريين الحاليين) الذين  كانوا لا يزالون هم الأكثر بين أتباع كنيسة المشرق. مكث الأب بطرس جيسي عدة سنوات في آمد، ثم ذهب الى قصبة القوش، شمال شرق مدينة الموصل، للقاء البطريرك (مار ايليا الثامن 1617- 1660م) الذي سرّ بقدومه، ورآه غيورًا عالي الإيمان، ويكن محبة عميقة للكنسية ووحدتها مع جميع  الكنائيس، وخصوصًا كنيسة روما التي عاش بها فترة، وتعلم اللغة الإيطالية، وتعرف على المسؤولين في الدوائر الرومانية ، لذا  اختاره للذهاب الى روما برفقة اثنين، وهما الأب (مرقس)  والشماس ( طيمثاوس) لإطلاع المسوؤلين في روما على حالة المسيحيين في بلاد الشرق، وتحديدًا كردستان . وقد كتب البطريرك رسالة بهذا الخصوص الى مجمع التبشير بالإيمان (البروبغندا)، جاء  فيها: “أرسل الى روما عندكم تلميذكم الأب بطرس جيسي، فإنا أجبناه، لأنه تلميذكم، ونرجوا أن يكون وسيطًا بيننا  وبينكم، وهو مطلع على كتبنا، وعارف جيدًا نظام طقوسنا التي نقوم بها يوميًا. أرجو منكم أن لا تعتمدوا على كل من يقول لكم إنه مرسل من قبلنا، ولكنه بالواقع ليس كذلك”. وفي تعقيب على  هذه الرسالة، يقول الأب (بطا الكبوشي) مسؤول رسالة الكبوشيين في الموصل في رسالته الى مجمع البروبغندا): “إن البطريرك أرسل الأب بطرس جيسي مع شخصين آخرين، وهو يعرف اللغة، لكي يرى ماذا يمكن القيام به لمجد الله وخلاص نفوس كثيرة”.
بخصوص ما تبقى من حياة بطرس جيس الفارسي العمادي، فإن حوليات البروبغندا تشير  فقط الى أنه استشهد في الحبشة (= أثيوبيا) من أجل الايمان الكاثوليكي، بدون تحديد السنة.

ويذكر الدكتور جورج قرم في دراسته السوسيولوجية الفنيةالمتسمة بالتحليل العميق والتوثيق الكبير:” ان شبكة المدارسالمسيحية التي أقامتها الدول الاوروبية في ارجاء الامبراطوريةالعثمانية ما لبثت ان تحولت الى بؤر للنزاعات الطائفيةالانعزاليةوان الثقافة التي لقمت لأبناء الاقليات كانت ترمىالى كسبهم لمعسكر الغرب وقيمه بطريقة غير مباشرة، وهذا ماأدى الى حدوث تنافس وصراع بين الاقليات المسيحية والغالبيةالاسلامية.

ان هذا ينطبق على الوضع في كوردستان، فانها لم تشهد مثلهذه الظاهرة الا في الثلث الاول من القرن التاسع عشر بعدوصول البعثات التنصيرية(=التبشيرية ) التي جاءت منامريكا واوروبا بقصد ادخال القيم الغربية في المجتمعاتالاسلامية ومحاولة التأثير على رعايا كنائس المشرقالخلقدونية(=الارثوذكسية)  السريان الارثوذكس والروم الارثوذكس وغير الخلقدونية(=كنائس المشرق غير الارثوذكسية)، فحدثت عمليات احتكاك وتنافس وصلت الىمرحلة الصراع والتصادم ، التي آلت نتيجتها الى المآسيوالكوارث التي لم تشهد كوردستان مثلها في غابر الايام.

فجرت في سنوات الاربعينات من القرن التاسع عشرمصادمات بين امارة بوتان الكوردية بزعامة الامير بدرخانباشا وبين القبائل النسطورية بقيادة البطريرك (مار شمعون السابع عشر) في سنوات 1843- 1847م أدت الى حدوث مالاتحمد عقباه، واتهم كل طرف الاخربأنه المسؤول عن هذهالحوادث، رغم أن سير الامور يشير الى ما فيه الكفاية بأنبعض الدبلوماسيين والرحالة والمبشرين (= المنصرين)القادمين من اوروبا ومن رجال الدين التابعين للكنيسةالانكليكانية الانكليزية هم سبب هذه الحوادث، وهم الذين أوحواالى اتباع كنيسة المشرق النسطورية؛ بانهم ليسوا إلا أتباعالاشوريين العظام الذين حكموا العالم القديم لحقبة تقدر بالفعام انطلاقا من عواصمها: آشور ونينوى وخرسباد ونمرود،واستمر هذا الحلم يفعل مفعوله السحرى في نفوس كهنوته ونخبه حتى قبيل الحرب العالمية الاولى حيث كانت هناكمصادمات بين القبائل الكوردية (=البرواري بالا تحديداً) منجهة وبين القبائل النسطورية المستقلة المنضوية تحت رايةالمارشمعون(=تياري السفلى وتياري العليا)، والتي تقع ديارهافي منطقة هكارى واجزاء من منطقة بهدينان لآسباب عديدة:كالمراعي أو الحيازات الزراعية، أو الثأر، وغير ذلك .

وكان يعتقد على نطاق واسع، بان الدولة العثمانية بحكم أنها دولة اسلامنية بحكم العرف السائد آنذاك – تساند رعاياهاالمسلمين على أساس أن آلاخرين ( الارمن والنساطرة وغيرهم) كانوا متقوين بالجانب الاوروبي المسيحي، سواء من الانكليزاو الروس ، وهكذا ظهر معسكران متضادان من رعايا الدولةالعثمانية؛ بعض زعماء القبائل الكوردية وبعض علماء الدينالاسلامي من جهة، والقبائل النسطورية( التياريةالاثوريةالاشورية) مدعومين من جانب روسيا وبريطانيا (= المبشرينوالقناصل) من جهة اخرى .

في الوقت الذي كانت آليات الصراع تجرى ضمن سياق آخر، فكانت بعض القبائل الكوردية ومثلها بعض القبائل المسيحيةالنسطورية تقف مع بعض ضد تكتل قبلي كوردي مسيحيآخر، بسبب مشاكل الرعي والزراعة والمياه .

واستمر الامر على هذه الشاكلة، الا ان دخل الدين فيالصراع، فصدرت فتاوي من الجانبين الاسلامي والمسيحيتبيح دم الاخر، وحدثت تجاوزات وانتهاكات من الجانبين لا مجال لايرادها لانها خارج نطاق بحثنا.

العلاقات من التنافس والتصادم الى الحواروالتفاهم :  

  رغم الآلآم والمحن التي اصابت المجتمع الكوردستانيبمسلميه ومسيحيه، فان صيحات العقلاء والحكماء سرعانماسادت الساحة ، فالجميع ابناء هذا الوطن ولهم الحق فيالعيش سوية تحت ذرى هذه الجبال الشماء، ففي صيف سنة 1879م استدعي الاب جاك ريتوري مسؤول الارسالية الدومنيكانية في قرية مار ياقو(= قَشَفر) الواقعة شمال غرب مدينة دهوك الى الموصل، وانتدب ليحل محل رئيس الرسالة الاب بيير غونزاليز دوفال، ثم عين ريتوري قاصداً رسولياً في بيروت منذ ذلك التاريخ حتى وافته المنية في الاول من شهر آب سنة 1904م عن عمر يناهز الحادية والسبعين، وكان ريتوري قد أبلى بلاءً حسناً في اسعاف المحتاجين الجياع والمرضى في منطقة دهوك، حيث ترك ذكرى طيبة في قلوب الجميع، ورفع من شأن الارسالية ، وتجدر الاشارة الى أن ثلاثة من المرسلين الدومنيكان قد ماتوا في دير قرية مار ياقو نتيجة تفشي مرض التيفوئيد اعتباراً من شهر نيسان عام 1789م، وكان الاب ريتوري هو الناجي الوحيد من بين المرسلين الدومنيكان.

وفي شهر تشرين الثاني عام1885م خرج الانبا شموئيل جميل التلكيفي المبعوث من قبل  البطريرك إيليا الثاني عشر(= عبو اليونان ) بطريرك الكلدان من الموصل قاصداً منطقة عقرة، وفي طريقه مر بقرى الشبك وعشيرة الكوران، فذكر أنه كان في قرية (بَردَرَش– حالياً قضاء بردرش) حوالي(100) بيت من الكرد، وفي قرية (روبيا روفيا) حوالي (40) بيتاً من الكرد، وعندما وصل الى مدينة عقرة، فوجد فيها 1200 بيت، منهم حوالي (30) بيتاً من المسيحيين الكلدان الكاثوليك يسكنون متجاورين في أعلى المدينة أسفل حصن متهدم مبني على قمة الجبل، وهؤلاء الكلدان لهم كنيسة مبنية على اسم مريم العذراء، لكنها غير مستخدمة حالياً (=آنذاك) بسبب سقوط نصف سقفها تقريباً، كما يوجد في عقرة(20) بيتاً من المسيحيين اليعاقبة (= المنوفستيين أصحاب الطبيعة الواحدة)، ولهم كاهن واحد وكنيسة واحدة محفورة كلها في الصخور. وفي عقرة حوالي(100) بيت من اليهود ولهم كُنَيس ورئيس كهنة (= حاخام ). أما بقية السكان فمن الكرد. كما أن زار قرى منطقة نهله والزيبار واشتكى من ظلم الآغوات و(الاكراد الاشرار) للمسيحيين في تلك الانحاء، وكيف انهم استولوا على العديد من القرى المسيحية الكلدانية، وتشهد بذلك خرائب الكنائس فيها، فعلى سبيل المثال زار قرية (آرينا) فوجد فيها حوالي (100) بيت من حوالي(90) من الكرد الذين كانوا جماعتين الاولى تابعة الى (عبدالله آغا)، والاخرى الى (سليم خان) آغا القرية والمنطقة كلها، وبقية البيوت هي من الكلدان الكاثوليك الذين لهم كنيسة باسم ( مار قرياقوس) ولهم كاهن(= قس) اسمه (كوريال) بعدها زرنا قرية  أرتون (= أركن) تسكنها (4) عوائل من الكلدان، ثم زرنا قرية صانايى (= صيان) فقط (7) بيوت من الكلدان الذين لهم كنيسة على أسم( ماركيوركيس الشهيد)،  بعدها زرنا قرية بامشمش فوجدنا فيها(4) بيوت من الكلدان ولديهم كنيسة باسم (مريم العذراء) .

في شهر تشرين الثاني عام1885م زار الانبا شموئيل التلكيفي قرى أخرى تابعة لعقرة، فزار قرية كردس التي يسكنها فقط (10) من عوائل المسيحيين الكلدان، ولهم كنيسة باسم (مريم العذراء). وفي اليوم التالي زار الانبا قرية شلمَث (شرمن) أهلها جميعاً من النساطرة؛ ولم يذكر مسيحيتهم لانهم اصحاب بدعة وهرطقة في نظره. ثم زار قرية كوندك التي يسميها أهل المنطقة نيريم وفيها حوالي (30) بيتاً من الاكراد عدا خمسة بيوت من الكلدان، وكان زعيم القرية (خالد آغا) قد دعا الانبا ومرافقيه الى دعوة غذاء لأنهم كانوا على معرفة سابقة ببعضهم. بعدها زار قرية شوش التي فيها حوالي (60) بيتاً من الكرد واليهود، بعدها زار قرية شرمن من جديد،  واستطاع إقناع جميع اهاليها(15) عائلة بترك النسطورية واعتناق الكثلثكة وتم تعميذ أطفالهم من جديد.

وفي 6/12/1885م زار الانبا جميل بصحبة (خواجا شربتي) رئيس قرية (نوآوا) الكلدانية الواقعة ضمن عشيرة السورجي قرية بجيل، وكان الشربتي ومسيحيي القرية المذكورة هم بالاصل من منطقة الزيبار ولكنهم هربوا منها ، حيث آواهم السورجية، وقد رحب الشيخ محمد السورجي شيخ تلك المنطقة بالانبا وضيفه، ودعاه الكاهن الى الاهتمام بالمسيحيين ورعايتهم، بعدها زار قرية ملا بروان وكاني فله(= عين المسيحيين) فوجد فيها عدة أسر مسيحيية هربت من (ظلم الاكراد الزيباريين) أيضاً.

وهناك أمثلة عديدة على حالات التسامح كما يرويه رجل الدين الانكليكاني الاسكتلندي (دبليو ويكرام) في كتابه المشهور( كردستان مهد البشرية الحياة في شرق كردستان) الذ1ي ترجمه المسيحي الكلداني جرجيس فتح الله: ” كان يوجد نزاعقبلي طويل الامد بين قبيلة (التخومانسطورية ) وبين جيرانهمالكورد المسلمين تفجرت براكينه مؤخراً(بداية القرن العشرين) وبات ينذر بشرمستطير، وحاول الطرف المسلم محاولات غيرصحيحة لاقناع اخوانه الاخرين في الدين بالانضمام اليه لشنحرب (= جهاد)،ولقد أصبنا براحة عندما علمنا ان شيخ بارزان(الشيخ عبدالسلام الثاني بن الشيخ محمد) تدخل لفضالنزاع تدخلا جديا حازما بعد أن رفض الموافقة على (الجهاد) رفضا قاطعا،ومنع اتباعه ومريديه من التدخل…”.

كما يذكر ويكرام حادثة اخرى حول نبل وسماحة وتسامحالشيخ عبدالسلام الثاني البارزاني تجاه المسيحيين ، فقدكانت قبيلة الهركية الرحالة تقوم بسلب اغنام القرى المسيحيةالمسالمة وهي في طريقها الى مرابعها في الزوزان(= هكاري في كوردستان تركيا)، فما كان من الشيخ إلا أن ارسل رجالهلاعادة الغنائم المنهوبة الى سكانها المسيحيين وهذا مادعاهمالى اعطائه لقب (شيخ النصارى)؛ وقد رد هؤلاء المسيحيينالجميل للشيخ عبدالسلام فعندما كان يحاول الاختباء هربا منملاحقة السلطات العثمانية له بسبب مطالبته للحقوقالسياسية والثقافية لشعبه، التجأ الشيخ عبدالسلام الى منطقةهكارى حيث ديار مساكن القبائل النسطورية (=الآثورية آلاشورية) المسيحية القوية الشكيمة، وحصل لديها على ملجأآمن عند أحد ملوكها (= أحد شيوخ القبائل)، وعندما دخل احدالضباط العثمانيين الى مجلسه وسأله عن الشيخ عبدالسلامالبارزاني، فقال كما تراه فانا آراه في اسلوبٍ راقٍ بعيد عنالكذب.

وفي سنة 1892م  أقدم  النساطرة الآثوريون من عشيرة التياري السفلى على نهب الف رأس من الغنم العائدة  للشيخ نور محمد الدهوكي البريفكاني وهي في طريقها الى منطقة زوزان في منطقة هكاري، ولما أعياه استرجاعها، استعان بعشائر بهدينان القوية ( البرواري بالا، المزوري، والدوسكي ) فزحفت على مناطق تياري السفلى ونهبت منهم أضعاف ما نهبوه من أغنام الشيخ نور محمد، وتجدر الاشارة الى ان السفير البريطاني في استنبول (= السير ستراتفورد) احتج لدى الباب العالي للدولة العثمانية على هذه الحادثة.

وفي نهاية سنة1904م وبسبب دخول رئيس القوش ومختارها (يوسف صارا) وبعض أقربائه وجيرانه الى الدين الاسلامي، وذهابه الى مدينة الموصل لاتمام مراسيم الدخول أمام المحكمة الشرعية ، اتصل بطريرك الطائفة الكلدانية ( مار عمانوئيل) بالشخصيات الموصلية وبزعماء العشائر للحيلولة دون اعتناق رئيس القوش واتباعه للاسلام، وكان مسيحية القوش يتندرون على وضوء المختار على ضفاف نهر الخوصر، وقد استطاع البطريرك وقف اجراءات دخول الالقوشيين الى الاسلام؛ ولكن اصرار ( يوسف صارا) على الذهاب الى الموصل مرة ثانية لاشهار إسلامه واعلانه بأنه سيبني مسجداً في وسط القوش. وأما هذا الاصرار طلب بطريرك الكلدان من الالقوشيين عمل اللازم؛ فكان هذا معناه اعطاء شباب القوش الضوء الاخضر لتصفية (يوسف صارا) وبالفعل تم عمل مكيدة شارك فيها ثلاثة من الالقوشيين وهم كل من : يوسف خوبير،اسطيفو بلو، يونس تيزي(هومو)، وثلاثة رجال من قبيلة المزوري وهم كل من : مصطو جد سعيد حسن مصطو المعروف ، أحمو رحيمو، وأحمو خالد، وكانت الخطة تتضمن بأنه عندما يخرج (يوسف صارا) من منزل رئيس القوش السابق((خواجه ميخا دمن)؛ وبالفعل عند خروجه ووصوله أمام خان الرهبان قُذف ببعض الحجارة، وعند وصوله أمام بيته أطلق عليه الرماة ثلاث اطلاقات نارية اخترقته وأردته قتيلاً. نقلاً عن كتاب (الرئاسة في القوش، نبيل يونس دمان، ص78-81).

وفي سنة 1913م نشر الخوري يوسف تفنكجي احصائية عن عدد نفوس المسيحيين الكلدان في مدينة دهوك،  التي قدرها بحدود 350 نسمة، لهم كنيسة واحدة وكاهنين ومدرسة واحدة، وتجدر الاشارة الى أن الزعيم اليزيدي(حمو شرو) قائمقام سنجار المعين من قبل الاستعمار البريطاني كان قد أنقذ (التفنكجي) مع عدد كبير من المسيحيين والارمن من الموت، أثناء هروبهم الى جبل سنجار خوفاً من ملاحقة الجيش العثماني.

ومن جانب  آخر فان  بعض  الرحالة و القناصل  ذكروا  في كتبهم ومذكراتهم بان الكورد قاموا بعمل  مجازر عديدة ضدالمسيحيين؟؛ وبهذا صبوا النارعلى الزيت، ففي 15 تموز سنة 1915م ورد في يوميات بطريرك الكلدان ( يوسف عمانوئيل توما)، حول  قيام نايف مصطفى باشا ميران زعيم قبيلة الميران بقتل رئيس قرية فيشخابور(ياقو آغا) مع القس توما شيرين وحوالي ثمانين من أفراد القرية بعد أن أمنهم على حياتهم، لذا عبروا نهر الى دجلة الى مضارب قبيلة ميران. وتطلق المصادر المسيحية على تلك السنة ( السيفو) أي السيف؛ في اشارة الى حوادث القتل التي ألمت بالمسيحيين أثناء سنوات الحرب العالمية الاولى.

في شهر حزيران 1916م  إتهم زعماء الأكراد في العمادية مطران أبرشية العمادية (فرنسيس داود) بأنه يزود الروس بالمعلومات عن الدولة العثمانية وجيشها، فتم توقيفه لمدة خمسة عشر يوماً بعد أن نزعوا عنه شارة الأسقفية، وعلى السياق نفسه اتهم وجهاء الكرد في دهوك القس يوسف بهرو الدهوكي وآخرين بنفس التهم، فتم توقيفه من قبل المجلس العرفي المشكل في مدينة الموصل، وعلى الشاكلة  نفسها تم توقيف كل من (الخواجا بتو ريس ) مختار قرية أرادن، والمدعو (توما) من قرية بيباد بتهمة التخابر مع المالك اسماعيل زعيم قبيلة تياري عليا، ومن خلاله الاتصال بالروس الذين كانوا في حالة حرب مع الدولة العثمانية، وقد طالت محاكمتهما مدة شهر تقريباً، ولكن بعد التماسات عديدة من قبل (مار عمانوئيل الثاني) بطريرك الكلدان في العراق  لدى حيدر بك والي الموصل، تم إطلاق سراح المطران فرنسيس داود وبعدها تم إطلاق سراح الجميع، ماعدا الخواجا بتو ريس الذي لم تفد تدخلات البطريرك، وقد كتب بهذا الشأن رسالة الى مطران أرادن (فرنسيس) المطلق سراحه جاء فيها:” كدت أوفق(= لاطلاق سراح بتو الريس)، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن)، وحكم على المدعو بتو ريس بالاعدام شنقاً حتى الموت، وعلى ما يبدو، فقد مات بتو ريس من حمى التيفوس قبل تنفيذ حكم الاعدام به.

 وعلى أية حال فلا يمكن نسيان وسام السلام الذي أغدقه بابا الفاتيكان بيوس  الحادي عشر(1922-1939م)  للسيد (محمدشمدين آغا السليفاني) رئيس بلدية زاخو في سنة 1925م، تقديرا للخدمات التي قدمها للمهاجرين المسيحيين  الذينهربوا من تركيا في سنوات الحرب العالمية الاولى الى منطقةزاخو، حيث وفر لهم الحماية والمأوى وانقذهم من الموت . وقدمنح  الوسام البابوي في ٢٤/١٠/١٩٢٥ كما جاء في كتابمتصرفية لواء الموصل المرفوعة الى وزارة الداخلية العراقية.

وتجدر الاشارة  الى ان  البابا بيوس الحادي عشر هو الذيمنح الوسام وهو من نوع بيوس ، وتم المنح في 24 تشرينالاول/ نوفمبر عام 1925م، ويتيح الوسام لحامله ان يحمل لقبفارس وان يدرج اسمه في السجلات البابوية ويعطى امتيازارتداء ثوب الفرسان ولبس شارتهم الخاصة. ومما ورد فيمرسوم منح الوسام ان اخينا الجزيل الاحترام دومنيك بيريهرئيس اساقفة بابل على اللاتين قاصدنا الرسولي في بلادمابين النهرين وكردستان وارمينيا الصغرى أعلمنا بأنك احداعلام الاكراد وامتدح شيمتك العالية وتستحق ان نظهر لطفنانحوك، ويتكون ثوب الفرسان من قماش حريري ازرق معقودمن الطرفين بخيوط حمراء تحملها على كتفك الايسر، وقد وقععلى القرار الكاردينال غسبياري وزير خارجية الفاتيكان.

وتذكر المدونات المسيحية كيف أن( سعيد اغا الدوسكي) رئيس عشيرة الدوسكي، و(الشيخ عبيدالله شيخ نورمحمد الدهوكيالبريفكي) أحد كبار شيوخ الطريقة القادرية وأحد زعماء عشيرة المزوري، و(محمد حاجي  اغا  الارتوشى) رئيس اتحاد قبائل الارتوشية دافعوا  عن المسيحيين وحموهم من هجماتالغوغاء الذين كانوا يبغون الشر بالمسيحيين المسالمين(= النساطرة والكلدان وغيرهم) ابان حركات آب 1933م ، التي حدثت بين الحكومة العراقية وبين الفصائل الآثورية (= الآشورية) الذين تركوا ديارهم في منطقة هكاري إبان سنوات الحرب العالمية الاولى، واستقروا في مناطق محددة (=القرى الاميرية) في كوردستان اسكنتهم فيها الحكومة العراقية، فكان أن طلب بطريركهم المار شمعون(إيشاي شمعون) من الحكومة العراقية بمنحه سلطات زمنية (= سياسية) لادارة جماعته (=القبائل التيارية)، ولكن الحكومة العراقية رفضت طلبه  لانه فقط زعيم ديني وليست له علاقة بالسياسة، ومن جانب آخر خوفاً من تشكيل جماعته لكيان سياسي ضمن كوردستان العراق، لاسيما وانهم كانوا لديهم عدة افواج من الليفي(= الشبانة الدرك) وكانوا مسلحين تسليحاً جيدا على غرار الجيش العراقي، فحدثت مصادمات بين الجانبين العراقي والاثوري في منطقة فيشخابور بعد ان حاول احد زعمائهم (الملك ياقو بن الملك اسماعيل) زعيم قبيلة تياري العليا و(المالك لوكو) زعيم عشيرة تخوما الذين كانا قد التجأ الى الفرنسيين المستعمرين لسوريا مع (550) من رجالهما في سوريا الرجوع الى الاراضي العراقية من جديد، فاصطدموا مع الجيش العراقي في منطقة فيشخابور المطلة على نهر دجقبالة الحدود السورية، ووصل القتال الى قرية (ديره بون) الواقعة في سفح جبل بيخير المطل على المنطقة، وامتد الى الجبل نفسه حيث قصفته الطائرات العراقية.

ومن جانب آخر، ففي 3/11/ 1968م قامت عصابة مسلحةبالسطو على منزل المواطن (منصور حنا ساوا) الملقبب(منصور شله) الواقع في محلة النصارى في مدينة دهوك،وطالبته دون وجه حق بدفع مبلغ 300 دينار عراقي، وكان مبلغاًكبيراً في تلك الحقبة، وعندما رفض الموما اليه دفع هذا المبلغالى افراد العصابة، قاموا بقتله بدم بارد، وقد أثارت هذهالعملية الجبانة استنكار المسلمين والمسيحيين في دهوك على حد سواء.

وقد طلب البابا بولص السادس بابا الفاتيكان ورئيس الكنيسة الكاثوليكية في العالم آنذاك من الرئيس العراقي الاسبق احمدحسن البكر بحماية المسيحيين في شمال العراق(=كوردستان)، وتم الايعاز الى قيادة الفرقة الرابعة للجيش العراقي المتمركزة في الموصل بقيادة العميد سعيد حمو لحمايةمسيحيي دهوك، وللخروج بحل يرضي الجميع ، بما فيهم المسيحيون.

ولحل الاشكال فقد تبرع (ديوالي سعيد أغا) رئيس قبيلةالدوسكي بارسال مفرزة من رجال قبيلته لحماية محلةالنصارى في دهوك كل ليلة، عاش بعدها مسيحيو دهوك بأمانوإطمئنان لانهم كانوا محميين من جانب  رجال ديوالي سعيدآغا الدوسكي، استمرت عملية الحماية الى بيان آذار التاريخي في 11/3/1970م ، وكان لاجراء ديوالي آغا الدوسكي وقع كبير على مسيحيي دهوك لا زالوا يذكرونه بكثير من الشكر والعرفان والتقدير، وقد دفن المسيحيون جثمان فقيدهم في كنيسة الانتقال في دهوك، وغني عن القول انالمغدور(منصور حنا ساوا) هو جد المغني المشهور(جنانساوا).

المصادر والمراجع والهوامش

1- ايران في عهد الساسانيين، ترجمة: يحيى الخشاب،القاهرة، دار النهضة العربية، ص 68.
2- المرجع نفسه، ص 68 .
3- تاريخ الكلدو واشور ، بيروت، 1913،ج 2، ص2 .
4- طه باقر : تاريخ ايران القديم، مطبعة جامعة بغداد،1980،ص 115 .
5- احسان عباس : عهد اردشير، دار صادر، بيروت1967،ص27.
6- مروان المدور: الأرمن عبر التاريخ، ص 277؛ محمد امينزكي : خلاصة تاريح الكرد وكردستان منذ أقدم العصور التاريخية الى الآن، ترجمة: محمد علي عوني، ص 121.
7- جي .ب .اسموسن : فاتحة انتشار المسيحية في الشرق ،نقلها الى العربية وأضاف اليها ابحاثا وملاحق وحواشي:جرجيس فتح الله، دار ادي شير، اربيل، 2005م، ص 30.
8- المرجع نفسه، ص 35-36.
9- ارثركريستنسن : ايران في عهد الساسانيين ص 254 –255 .
10- اسموسن: فاتحة انتشار المسيحية في الشرق، ص36.
11- مارى سليمان: اخبار فطاركة كرسي المشرق ، ص62.
12- ترتون أ.س : أهل الذمة في الاسلام، ترجمة: حسنحبشي ، طبعة دار المعارف، مصر، 1967م، ص149.
13- الخوري يوسف داود السرياني: مختصر في تواريخالكنيسة، طبع بدار الاباء الدومنيكان، الموصل، 1877م، ص 227.
14- سورة المائدة، الآية 82 .
15- ابن العبري، تاريخ الزمان، نقله الى العربية: اسحقارملة، قدم له الاب الدكتور: جان موريس فييه، دارالمشرق، بيروت، 1991م، ص289.
16- عباس اقبال، تاريخ المغول، ترجمة: عبدالوهاب علوب،المجمع الثقافي للامارات، (د.ت)، ص 214.
17- لقد اعتنق مسيحيو كوردستان تعاليم القديس نسطور(386 م – 451 م) بطريرك القسطنطينة عاصمة الكنيسة الشرقية من عام 428 م إلى 431، وكان نسطور يستند على تعاليم كنيسة أنطاكية التي كانت تتبع فلسفة أرسطو طاليس المعتمدة على المنطق والقياس السليم، بعكس مدرسة الاسكندرية التي كانت تتبع فلسفة أفلاطون المثالية، لذلك اعتبر نسطور مهرطقاً وفق نهج مدرسة الاسكندرية التي سيطرت على الفكر المسيحي بعد مجمع نيقية عام325م، وكان نسطور قد اطلق على مريم والدة المسيح البشر، لأنه ولد منها بشراً ، بعكس الكنائس الاخرى الارثوذكسية والكاثوليكية التي تعتبر مريم (والدة الله).

 

‎ٲ.د. فَرسَت مرعي

د.فرست مرعي اسماعيل مواليد ۱۹٥٦ دهوك ٲستاذ التاريخ الاسلامي في جامعة دهوك له ۲۱ كتابا مؤلفا باللغتين العربية والكردية ، و٤۰ بحثا ٲكاديميا في مجال تخصصه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً