البحوث

تربيةُ القِيَمِ في عَصْرِ ما بعدَ الحَقِيقة

بسم الله الرحمن الرحيم
1.البحث عن القيم في المجتمع الحديث
أصدرتْ مجلة وقائع التعليم العالي الأمريكية في مطلع عام 2017م، تقريراً خاصاً مطولاً جاء في 32 صفحة بعنوان “ما بعد الحقيقة، post truth”. بدأ التقرير بالإشارة إلى أنَّ مصطلح: “ما بعد الحقيقة” دخل قاموس أكسفورد عام 2016م، واعتبر كلمة ذلك العام: The word of the year. ومقالات التقرير كانت تعبر عن حالة جديدة يمر بها عالم اليوم، وفيه “أن الحقائق الموضوعية أقل تأثيراً في تشكيل الرأي العام من أثر العواطف والمعتقدات الخاصة. وقد بينت مقالات التقرير الست ما تعنية هذه الحالة في التعليم والسياسة والإعلام والحياة الاجتماعية من انتشار الأخبار الكاذبة، التي يقع فيها الناس فريسة الدعاية السياسية والفكرية والاقتصادية المغرضة، وأنَّ الحقيقة أصبحت سلعة في عالم الاستهلاك، مما يقتضي إثارة حرب ضد الأخبار الكاذبة والمآسي التي تحدثها. فنظرية المؤامرة انتقلت من الهامش إلى قلب الحياة العامة، وأنَّ مسألة الأخبار المفبركة تعني أنَّ النسيج الاجتماعي ارتبط بالإعلام والسياسة بطريقة لا فكاك منها.
وعن الموضوع نفسه نشرت صحيفة الغارديان البريطانية في نوفمبر 2017م، مقالةً بعنوان: “نحن الآن في عالم ما بعد الحقيقة مع تآكل في الثقة والمساءلة، ولن ينتهي ذلك إلى خير.”
ونشرت مجلة الشؤون الدولية التي يصدرها المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني كاثام هاوس، مقالة بعنوان: العلاقات الدولية في عصر سياسة ما بعد الحقيقة. وجاء في المقالة أنَّ الأحداث العالمية في السنة السابقة (الحديث عن عام 2016م)، أتاحت نشر كتب وتقارير كثيرة تتحدث عن أن السياسية المعاصرة قد تحولت من عصر العقل والحقائق إلى عصر الإثارة والكذب. والمقالة هي مراجعة لعدد من الكتب التي صدرت مؤخراً حول “عصر ما بعد الحقيقة”، ويقترح كاتب المقالة أن ينصرف الاهتمام من توثيق الأمثلة الكثيرة عن الأخبار الكاذبة إلى دراسة القيم الكامنة وراء اتجاهات الإثارة والعنصرية والجنسية ودور وسائل الإعلام وأساليب التواصل في السياسة الدولية المعاصرة.
وقد أصبح موضوع القيم وموقعها في التربية والتعليم قضية تستأثر باهتمام مؤسسات المجتمع على المستوى المحلي والعالمي، وتتصل بالعمل التربوي في فلسفته وأسسه النظرية وممارساته العملية، وذلك بما هو ملاحظ من تغيّر كبير ومتواصل في منظومة القيم والسلوك القيمي والأخلاقي في مؤسسات التعليم وفي المجتمع بصفة عامة. فقد نشرت المجلة العالمية للبحث والتطوير المتقدم، بحثاً بعنوان الشباب والقيم الأخلاقية في عالم متغير، كشف فيه الباحث “كابل دف” عن أنَّ مظاهر السلوك غير الأخلاقي وغير الاجتماعي عند الشباب عموماً وطلبة المدارس خصوصاً يتزايد يومياً.
إنّ قيمة الإنسان تكمن فيما يتحلّى به من قيم ومبادئ راسخة، تمنحه ثقة بنفسه ووعياً بوظيفته في الحياة، وحرصاً على العطاء الدائم، فإنسان القيم كالشجرة المباركة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكُلَها كلَّ حين، وبدون هذه القيم يُصبح الإنسان متغيراً متلوناً، لا رسوخ له على مبدأ ولا موقف، تتلاعب به أنانيَّتُه وأهواؤه العابرة، وتقتلعه رياح الفتن الإعلامية، وكأنه قشَّة تحرِّكها الرياح في كلِّ اتجاه، وعندها لن تزيد قيمَتُه عن قَشّة، حتى لو ملَك القناطير!
2.التربية على القيم في مجتمعاتنا الإسلامية
إنَّ الإسلام هو مدرسةُ المسلمين، وإنّ القرآن الكريم هو المنهاجُ التربوي في هذه المدرسة؛ فقد كان نزول القرآن الكريم منجماً وعلى مدى زمني متطاول، عمليةً تربويةً تأخذ بنفوس الناس حالاً بعد حال، حتى اكتمل الدين بشريعته ومنهاجه، وتمت به نعمةُ الله على خلقه.
وقد كانت حياةُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم نشاطاً تعليمياً متصلاً في جميع شؤون الحياة. فهو المعلم بنصّ القرآن الكريم: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.﴾ (البقرة: 151)، وهو المعلم بنصّ الحديث الصحيح: “إنَّ الله لم يبعثْني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثَني مُعلماً وميسِّراً”، وهو المعلّم فيما عرفه الصحابة عنه، حين يقول أحدهم: “ما رأيت معلِّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه.” كان المقصد الأساس من هذا الدين هو تعليم القيم ومكارم الأخلاق؛ فقد جاء في الحديث: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق.” وبذلك نستطيع أنْ نقول دون تردد بأنَّ الإسلامَ هو دينُ تربية القيم.
نقصد بالتربية في السياق الذي نحن فيه مجمل عمليات بناء شخصية الإنسان في مراحل حياته وجوانبها، لتحقيق أقصى ما تمكِّنُه منه قدراته، وتتضمن هذه العمليات: التنشئةَ والتعليمَ والتأديبَ والتدريبَ والتعلّم والنموَّ الذاتي. وتتضمن التربيةُ بوصفها عمليات اجتماعية متعددة: تنشئة والدية أسرية، وتثقيفاً اجتماعياً، وتعليماً أكاديمياً، وتدريباً مهنياً؛ وتعلّماً ذاتياً، ومن ثمَّ فإنَّ قيمَ التربية موجودةٌ في جميع هذه العمليات. والتربيةُ هي علم تنمية القيم، وهذا يشمل عمليات تعلُّم القيم وتعليمها وتقويمها في جميع مستويات التربية والتنشئة، وفي جميع مجالاتها.
ونحن نؤمن بأنَّ تربية القيم تحتل موقعاً مركزياً في جهود الإصلاح التربوي في المرجعية الإسلامية. ويجدر بنا أن نلاحظ الصفة التكاملية والتبادلية بين التربية والقيم، فالتربيةُ هي وسيلةٌ لتنمية القيم، والقيمُ هي موجهاتٌ للتربية. فالتربية قيم، وفي التربية قيم تربوية، والتربية سلوكٌ قيمي.
تربية القيم، أو التربية على القيم، أو التربية القيمية، هي تربية أخلاقية، وتأدُّبٌ بآدابٍ وفضائلَ نفسيَّةٍ وسلوكيَّة من صدق ووفاء وإيثار، وغير ذلك من الفضائل والشمائل. لكنَّ هذه التربية تتَّسع لتشمل قيماً في الاجتماع البشري الفطرية والتعاقدية. فحياة البشر إنَّـما تقوم على علاقات اجتماعية تفرض حقوقاً وواجبات، وتبني نظماً، وتضع عقوداً، وتقرِّر التزامات، تقوم كلُّها على الشعور بالمسؤولية والرعاية والتكافل. وتستمر التربية القيمية في التوسع لتحقيق قيم المسؤولية عن الحياة، والاستخلاف في الأرض وعُمرانها المادي والمعنوي، وما يلزم ذلك من قيم الاجتماع البشري.
والتربية على القيم يمكن أن تتم في أي مؤسسة من المؤسسات التي تؤدي دوراً تربوياً؛ بما في ذلك الأسرة، والمدرسة، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع الثقافية والرياضية والدينية، دون أن ننسى مسؤولية الفرد نفسه عن نفسه كلَّما امتلك قدراً من الوعي بضرورة السلوك القيمي وأهميّته في تشكيل شخصيته ومكانته في المجتمع والحياة.
3.تعليم القيم في الأسرة
عندما نتحدث على وظيفة الأسرة في التربية على القيم، فإنَّنا نأخذ بالحسبان أنَّه لا معنى للقيم إلا إذا كانت صفات متجسدةً في مشاعر الناس وسلوكهم وأعمالهم. وفي المجتمع البشري أساليب تنشئة تعتمد أساساً على تقليد الصغير للكبير، وأحياناً يحدث التقليد بطريقة عفوية، فينشأ الأطفال مثلاً على القيم وأخلاق التعامل التي يلاحظونها ويعيشونها في جوِّ الأسرة، وإذا حاول الطفل أن يسلك سلوكاً معيناً يتنافى مع القيم السائدة في حياة الأسرة، فالمعتاد والطبيعي أن يتم تنبيهُهُ، وتوجيهُه. وثـمَّة مواقف في الأسرة يُلقِّن فيها الأبوان الأطفال قيماً معينة، بوصف هذه القيم خصائصَ وصفاتٍ لأفراد العائلة، أو لثقافة المجتمع، وهي في الأساس خصائص وفضائل بشرية نبيلة. ولا شكَّ في أنَّ تجسيد القيم عملياً في واقع الأسرة النواة، والأسرة الممتدة، هو الوسيلة الفطرية لتشرُّب القيم والتطبُّع عليها. أما التلقين فربَّـما يقف بتربية القيم عند جعلها معارف ومعلومات تُطلب معرفتها على أمل أن يتم التفاعل معها بمرور الزمن.
وأكثر القيم البشرية النبيلة يتم اكتسابها في الأسرة أولاً، فالأسرةُ هي المكان الأول للتربية على قيم الإنسانية، وأوّلها قيمة الكرامة الإنسانية، التي تُشعر الفردَ بإنسانيَّته وتفرُّدِه ومسؤوليَّته، وتبدأ تجليات هذه المسؤولية في العلاقات المنزلية، فكلُّ عضو فيها راعٍ، وكلُّ راعٍ مسؤول عن رعيته. وهي قيمٌ يعي معها الإنسانُ أنّ ثـمَّةَ حدوداً وآداباً، وهو يعرف أين تبدأ وأين تنتهي.
والتربية الأسرية تبني عند أفرادها قيمةَ الأسرة نفسِها من تعزيز أهمية بنائها وموقعها في بناء المجتمع وتوريث قيمها الكبرى، وما تحمله من قيم متفرعة عنها: فالتربية الأسرية تُعلِّم أفرادَ الأسرة معنى الميثاق الغليظ والمقدس بين الزوجين، وما يستقر بينهما من السكن والمودة والرحمة، وما يبنى من علاقة لا تقل قداسةً بين الأبناء والآباء، فالأبناء والأحفاد قرَّةُ أعْيُنٍ للآباء والأجداد، وإحسان الأبناء للوالدين قيمةٌ تأتي مباشرة بعد عبودية الإنسان لله. والتربية الأسرية هي المكان الطبيعي لما تبْنِيه من قيم الزوجية، والذكورة والأنوثة، والأبوة والأمومة والبنوة، والعمومة والخؤولة، والامتدادات الأفقية للصهر والنسب، والامتدادات العمودية من الجدود إلى البنين والحفدة والأسباط، وما يقتضيه ذلك كلُّه من فهم وتقدير لقيم الروابط وعلاقات الرَّحِمِ والقْربى في الأُسَر الممتدة، وفهم ما تميله هذه العلاقات من حقوق وواجبات.
وبرامج التربية الأسرية يمكن أن تصمم بصورة تبني الوعي عند الوالدين عن طريق التعليم المباشر، والتمثيل، ولعب الأدوار، فضلاً عن السلوك القيمي في مسائل عديدة منها: تحمّل المسؤولية، ومكارم الأخلاق، والشورى، والحوار، وأساليب الخطاب، وأساليب التعامل مع الآخرين، وحقّ الجوار، وغير ذلك.
لكنَّ الأسرة مع ذلك تتولى الشأن التربوي بطريقة فطرية، فأصل كلِّ فرد في المجتمع البشري رجلاً أو امرأة، صغيراً أو كبيراً هو الأسرة، ففيها تبدأ التربية البدنية، رعايةً وتنشئةً، وفيها تتجلّى التربية الاجتماعية في التواصل اللغوي وعلاقات القُرْبي والرَّحِم، والانتماء إلى المجتمع. وحتى لا تكون هذه التربية فطرية تقليدية ينقصها الترشيد وتبادل الخبرة، يلزم تطوير برامج التربية الأسرية والتربية الوالدية.
الأسرة هي الحصن الأخير لقيم المجتمع وهويته وانتمائه، وحين نتذكر الهجوم الكاسح في الثقافة العالمية على مؤسسة الأسرة فما الذي سوف يبقى؟ ومن الذي يستطيع أن يعوِّضَ ما تقوم به الأسرة في مجال التربية على القيم؟!
4.تعليم القيم في المدرسة
هذا عن الأسرة أما التعليم النظامي في المدرسة فهو المسؤول عن ترشيد التربية الأسرية على القيم، وتعزيزها، واستكمالها. ولذلك فإنَّنا نجد أنَّ كلَّ النظم التربوية في العالم تميِّز في الأهداف والغايات التربوية العامة بين ثلاثة مجالات من هذه الأهداف: المجال المعرفي، ويضم اكتسباب المعارف والمعلومات؛ والمجال المهاري ويضم إتقان عمليات التواصل اللغوي، والتفكير العقلي، والتعامل اليدوي؛ والمجال الانفعالي ويضم الاتجاهات والقيم. ولكنَّ القيم هي روحُ العمل التربوي، والأساسُ التي تُبنى عليه البرامج والمناهج والأهداف التربوية، لأنَّ هدف التربية هو الإنسان، والقيم هي الصفة الأساسية للإنسان الذي تعمل التربية على إخراجه. فالقيم ليست مجرَّد مكوِّن من مكوِّنات الأهداف التربوية، وإنَّـما هي الإطار الذي يعطي للأهداف الأخرى قيمتَها وأهميَّتَها وفاعليَّتَها.
وتعليم القيم أو التربية على القيم في المدرسة يتمُّ كذلك بالتطبُّع على القيم التي تجعلها المدرسةُ ثقافةً نظرية وممارسةً عملية، يشترك فيها كلَّ الحاضرين في المدرسة. ومثل ذلك يقال في كلَّ مؤسسة من مؤسسات المجتمع. ومهما استخدمت المدرسة من أساليب لتضمين القيم في برامج التعليم، فلن تستغني المدرسة عن أمرين أساسيين: الأول وجود القدوة والأسوة العملية التي تتمثل في سلوك المعلم فيما يقول ويعمل. والثاني: هو سيادةُ ثقافةٍ مدرسية في العمل المدرسي تتجلّى فيها القيم الأخلاقية والاجتماعية والمهنية، في البيئة المادية والعلاقات الشخصية والاجتماعية، وطرق التعامل بين جميع مَنْ في المدرسة ومحيطها الإداري والاجتماعي. ويُعدَّ التزامُ مديرِ المدرسة بسيادة منظومة القيم، والثقافة المدرسية القائمة على هذه القيم، العاملَ المهم في ضبط التزام مجتمع المدرسة، وتمثّلها بهذه القيم.
وقد ظهرت دعوات متزايدة في السنوات الأخيرة صدرت عن تربويين وحكومات ومجتمعات محلية لضرورة تعليم القيم في المدارس العامة، في الولايات المتحدة الأمريكية، مما قاد إلى تطوير برامج لتربية القيم أو التربية على القيم. وقد أشارت نتائج تقويم بعض هذه البرامج إلى أنَّ تربية القيم لا بد أن تكون جزءاً أساسياً من الحياة المدرسية الأمريكية. لكنَّ كثيراً من محاولات بناء وتطبيق مناهج دراسية تستند إلى القيم كانت تحاول التأسيس على الأخلاقيات الاجتماعية والطبيعية. وعلى الرغم من القيمة الكامنة في تعليم القيم على أساس هذه البرامج، فقد تبين أنَّ النظريات الطبيعية والاجتماعية لا تقود إلى الالتزام الأخلاقي الكافي لإقناع البشر بإعطاء الأولوية للمصالح العامة، والتخفيف من التمركز حول الذات الطبيعية، وقد ولّد ذلك مشكلة أساسية فيما يـختصُّ بتعليم القيم في المدارس هي غياب أيِّ أساس لتحقيق المصداقية في هذه البرامج، والسبب في ذلك أنَّ تعليم القيم يعدُّ مسألةً فردية إلى حدّ كبير، وأنّها تتَّصف بالنسبية، فلا تتمكن هذه البرامج من تحقيق التزام أخلاقي جادٍّ. ولذلك توصلت هذه الدراسة إلى أنَّ الأساس المناسب لتدريس القيم هو الأساس الإيماني الذي يقوم على المرجعية الدينية الإلهية.
وتظهر أهمية تعليم القيم على وجه الخصوص في الظروف التي يمرّ بها العالم المعاصر، ونختار أن نذكر من بين ما يسود في هذه الظروف مسألتين: الأولى هي انتهاك حقوق وحريات كثير من الأفراد والشعوب، وهدر قيم العدالة الاجتماعية والاقتصادية، نتيجة سيادة المصالح المادية في العلاقات بين الدول والشركات والجماعات، والمسألة الثانية هي سيادة الكذب والتزوير في وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى درجة بات من الصعب التعرف على الحقيقة فيما تنشره هذه الوسائل. فإذا اقتصر التعليم على تزويد المتعلمين بالمعرفة والمعلومات والمهارات على أهميتها، دون الاهتمام بالقيم، فإنّ هذا التعليم ربَّـما ينتج بشراً هم أقرب إلى الشياطين الأذكياء منهم إلى البشر الأسوياء! ونستطيع أن نلاحظ نماذج من هذه النتائج في الشباب الذين تخصصوا في امتلاك مهارات استثنائية في اختراق أنظمة البيانات الرسمية والشخصية، وتهديد فاعلية هذه الأنظمة، وانتهاك خصوصيات الآخرين وابتزازهم؛ مادياً ومعنوياً وأخلاقياً.
وقد كشفت دراسة نشرتها مؤسسة متخصصة بالتعلم الافتراضي digital learning، استطلعت فيها آراء عدد من المختصين بالتعليم والتكنولوجيا من أنحاء العالم، حول الاتجاهات والتحديات التي تواجه التعليم والتكنولوجيا عام 2016م. فكشفت النتائج عن أهمية تضمين القيم في التعليم. والمسألة المهمة في هذا المجال هي الكيفية التي يمكن للعقول الشابة أن تتعامل مع ما تقدّمه التكنولوجيا المتقدمة المتاحة للجميع من: “طوفان المعلومات التي يتلقونها من أخبار وبرامج تسلية، ومواقف وآراء وإعلانات، غير ذلك.”
لكنَّ الخطورة الأهمّ في كثير مما ينشر عن أهمية تعليم القيم مما ينشر عن طريق مؤسسات الأمم المتحدة، ومؤسسات الفكر والثقافة والتعليم العالمية، هي طلب الاستجابة لحالة العولمة التي يـمُرُّ بها العالم اليوم، والتكيُّق مع قيم الحياة المعاصرة بما فيها من تقبل الآخر، واحترام الاختلاف بين الثقافات. ووجه الخطورة هنا أن المجتمعات التي يغلب عليها التجانس في الثقافة والقيم، سوف تخترقها دعوات التقبل واحترام الاختلاف إلى درجة تهدد هوية المجتمع وخصوصياته القيمية، وانتشار حالة السيولة الأخلاقية، التي لا ترى في الشذوذ والفساد أكثر من اختيارات وتفضيلات شخصية تستحق التقبل والاحترام!
ومن البرامج التربوية ما يعدّ تربية للقيم على وجه الخصوص، ولذلك وجدنا بعض المهتمين بموضوع القيم يضعون مناهج خاصة بالقيم تتضمن مقترحات للتعامل مع القيم بطرق مختلفة، منها دمج القيم مع النشاطات المدرسة العامة، أو التعامل معها ضمن موضوعات المواد الدراسية، أو تدريسها بصفتها مادة دراسية مستقلة.
5.تربية القيم ومؤسسات الإعلام
ليس غريباً أن يحصل التطوُّر والتغيُّر في واقع المجتمع البشري مع مرور الزمن وتطور العلوم والخبرات؛ فهذا حاله على مدار التاريخ. ولكنَّ عناصر القوى الأكثر تأثيراً في حالة المجتمع وتشكيل ملامحه، كانت تختلف من عصر إلى آخر. ولعلَّ المؤثر الأكبر على حالة المجتمع المعاصر هو الإعلام. فالمجتمع المعاصر وصل إلى حالة من الطغيان الإعلامي بتعدد وسائله، وكثرة مؤسساته، وجاذبية معروضاته، وحضوره على مدى 7/24، ثم بتحوله إلى إعلام فضائيّ، خلق عالماً افتراضياً يعيش الناس فيه، ويفتقدون عالمهم الواقعي، وبلغ في انتشاره وقوة تأثيره أن أصبح الفرد ضحيَّةً لما يَقذف به الإعلام من أفكار وأخبار، ومن اختيارات وتفضيلات ومغريات، وما يتسلل من ذلك كلِّه بذكاء ودهاء، من بناء قيم معينة وهدم قيم أخرى. ويتمُّ ذلك كلُّه بطريقة تدريجية لا تسمح بتعقُّل خطورة هذه التحولات أو الشعور بخطورتها وبناء ما قد يلزم من وسائل الحماية.
ومن وجوه الخطورة التي يمثلها الإعلام المعاصر أنّ هذا الإعلام أوجد في المجتمع المعاصر مناخاً ثقافياً متقلباً، سريع التغير، تتضارب فيه التوجهات والقيم، ويؤثر في أذواق الناس واختياراتهم وأنماط سلوكهم، ويتحكم في الرأي العام وتوجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفنية، وفي الوقت نفسه أصبح هذا الإعلام أداةً للقوى السياسية والشركات التجارية والتوجهات الفكرية، في التأثير على الناس وتشكيل مواقفهم واتجاهاتهم وقيمهم. ولذلك لا بد أن نعترف بأن التعامل مع وسائل الإعلام والاتصال في المجتمع المعاصر ليس أمراً يسيراً، وهو ما يجعل الاهتمام به ووضع البرامج المناسبة لها أمراً محتماً.
لذلك فإنَّ مجتمعاتنا المعاصرة تحتاج إلى ما يسمى “التربية الإعلامية”، وتتسع دائرة هذا المفهوم لتكون جزءاً من تعليم الأفراد من مختلف الأعمار طرق التعامل مع وسائل الإعلام والاتصال المعاصرة، فحضور هذه الوسائل على مدى 7/24 وكثرتها، وتنوعها، وسهولة توفيرها، وجاذبيتها، تجعل من الضروي أن يتعلم الأنسان كيف يتعامل معها، ومتى يستعملها، وما يأخذُ منها وماذ يضعُ فيها؟ فالطغيان والفوضى والانفلات الإعلامي يؤثر على الطريقة التي يدير فيها الناس حياتَـهم وينظمون أوقاتـهم.
ومن هنا فإنّ كلَّ فرد يحتاج إلى شيء من التربية الإعلامية، تأتي من وعيه بمصلحته الفردية ومصلحة أسرته ومجتمعه، فالأمر في الأساس مسؤولية فردية. وتستطيع الأسرة أنْ تقدم شيئاً من هذه التربية الإعلامية لأبنائها، ليس فقط عن طريق وضع القواعد والضوابط والقيود، وهي لازمة على كلِّ حال، وإنَّـما عن طريق المثال والقدوة، والتنشئة والتدريب، والتوجيه والترشيد. وتستطيع المؤسسات التعليمية المدرسية والجامعية تقديم توجيهات وبرامج لهذا التربية الإعلامية كذلك.
ومن الممكن تصميم برامج إعداد المعلمين وتدريبهم لتضمينها نشاطات ومقترحات حول توجيه الطلبة إلى أساليب التعامل الحكيم مع وسائل الإعلام والتواصل، واتِّقاء مخاطرها من جهة وكيفية توظيفها والاستفادة منها من جهة أخرى. فكلُّ ذلك أمرٌ ضروريٌّ في بناء الشخصية المتوازنة والمتكاملة، وفي التدريب على تحمل المسؤولية والتمييز بين المنافع والمفاسد، والحكم الصحيح على الأمور والتصرف السليم إزاءها.
والتربية الإعلامية كذلك لا تقتصر على الوعي على الأخطار التي يمثلها الإعلام المعاصر، وإنَّـما تشتمل كذلك على التدريب على أساليب توظيف وسائل الإعلام المتاحة إيجابياً، واستخدامها في تصحيح الأخبار، وإصلاح الأفكار، وعرض النماذج الخيِّرة، وتكريس القيم الفاضلة. فإشعال شمعة خير من لعن الظلام –كما يقولون. ويمكن للوعي الفردي والمؤسّسي بأهمية التربية الإعلامية أن يُسهم في التنبيه إلى عناصر الهوية والانتماء الديني والثقافي والحضاري، وتحصين المجتمع من الأخطار التي تتهدد هوية الأمة وثقافتها.
وثمة دراسات تربوية كثيرة تناولت أسباب تدهور القيم الأخلاقية في المدارس في المجتمعات المعاصرة في أنحاء العالم. ومعظم هذه الدراسات أظهرت أنَّ ما يتلقَّاه الطلبة من وسائل الإعلام والتواصل، وما ينشر فيها يُعد سبباً رئيسياً في ذلك التدهور. ومن هذه الدراسات دراسة “مقارنة عبر ثقافية” حول أسباب تدهور القيم الأخلاقية قدمت إلى المؤتمر الأكاديمي التربوي الذي نظّمه معهد الغرب والشرق عام 2016م في بوستن-ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، استطلع ثلاثةُ باحثين، من تركيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية، آراء عينةٍ من المعلمين في هذه البلدان الثلاثة. فوجدوا أنَّ تآكل القيم الأخلاقية أصبح ظاهرةً ملحوظةً في البلدان الثلاثة، وتتمثل بأشكال من الممارسات والسلوكات الخاطئة، ومنها العنف، والتمركز حول الذات، والخيانة، والبلطجة، والوقاحة، وأن هذه السلوكيات عند الشباب وطلبةُ المدارس آخذةٌ في التزايد بصورة كبيرة.
وتوصلت الدراسة إلى أنَّ المعلمين الذين شملتهم الدراسة في البلدان الثلاثة أجمعوا على أنَّ القيم الأخلاقية تعاني من ضعف متزايد في مجتمعاتهم المدرسية، وأنَّ أهم سببين لتدهور هذه القيم هما الإعلام والعولمة. ومثال ذلك أنَّ محتوى العنف في البرامج والموسيقى تنقل قيماً أخلاقية سلبية، وأنَّ الأبعاد الاجتماعية والثقافية للعولمة وتمثلاتها في وسائل التواصل وتجلِّياتها في السلوكات الاستهلاكية لها أثر هائل على القيم والأخلاق. وأشارت هذه الدراسة إلى دراساتٍ متعددة أخرى في بلدان مختلفة أظهرت نتائج مشابهة.
وأوصت الدراسة بضرورة اهتمام الأسرة والمدرسة وتعاونهما في تطوير القيم النبيلة في المراحل المبكرة من عمر الأطفال، بالاعتماد على أن السنوات الأولى من أعمارهم لها أهمية كبيرة في تشكل العادات والقيم الأخلاقية. وأكدت على ضرورة تضمين برامج إعداد المعلمين إجراءات وتدريبات تدريسية لتعليم القيم في الصفوف المدرسية.
6.التربية على القيم في المؤسسات الأخرى
الأثر التربوي في الأسرة والمدرسة يختصُّ بمرحلة الطفولة ومرحلة الشباب المبكر. والأثر التربوي للإعلام يختص بهاتين المرحلتين بالإضافة إلى المراحل اللاحقة. وثَـمَّة مؤسساتٌ أخرى لها أثر على جميع المراحل. ومنها مؤسسة المسجد؛ فالمسجد موطنُ تعلُّم الفضائل والتأدُّب بها، والتخلُّق بمكارم الأخلاق، وللذهاب إلى المسجد آدابٌ وأخلاقٌ نفسيّةٌ واجتماعية، ففيه يحاول الإنسانُ أن يستشعر أنه في ضيافة الله سبحانه، فيحسن السلوك في بيت الله، ويشغل وقته بالذكر والتفكّر، ويستمتع بالسكينة والصفاء، وهي تربيةٌ نفسيّة تفيده في سائر أوقاته وأعماله. وفي المسجد صلاة مع الجماعة تقتضي أن لا يكون عند أحد الحضور ما يُنَفِّر منه، من منظر أو رائحة أو سلوك. وفي المسجد يكون التعارف، وتُبْنَى الصلات والعلاقات، ويتفقد المصلّون بعضهم بعضاً، بالسؤال عن الغائب ومساعدة المحتاج، وكلُّ ذلك تربية اجتماعية تحفظ النسيج الاجتماعي وتقوِّيه. وكلَّ سلوك أخلاقي فاضل يظهر على أحد الحضور في المسجد، يكون قدوة لغيره من الحضور.
وفي المجتمع مؤسسات أخرى، يمكن أن يُستمثر أيٌّ منها في تعزيز الآداب الفاضلة والقيم الأخلاقية النبيلة، فمنها الجمعيات الخيرية والثقافية والنوادي الرياضية والأحزاب السياسية، فالقيم ليست شأناً مقصوراً على مؤسسة متخصصة، وإنما تتداخل القيم مع العمل الخيري والثقافي والرياضي والسياسي وغير ذلك.
ولا تقتصر التربية على القيم وتعلّمها وتعليمها على الصغار، فأخطر ما يهدد القيم في المجتمع أن يكون الكبار سناً والكبراء في المكانة، لا يتصفون بالقيم النبيلة. والكبار هنا هم آباءٌ وأمهات، ومعلمون ومعلمات، وأساتذة في الجامعات، وأطباء ومهندسون، وسياسيون وإعلاميون. ألا نسمع كل يوم على اكتشاف قضايا فساد في حق أمثلة على هؤلاء جميعاً؟!
ألا نسمع كلَّ يوم خبراً عن اكتشاف قصص الفساد عند رئيس أو وزير أو مسؤول كبير، في بلد من بلدان العالم؟! وتأتي قصص الفساد هذه عادة ضمن تصنيفات معينه فيقال: فسادٌ مالي أو إداري أو أخلاقي… لكنَّ كلَّ أشكال الفساد هي فساد أخلاقي، فسرقة المال وتزوير وثائقه وتلقِّي الرِّشا… أخلاقٌ رذيلة، وممارسة المسؤول الظلم والابتزاز في تعامله مع الموظفين في علاقة تحكمها المحسوبية وتبادل المصالح الشخصية، ضارباً عرض الحائط بالكفاءة والأولوية والحقوق … فسادٌ أخلاقي، وأصحاب المهن من أطباء ومهندسين ومقاولين عندما يمارسون الغش في أعمالهم فسادٌ أخلاقي. وكلُّ أشكال الفساد ناتجة عن عدم التحلّي بالقيم.
وعندما نقول إنَّ الكبار في الأسرة ينبغي أن يكونوا في مقام القدوة والأسوة، ليقتفيَ الصغارُ أثرَهم في التحلّي بالقيم والأخلاق والفضائل، فإننا يمكننا أن نقول -بالمنطق نفسه- إنَّ المسؤول في الحكم يمكنه أن يكون في مقام القدوة والأسوة كذلك ليقتفيَ المواطنون أثرَه في التحلّي بالقيم، والمسؤول في المؤسسة يمكنه أن يكون في مقام القدوة والأسوة ليقتفيَ الموظفون أثره في التحلّي بالقيم. ويستطيع كلُّ فرد من الكبار أن يتذكر مواقف إيجابية مؤثرة، ربما غيّرت مسيرة حياته إزاء بعض الأمور، سببها سلوكٌ أخلاقيٌّ فاضل رآه من وزير، أو طبيب، أو أستاذ في الجامعة، أو سائق سيارة في الطريق.
فعملية تعلّم القيم وتعليمها عمليةٌ مستمرة طيلة حياة الإنسان، تستهدف صغار السن والبالغين وحتى الكهول. ودعوات الأنبياء كانت موجهةً لجميع أفراد المجتمع رجالاً ونساءً وأطفالاً. ومحمدٌ صلّى الله عليه وسلم استجاب لدعوته رجالٌ ونساءٌ وأطفال. لكنَّ مسؤوليةَ السلوك القيمي مسؤوليةُ البالغين الكبار بالدرجة الأولى، والصغار يأتون بالتبع.
والحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً