البحوث

البهائية ودورها في ظهور النِحلة الباطنية الكردية (حَقَة)

 

القسم الاول 

المقدمة

لم تنقطع مؤامرات الحركات الباطنية على العقيدة والفكر الإسلامي في التاريخ حتى الوقت الحاضر، وفي بداية القرن التاسع عشر الميلادي، تم تجديدها على يد شيخ فاسد العقيدة، غامض الفكرة والأسلوب، يثير حوله جوا من التقديس الكاذب، وهو الشيخ أحمد الإحسائي(1168-1243هـ/ 1753- 1826م)، والذي أسس طريقة في مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، سميت فيما بعد بـ (الشيخية).

والشيخية يقولون: إن الحقيقة المحمدية تجلت في الأنبياء قبل محمد (صلى الله عليه وسلم) تجليا ضعيفا، ثم تجلت تجليا أقوى في (محمد) والأئمة الاثني عشر. ثم اختفت زهاء ألف سنة (260 – 1260هـ/874-1844م)، وتجلت فيما بعد في الشيخ (أحمد الإحسائي)، الذي هو الركن الرابع، وفيما بعد في الشيخ كاظم الرشتي المتوفى (سنة1259هـ/1843م)، ثم تجلت في محمد كريم خان القاجاري الكرماني المتوفى (سنة1288هـ/1870م)، وأولاده الى أبي قاسم خان، هذا التجلي أو الظهور هو أعظم التجليات لله وأئمة الشيعة الاثني عشرية([1]).

والركن الرابع: من الشيخ الإحسائي إلى ما بعده، هم شيء واحد، يختلفون في الصورة، ويتحدون في الحقيقة، التي هي(الله) ظهر بينهم، أو حلّ في أجسامهم، ويعتقدون أن (محمداً) رسول الله، وأن الأئمة الاثني عشر هم أئمة الهدى. ومعنى الرسالة والإمامة عندهم، أن الله تجلى في هذه الصورة، فمنهم رسول، ومنهم إمام. ويعتقدون أن اللاحقين هم أفضل من السابقين. وبناء على ذلك فـ (الشيخ أحمد الإحسائي)، في رأي أصحابه، أعظم من جميع الأنبياء والمرسلين. ويعتقد هؤلاء أيضا بـ(الرجعة)، ويفسرونها بأن الله بعد أن غاب عن صور الأئمة، رجع وتجلى تجليا أقوى في الركن الرابع، الذي هو (الشيخ أحمد)، ومن أتى بعده.

الشيخ (أحمد الإحسائي) من الشيعة الحلولية، الذين يفسرون (علياً) على غرار الشيعة النصيرية (العلوية)، وأدلته الفلسفية مستقاة من مذهب الفيلسوف الإيراني الباطني المشهور ملا صدرا الشيرازي المتوفى (سنة 1050هـ/1640م) وترشح كتاباتهم بأنهم يعتقدون في (علي بن أبي طالب)، نحو ما يعتقد فلاسفة الأفلاطونية المحدثة في العقل الأول، بل أدهى وأمر([2]).

أما اعتقادهم في يوم القيامة، فهو اعتقاد باطل، مخالف لنصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وإجماع الأمة،  فقد أقروا بوجود جنتين، وجهنمين: إحداهما في هذه الدار العاجلة (الدنيا)، والأخرى اللاحقة (القيامة)، وإن الجنة هي الولاية والاعتراف بالقائم ولا فرق. أما يوم الحشر فإن الخلق لن يعودوا إلى الله وفق تعاليم الإسلام، وإنما إلى المشيئة الأولى. وأن البعث (النشور) لا يكون في الأجسام المشهودة، بل في أجسام لطيفة (قوريلائة)  وهي كلمة سريانية تعني الاجسام بين عالم الكثافة وعالم الجنة الروحاني، أو العالم المثالي، وهو عبارة عن البرزخ ما بين عالم الأجسام وعالم النفوس، ولذلك فإن فكرة (الإحسائي) حول مسألتي المعاد والمعراج الجسماني، تعد بدعة في العقيدة الإسلامية، فقد كرر أن جسم الإنسان مكون من أجزاء متباينة، مستمدة من الطبائع الأربعة: (الماء والتراب والهواء والنار)، والأجسام التسعة السماوية  وفق الفلسفة الافلاطونية المحدثة، وأن الجسم الذي يقوم في يوم القيامة لا يتكون إلا من الأجزاء السماوية، وأما الطبائع الأربعة، فإنها تعود إلى الأرض بمجرد الوفاة. وعلى هذا فإن معراج النبـي محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى السماء كان روحانيا لا جسمانيا([3]).

وما تجدر الإشارة إليه، هو أن الفكرة الباطنية  نظرا لما يحيط بها من غموض وإبهام، ولما في طرق تأديتها وتعاليمها من رموز وإشارات، قد يتعذر وجود شخصين متفقين فيها، وهذا ما جعل (كاظم الرشتي) يخالف أستاذه (الإحسائي) في كثير من مبادئه، ويؤسس له طريقة جديدة، عرفت بـ (الطريقة الكشفية)([4]). وهذا بعينه أيضا هو الذي حدا بالسيد (علي محمد الشيرازي)، أن يؤسس- بعد مدة- دينا جديدا (الدين البابي)، رغم اتصاله الشديد بأستاذه ( كاظم الرشتي). وقد استخدم الشيخ (الإحسائي) جميع وسائل الباطنية، من: تأويل، وحلول، وتناسخ، وتقديس للأنبياء والأئمة، فالإمام مخلوق من نور الله، وأنه صاحب المشيئة في العالم، لأنه نفس الله! ولم يتورع (الإحسائي) عن الاستناد على روايات كاذبة، وأحاديث ضعيفة، منسوبة إلى الأئمة، في تمرير أساطيره وخرافاته بين أتباعه، الذين حاولوا دون جدوى توضيح آراء أستاذهم، والدفاع عنها.

أما الحركة الكشفية أو الرشتية، فهي تطور طبيعي للشيخية، على يد (كاظم الرشتي). وقد كتب (الرشتي) مجموعة رسائل، دافع فيها عن عقيدة (الإحسائي)، وحاول شرح غموضها، ولكن علماء الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ما لبثوا أن ردوا عليه أيضا، وعدوه من الغلاة.

والمعروف أن (الميرزا علي محمد الشيرازي)، زعيم البابية، كان تلميذا لـ(الرشتي)، وبالرغم من أن (الفرقة الكرمانية) بزعامة (محمد كريم خان الكرماني) انبثقت مباشرة من (الرشتية)، وتطرفت وغالت في أفكارها هي الأخرى. ومما لا شك فيه أن (البابية) قد استفادت إلى درجة ملحوظة من التراث الباطني، الذي خلفته الفرق الأخرى من التصوف الغالي، وخاصة تراث (الحلاج) المقتول على يد العباسيين سنة309هـ، و(محيي الدين ابن عربي)، بالاضافة الى فرقتي (االشيخية – الإحسائية) و(الكشفية- الرشتية).

وكان العالم العثماني الصوفي الحنفي (الحافظ بن محمد خواجة بارسا) المتوفى (سنة823هـ/ 1419م)، ألف كتابا سماه (فصل الخطاب)، تحدث فيه عن ظهور المهدي، ومناقبه، بقوله: “تظاهرت الأخبار عن ظهوره، وإشراق نوره، يجدد الشريعة المحمدية، ويجاهد في الله حق جهاده، ويطهر من الأدناس أقطار بلاده، زمانه زمان المتقين، وأصحابه خلصوا من الريب، وسلموا من الغيب، وأخذوا بهديه وطريقته، واهتدوا من الحق إلى تحقيقه. به ختمت الخلافة والإمامة، وهو الإمام من لدن موت أبيه إلى يوم القيامة، و(عيسى) يصلي خلفه، ويصدقه على دعواه، التي هي دعوة صاحب الملة المحمدية”[5].

وقد شرح هذا الكتاب (= فصل الخطاب) محمد بن أبي جمهر الإحسائي المتوفى (سنة902هـ/ 1495م)، وأضاف إليه، وشرحه، الشيعي الصوفي الميرداماد المتوفى (سنة1042هـ/ 1631م)، وتابعه في مدينة (أصفهان) ملا صدرا الشيرازي المتوفى (سنة1051هـ/ 1640م)، وأودع تعاليمه في كتابه (جامع الأسرار ومنبع الأنوار). وأصبح هذا الكتاب أحد أعمدة المذهب الباطني، وعلى ضوئه وضع الشيخ أحمد الإحسائي المتوفى (سنة1243هـ/ 1826م)، مذهب الشيخية.

 

النِحلة البهائية

البهائية حركة باطنية ظهرت في (إيران)، نبعت من المذهب الشيعي الاثنا عشري، وهي امتداد للحركات الباطنية التي ظهرت في (إيران) في حقب سابقة: كالشيخية والكشفية والبابية، بدعم من روسيا فـي المرحلة الأولى، والاسـتعمار البريطـاني، واليهودية  فيما بعد، بهـدف إفساد العقيدة الإسلامـية، وتفكيك وحدة المسلمين، وصـرفهم عـن مبادئهم الأساسية.

أسسها (الميرزا حسين علي المازندراني) الملقب بـ (بهاء الله)، المولود (سنة 1234هـ/1817م) وكان والده من كبار ملاك الأراضي. وقد أتعب (الميرزا حسين) نفسه في قراءة كتب التصوف الغالي، وكتب الشيخية، وتعاليم )ابن عربي) و(عبدالكريم الجيلي)، وكبار شعراء الفرس. لذا آمن بوحدة الأديان، وبوحدة الوجود، التي تنتهي بصاحبها إلى القول بسقوط التكاليف، ويتبعها سقوط الشعائر.

وقد أعلن (بهاء الله) دعوته في حديقة السراي (=حديقة الرضوان) في بغداد (سـنة1281هـ/1863م). أما (الميرزا يحـيى علي)، أخو البهاء، والمقلب بـ (صبح الأزل)، فقد أوصـى لـه الباب (علي محمد رضـا الشيرازي)، المقتول (سنة 1267هـ/ 1849م)، بخلافته، وسمى أصحابه بالـ (أزليين). فنازعه أخوه (الميرزا حسين علي البهاء) في الخلافة، ثم في الرسالة، والإلهية، ودس السم لأخيه. ولشدة الخلافات بينهم وبين بقية الشيعة الاثني عشرية، في إيران والعراق، فقـد تـم نفيهم الى الدولة العثمانية عام 1863م، بناء على طلب من الحكومة القاجارية الإيرانية، حيث تم نفيهم في البداية الى بغداد، ومن ثَم بعد اشتداد الصراع بين أتباع الاخوين (الحسين بن علي المازندراني الملقب ببهاء الله)، وأخيه ( يحيى الملقب ب صبح الازل) إلى مدينة (أدرنة) الواقعة غرب (استنبول( على الحدود اليونانية. بعد إعدام الباب (علي محمد الشيرازي)، من قبل السلطات القاجارية الإيرانية في عام1849م، بناءً على أوامر الشاه ناصرالدين القاجاري الذي اغتيل(سنة1325هـ/1896م).

هرب الميرزا يحيى (صبح الأزل)، وأودع أخوه (الميرزا حسين) السجن لمدة أربعة اشهر، وقد تدخلت السفارة الروسية لمصلحة الأخير، فتم نفيه إلى (بغداد)، وزودته السفارة الروسية بالمال اللازم.

وبعد وصول (الميرزا حسين) إلى (بغداد)، التي سبقه إليها أخوه (الميرزا يحيى- صبح الأزل) حدث خلاف وصراع شديد بينهما على نيابة الباب، مما دعا (الميرزا حسين) إلى ترك (بغداد)، والذهاب إلى منطقة (السليمانية)، حيث وصلها في الثاني من رجب 1270هـ الموافق للعاشرمن نيسان 1854م  حيث استقر في كهف في (جبل سورداش)، المطل على قريتي (سركلو)و(بركلو) باسم مستعار(= الدرويش محمد) وكان يغادر مقر خلوته إلى خانقاه) = تكية) مولانا خالد في (السليمانية)، و قصبتي:(بياره) و(طويلة) (=منطقة هاورمان على الحدود الإيرانية- العراقية حالياً) للاجتماع مع زعماء الطريقة.

ثم يرجع الى كهفه المطل على قرية سركلو، وكان يؤمن معيشته خادم له يدعى (ابو القاسم الهمداني).

وتذكر المصادر البهائية أن بهاء الله  التقى في السليمانية بعدد كبير من أعيان وأهالي كوردستان، أمثال: الشيخ عبدالرحمن الطالباني(= خالص) شيخ الطريقة القادرية، والشيخ عثمان(= سراج الدين) شيخ الطريقة النقشبندية وقطبها، وعمّت شهرته أرجاء السليمانية وماجاورها من مدن وقصبات، وسرعان ما انجذب اليه أهالي كردستان.

وتضيف هذه المصادر بأن طرقات وجوامع وآثار السليمانية  شاهدة على لقاءاته مع العلماء  والعرفاء، وخطبه التي ألقاها فيمن حضروا مجالسه، وتوافد الناس ينهلون من علمه وحكمته  ويستمعون إلى كلماته، كما أن كردستان حظيت كذلك بنزول عدد من أهم آيات وكتب حضرة بهاءالله، قد يكون من أهمها : (قصيدة العز الورقائية) .

وتشير المصادر البهائية أنه من خلال زيارات بهاء الله (= الدرويش محمد) المتكررة الى خانقاه مولانا خالد في السليمانية الذي بناه الوالي الباباني محمود باشا سنة1816م/1232هـ، استطاع تكوين صداقة مفعمة بالروح مع الشيخ اسماعيل رئيس الطريقة الخالدية في السليمانية.

وتؤكد هذه المصادر، أنه استطاع التأثير على (الشيخ عثمان سراج الدين النقشبندي) وتكوين صداقة متينة معه، ومع الشيخ اسماعيل رئيس الطريقة الخالدية دون ذكر لقبه، لأن هناك ثلاثة من خلفاء مولانا خالد يحملون نفس التسمية. وتضيف هذه المصادر بالقول : “استمر انجذاب أهل كردستان إلى حضرة بهاء الله حتى بعد رحيله عنها. فالعديد من أعيانها استمروا بالتواصل معه بالخطابات والمكاتيب”.

كما أن عدد من أهلها وأعيانها انجذبوا إلى الكلمة الإلهية التي أتى بها حضرة بهاء الله، فمنهم من آمنوا برسالته، ومنهم من تبنوا العديد من تعاليمه في حياتهم، ومنهم من حافظوا على حبه في قلوبهم وفاء لتلك التجربة التاريخية الفريدة.

وتشير القرائن التاريخية إلى توافد عدد من علماء وعرفاء كردستان لزيارة حضرة بهاء الله بعد رحيله من ديارهم. كما يفتخر بهائيو كردستان بأن بعضا من أبرز كتب حضرة بهاء الله العرفانية نزلت تشريفا لشخصيات كردية، مثل (الوديان الأربعة) والذي أرسلها للشیخ عبدالرّحمن الطالبانی الکرکوکي شيخ الطريقة القادرية وكبير آل الطالباني. و(الوديان السبعة) للشیخ محي الدّین المعروف بشيخ الصوفيّين.

ويذكر العلامة الملا عبدالكريم المدرس في كتابه (يادى مردان- تذكار الرجال) باللغة الكردية الصفحة 259-260، أن بهاء الله استطاع تكوين صداقات مع اثنين من أولاد الشيخ عثمان سراج الدين  النقشبندي(1195-1295هـ/1781-1878م)أحد الخلفاء  الرئيسيين لمولانا خالد الجاف النقشبندي، وهما : الشيخ محمد أبو البهاء(1252-1289هـ/1836-1872م)، والشيخ عبد الرحمن أبو الوفاء (1253-1285هـ/1837-1868م)، وقد عاش بهاء الله معهم حوالي شهرين في خانقاه مولانا خالد في السليمانية، وقد تبادل بهاء الله الرسائل مع الشيخ أبو الوفاء، وكان مضمونها حول العرفان والشعر الصوفي([6]).

كما استطاع توطيد صداقة مع الملا حامد البيساراني(1232-1310هـ/1817-1892م) المعروف بكاتب أسرار الشيخ عثمان سراج الدين، وللمترجم عدة مؤلفات، من أهمها(رياض المشتاقين) الذي ذكر فيها بعض كرامات مولانا خالد، والشيخ عثمان سراج الدين، وكانت بينهما رسائل متبادلة حول القضايا المتعلقة بالادب والعرفان وكتابة الشعر.

كما أرسل بهاء الله رسالة الى (حاجي رسول) أحد وجهاء مدينة السليمانية. و كان لبهاء الله اتصال مع  الشيخ عبد الرحمن خالص ( 1212- 1275هـ/1797- 1858م) المعروف بعبد الرحمن الطالباني مرشد الطريقة القادرية المقيم في كركوك.

 

 

 

[1] – الدكتور محسن عبد الحميد، حقيقة البابية والبهائية بيروت، المكتب الاسلامي، الطبعة الثالثة، 1405هـ-1985م، ص45.

[2]–  المرجع نفسه، ص46.

[3] – عبدالرزاق الحسني، البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم دراسة دقيقة في الكشفية والشيخية وفي كيفية ظهور البابية فالبهائية، بيروت، الدار العربية للموسوعات،2008،1428هـ،ص22، الهامش(2).

[4] – المرجع نفسه، ص24-25.

[5] – محسن الامين  العاملي، أعيان الشيعة، دار التعارف، بيروت، 1986م، ج2، ص72.

[6] – عبدالكريم المدرس، يادى مردان- تذكار الرجال باللغة الكردية، المجمع العلمي العراقي- هيئة اللغة الكردية بغداد، 1979م، ج1، ص259-260.

‎ٲ.د. فَرسَت مرعي

د.فرست مرعي اسماعيل مواليد ۱۹٥٦ دهوك ٲستاذ التاريخ الاسلامي في جامعة دهوك له ۲۱ كتابا مؤلفا باللغتين العربية والكردية ، و٤۰ بحثا ٲكاديميا في مجال تخصصه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً