البحوث

النصرانية في تفسير أولى ما قيل في آيات التنزيل، دراسة تحليلية مقارنة

 

 المقدمة

    كانت مدينة الموصل ذات التراث العريق هي مهد التعايش بين الاديان السماوية الثلاث، فكنت ترى العديد من الكنائس والكُنس تجاور المساجد والجوامع، وكتابات القناصل والرحالة الاوروبيين تشي بهذا، فهم كانوا يشيدون بهذا التآلف بين سكان الموصل، تلك المدينة العريقة ذات التراث الاصيل في هذا المضمار، ونصارى الموصل كانوا منقسمين الى عدة مذاهب وفرق: الكلدان الكاثوليك، النساطرة، السريان الارثوذكس، السريان الكاثوليك، واللاتين، وهم نصارى جاؤوا من أوروبا ضمن الارساليات الكبوشية([1] )والدومنيكانية([2] ) وغيرها من التي كانت روما عاصمة الكثلكة ترسلها بين الفينة والاخرى الى الشرق الاسلامي وتحديداً بلاد الشام والعراق، لمحاولة التنصير من جهة، وتحويل الكنائس الشرقية غير الخلقدونية الى مسارها العقائدي، فضلاً عن تعزيز دور الكنائس الوطنية المرتبطة عقائدياً بها التي كانت تمر في أزمات دينية وعرقية وأخلاقية تبعاً لأزمات الكنيسة الأم(= الكاثوليكية).

وكان هذا أحد أسباب كثرة الكنائس والاديرة في الموصل والمناطق المحيطة بها، قياساً بكُنُس اليهود الذين لم يكونوا منقسمين الى مذاهب وفرق في الموصل وأنحائها على أقل تقدير.

عند قراءتك لتفسير(أولى ما قيل في آيات التنزيل) لا ترى هذه المعلومات منبثة في أرجاء التفسير. وعند إجراء مقارنة تفسير (أولى ما قيل في آيات التنزيل) للشيخ رشيد الخطيب الموصلي مع تفسير(محاسن التأويل) للشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي المتوفى سنة 1332هـ/1914م، يلاحظ الباحث بأن المُفسرَين ينتميان الى نفس المدرسة العقلية التي أرسى بنيانها الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية المتوفى سنة1905م وتلميذه النجيب (محمد رشيد رضا) المتوفى سنة1935م صاحب تفسير المنار. ففي الوقت الذي اهتم القاسمي في تفسيره بايراد الروايات الطويلة حول اليهود والنصارى نقلاً من كتبي العهد القديم(= التوراة) والعهد الجديد(= الانجيل)، فضلاً عن ذكر فرقهم القديمة: الملكانية، النسطورية، واليعاقبة(= المنوفستيين – أصحاب الطبيعة الواحدة)، بالاضافة الى فرقهم المعاصرة وما أكثرها في بلاد الشام وتحديداً لبنان([3]).

يبدو واضحاً أن الشيخ رشيد الخطيب الموصلي لم يكلف نفسه مؤونة البحث عما أشار اليه القرآن الكريم في آيات عديدة الى الفرق النصرانية المختلفة في وقت نزول الوحي على الرسول محمد(صلى الله عليه وسلم)، وتلافى هذا الامر كلياً في تفسيره؛ وإذا ما بحث في الموضوع فإنه يعالج الموضوع بصورة مختصرة على عادة القدماء، أو ينقل من تفسير المنار بالنص أو التصرف لدعم آرائه وأفكاره، مع بعض الاحالات على تفسيري الفخر الرازي(المتوفى سنة606هـ)، والقاضي البيضاوي(المتوفى سنة638هـ)؛ في الوقت الذي كان بإمكانه الاشارة اليهم وهم جيرانه المباشرين، أو النقل من كتبهم (العهد القديم – التوراة) و(العهد الجديد – الانجيل) التي كانت متواجدة بين يديه على أقل تقدير.

ويبدو لي والله أعلم بأن الشيخ كان يعتقد بأن صاحب المنار قد وفى الموضوع حقه، لذلك لم يلتفت الى موضوع البحث، رغم وجود بعثات تنصيرية كاثوليكية في الموصل كالدومنيكان، قدموا اليها حوالي سنة1849م، واستقروا في منطقة شارع الفاروق قلب الموصل، وأطلق على منطقة تواجدهم بأسم الساعة، نظراً لنصبهم ساعة كبيرة على قِمة كنيستهم هناك. بعكس المفسر (القاسمي) الذي كان يعيش في دمشق الشام وكان يرى نشاط البعثات التنصيرية لليسوعيين (= الجزويت)([4]) والفرنسيسكان([5])، والدومنيكان([6]) والكرمليين([7])، والاغسطينين([8]) وغيرهم في بيروت تترى على مقربة من مسقط رأسه دمشق في بداية القرن الثالث عشر الهجري/ الثلث الاخيرمن القرن التاسع عشر الميلادي.

ومهما يكن من أمر فإن القضية الاساسية الخلافية بين الاسلام والنصرانية هي ألوهية عيسى المسيح(= التثليث) وتجسيده، وقضية ما يسمى بصلبه ورفعه الى السماء.

و ألوهية المسيح (عليه السلام) قد قرره المجمع المسكوني العالمي الذي عقد في مدينة نيقية(=أزنيك التركية) سنة 325م برئاسة الامبراطور البيزنطي قسطنطين الكبير(285-337م) بالاضافة الى مجمع القسطنينية الذي عقد سنة 381م، وقد قررا بأن الابن والروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب، وأن الروح القدس منبثق من الأب([9]).

وجاء أول ذكر لقضية التثليث في: الاية 171 من سورة النساء: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا }.

وكان الرأي السائد في زمن النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) أن ما يميز عقيدة النصارى بصفة عامة هو عبادتهم للمسيح، لذا قالت قريش:”ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلهاً نعبده كما عبدت النصارى المسيح”([10]).

يقول الشيخ رشيد الخطيب بهذا الشأن:” (…) التفت الى النصارى ودحض شبههم أيضاً في شأن عيسى، وإفراطهم كل الافراط في تعظيمه وتقديسه الى حد الالوهية، ومزج الكلام بالحجاج والنهي والتنديد والانذار، على نهج القرآن في مثل ذلك، فقال تعالى:{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}”، ويعلق المؤلف على ذلك بقوله:”أي مثل قول اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن شعب الله الخاص، ولا تكون النبوة إلا فينا. وقول النصارى بألوهية عيسى عليه السلام، وقولهما:{ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}،[ سورة البقرة:111]. وبشأن التثليث أو الآلهة{ ثَلَاثَةٌ}؛ الأب والابن وروح القدس، أو: الله ثلاثة أقانيم؛ كل منها عين الاخر، فكل منها اله كامل، ومجموعها اله واحد، فتُسفهوا أنفسكم بترك التوحيد الذي هو ملة ابراهيم وسائر الانبياء عليهم السلام، والقول بالتثليث الذي هو عقيدة الوثنيين الطغام، ثم تدعون الجمع بين التثليث والتوحيد الحقيقي، وهو تناقض تحيله العقول و لاتقبله الافهام(…).([11])

وشيخ المفسرين( محمد بن جريرالطبري) المتوفى سنة310هـ/922م يوضع عقيدة التثليث في تفسيره لسورة المائدة :الآية 73 { َقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، يقول في كثير من الايجاز:” وهذا قول كان عليه جماهير النصارى قبل إفتراق اليعقوبية والملكانية والنسطورية، كانوا فيما بلغنا يقولون: الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أباً والداً غير مولود واناً مولوداً غير والد وزوجاً متتبعة بينهما”([12]) . لكن إن دل هذا القول على ثلاثة أقانيم فإن اعتبار مريم أقنوماً من هذه الثلاثة، لا يمكن أن يُفَسَر إلا بالرجوع الى تأويل خاص للآية116 من سورة المائدة:{ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ… }، واعتبارها تشير الى التثليث.

ومن جهة أخرى يذكر أحد الباحثين المختصين في النصرانية قوله :” نحن نعلم أن السيد المسيح موصوف في القرآن الكريم بأنه {رسول الله وكلمته}، وفي المسيحية رفعته الكنيسة، بسبب هذه الصفة، إلى المرتبة الألوهية، إذ جاء في مقدمة إنجيل يوحنا: ( والكلمة هو الله). فهل يعني هذا أن الإسلام يرفع المسيح إلى المرتبة نفسها؟ في الإسلام، ينبغي التمييز بين الكلمة الخالقة والكلمة المخلوقة . فالكلمة التي نطق بها الله تعالى،  وكان منها خلق العالم، وهي كلمة  (كن)، هي الكلمة الخالقة . وهي بهذا المعنى تقابل كلمة ( ليكن) التوراتية . والعالم المخلوق بواسطة هذه الكلمة، من حيث هو محل وقوع الكلمة، هو أيضاُ كلمة”([13]).

وإلى هذا المعنى أشار القرآن حين وصف في عدد من آياته العالم المخلوق (بالكلمات) :{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا }،[الكهف : 109].

{ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }،[لقمان : 27].

وحين يأتي القرآن الكريم لكي يصف وضع السيد المسيح وموقعه في العالم يبين أنه كلمة مخلوقة وأنه ال (يكون) لا الـ ( كُن) : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }،[آل عمران : 59].

كما ينفي عن السيد المسيح أن يكون له الله اتخذه ولداً : { مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }،[مريم : 35].

ومن هذا الفهم يقول الصوفي المشهور ابن عربي المتوفى (سنة638هـ/1240م) إن : “الموجودات كلها كلمات الله التي لا تنفد، فإنها عن كن، وكن كلمة الله “([14]).

من هنا ، نتبين أن القرآن، مع أنه وصف السيد المسيح بأنه {… رسول الله وكلمته}،[النساء : الآية117]، لا يتفق مع المسيحية في إضفائها صفة ( ابن الله) على ابن مريم .

وبذلك تبطل حجة من يقول بأن الإسلام يضع المسيح والقرآن في صف واحد من حيث إن القرآن كلام الله غير المخلوق- أجل- هو كلام الله غير المخلوق،  من حيث ألفاظه التي هي ألفاظ  مخلوقة كسائر خلق الله، بل من حيث الكلام النفسي الذي هو مدلول العبارات([15]).

يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي : ” إن عيسى بن مريم ليس هو نفس كلمة (كن)، ولكنه متعلقها، ولو كان متعلق الإرادة قديماُ مثل الإرداة نفسها، لكان العالم كله قديماً أيضاً، إذ هو ليس إلا نتيجة إرادته سبحانه وتعالى وقوله  له: كن”([16]).

على أن المقارنة تظل مع ذلك قائمة إذا علمنا أن النصرانية تذهب إلى أن الطبيعة الإنسانية في المسيح، الناسوت، حقيقة فردية مخلوقة([17])، فالقرآن الكريم، أو بتعبير أدق المصحف،  مخلوق من حيث ألفاظه وحروفه، وغير مخلوق من حيث مضمونه ومعانيه، أو من حيث هو الكلام النفسي([18]).

الجذور التاريخية لعقيدة التثليث المسيحية

أن عقيدة التثليث وثنية نقلها الوثنيون المتنصرون إلى المسيحية واعتمدوا فيها على بعض ألفاظ فى الكتب اليهودية جعلوها تكأة لهم على ما أرادوا وحرّفوا فيها وأوّلوا ، لتفيد ما ادّعوا ، وبذا هدموا آيات التوحيد ، وقد فصل ذلك علماء أوروبا وأتوا عليه بشواهد كثيرة من الآثار القديمة والتاريخ ، فقال البحاثة موريس فى كتابه (الآثار الهندية القديمة) كان عند أكثر الأمم البائدة تعاليم دينية جاء فيها القول باللاهوت الثلاثي أو الثالوثى.

وقال مستر فابر فى كتابه (أصل الوثنية) كما نجد عند الهنود ثالوثا مؤلفا من برهما وفشنو وسيفا ، نجد عند البوذيين ثالوثا فإنهم يقولون إن (بوذه) إله ثلاثة أقانيم كما تقول الهنود.

وقال مستر دوان فى كتابه (خرافات التوراة) وكان قسيسو هيكل منفيس بمصر يعبرون عن الثالوث المقدس فى تعليمهم المبتدئين بقولهم إن الأول خلق الثاني وهما خلقا الثالث ، وبذلك تم الثالوث المقدس ، وسأل توليسو ملك مصر الكاهن تنيشوكى ـ هل كان قبله أحد أعظم منه؟ وهل يكون بعده أحد أعظم منه؟ فأجابه الكاهن :

نعم يوجد من هو أعظم وهو الله قبل كل شىء ثم الكلمة ومعهما روح القدس ، ولهذه الثلاثة طبيعة واحدة وهم واحد بالذات وعنهم صدرت القوة الأبدية ، فاذهب يا فانى ، يا صاحب الحياة القصيرة ، ثم قال المؤلف : لا ريب أن تسمية الأقنوم الثاني من الثالوث المقدس (كلمة) هو من أصل وثنى مصرى دخل فى غيره من الديانات المسيحية و (أبولوّ) المدفون فى (دهلى) يدعى الكلمة ، وفى علم اللاهوت الإسكندرى الذي كان يعلمه (بلاتو) قبل المسيح بسنين عدة (الكلمة هى الإله الثاني) ويدعى أيضا ابن الله البكر وقال هيجين فى كتابه (الانكلوسكسون) كان الفرس يسمون (متروسا) الكلمة والوسيط ومخلص الفرس ، وقال دوان : كان الفرس يعبدون إلها مثلث الأقانيم مثل الهنود ويسمون الأقانيم (أو زمرد ميترات. أهريمن). فأوزمرد الخلاق وميترات ابن الله المخلص والوسيط. وأهريمن الملك ، والمشهور عن مجوس الفرس التثنية دون التثليث فكانوا يقولون بإله هو مصدر النور والخير، وإله هو مصدر الظلمة والشر.

وقال صاحب كتاب (ترقى الأفكار الدينية) إن اليونانيين كانوا يقولون إن الإله مثلث الأقانيم وكان قساوستهم إذا شرعوا فى تقديم الذبائح يرشّون المذبح بالماء المقدس ثلاث مرات (إشارة إلى الثالوث) ويرشون المجتمعين حول المذبح ثلاث مرات، ويأخذون البخور من المبخرة بثلاث أصابع، ويعتقدون أن الحكماء قالوا إنه يجب أن تكون جميع الأشياء المقدسة مثلثة، ولهم اعتناء بهذا العدد فى جميع شعائرهم الدينية.

وقد اقتبست الكنيسة بعد دخول مسيحية قسطنطين فيهم هذه الشعائر كلها، ونسخت بها شريعة المسيح التي هى التوراة، وظلموا المسيح بنسبتها إليه.

وعلى أية حال فإن الديانة المسيحية بنيت على أساس التوحيد الخالص، فحوّلها الكهنة إلى ديانة وثنية تقول بتثليث غير معقول أخذوه من تثليث اليونان والرومان المقتبس من تثليث المصريين والبراهمة اقتباسا مشوّها، ونسخوا شريعة سماوية برمّتها، واستبدلوا بها بدعا وتقاليد غريبة عنها، فقد كانت ديانة زهد وتواضع، فجعلوها ديانة طمع وجشع وكبرياء وترف وأثرة واستعباد للبشر ، ديانة نسبوها إلى المسيح وليس عندهم نص فيها يدل على التثليث، بل عندهم نصوص من كلامه تدل على التوحيد وإبطال التثليث، ولو لم يكن عندهم من النصوص فى هذه العقيدة إلا ما رواه يوحنا فى إنجيله لكفى من قوله عليه السلام (وهذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته) فهذا نص واضح فى أنه هو الإله وحده وأنه هو رسوله.

وقال مرقص فى الفصل الثاني عشر من إنجيله: “إن أحد الكتبة سأل يسوع عن أول الوصايا فأجابه ، أول الوصايا : اسمع يا إسرائيل ، الرب إلهنا رب واحد إلخ، فقال له الكاتب (جيدا) يا معلّم بالحق قلت، لأنه واحد وليس آخر سواه، فلما رأى يسوع أنه أجاب بعقل قال له (لست بعيدا عن ملكوت السموات)”. ومن هذا النص يعلم أن التوحيد الخالص هو العقيدة المعقولة التي تؤخذ على ظاهرها بلا تأويل. 

{َنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} أي لن يأنف المسيح ولن يترفع عن أن يكون عبد الله لعلمه بعظمة الله وما يجب له من العبودية والشكر ، ولا الملائكة المقربون يستنكف أحد منهم أن يكون عبدا له.

ومن هذه الآية يفهم أن الملائكة أعظم من المسيح خلقا وأفعالا، ومنهم روح القدس الذي بنفخة منه خلق المسيح، ومن ثم استدل بها كثير من العلماء على تفصيل الملائكة المقربين على الأنبياء. إذ السياق فى ردّ غلوّ النصارى فى المسيح باتخاذه إلها ورفعه عن مقام العبودية فالرد عليهم يقتضى الترقي من الرفيع إلى الأرفع كما تقول إن فلانا التقى لا يستنكف من تقبيل يد الوزير ولا الأمير، فإذا بدأت بذكر الأمير لم يعد لذكر الوزير فائدة، بل يكون لغوا لأنه يندمج فى الأول بالطريق الأولى.

وقال آخرون إن الآية لا تدل على ذلك لأنها فى معرض تفضيل هؤلاء الملائكة فى عظم الخلق والقدرة على الأعمال العظيمة وهو المناسب للرد على من استكبروا خلق المسيح من غير أب وصدور بعض الآيات عنه فجعلوه إلها، مع أن الملائكة خلقوا من غير أب ولا أم ويعملون ما هو أعظم من آيات المسيح فهم بهذا أفضل منه وأعظم([19]).

وأيا كان فالتفاضل فى هذا من الرجم بالغيب ، إذ لا يعلم إلا بنص مع أنه ليس له فائدة فى إيمان ولا عمل. (وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً). أي ومن يترفع عن عبادته تعالى أنفة وكبرا فيرى أنه لا يليق به ذلك فسيجزيه أشد الجزاء ، إذ يحشر الناس جميعا للجزاء ، المستنكفين منهم والمستكبرين مع غيرهم فى صعيد واحد كما ورد فى الحديث ثم يحاسبهم ويجزيهم على أعمالهم. {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}، أي فهؤلاء الذين عملوا الصالحات سيعطيهم أجورهم وافية كاملة على إيمانهم وعملهم الصالح بحسب سنته سبحانه فى ترتيب الجزاء على مقدار تأثير الإيمان والعمل الصالح فى النفس وتزكيتها وطهارتها من أدران الشرور والآثام.

{وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً}، أي فهؤلاء يعذبون عذابا مؤلما يستحقونه بحسب سنته أيضا ، لكن لا يزيدهم على ما يستحقون شيئا لأن رحمته سبقت غضبه ، فهو يجازى المحسن على إحسانه بالعدل والفضل ، ويجازى المسيء على إساءته بالعدل.{وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً}، أي ولا يجدون لهم من غير الله تعالى وليا يلى أمورهم ويدبر مصالحهم ، ولا نصيرا ينصرهم من بأسه ويرفع عنهم العذاب ، {إذ لا عاصم اليوم من أمر الله يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه}. {يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً }، (النساء:174). { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً }، (النساء:175)([20]).

 

 

 

 

 

مجمع نيقية وإرساء عقيدة التثليث

  قضية ألوهية المسيح، قرره المجمع المسكوني الذي عقد في مدينة نيقية(=أزنيك التركية) سنة 325م برئاسة الامبراطور البيزنطي قسطنطين الكبير، ولقد استمر هذا الانقسام الشديد حتى بعد اعتناق الإمبراطور قسطنطين للمسيحية وجعلها الديانة الرسمية للإمبراطورية في مرسوم ميلان عام313م. ولقد دفع هذا الانقسام الإمبراطور قسطنطين إلى عقد مجمع نيقية في عام 325م لدراسة الخلافات القائمة في كنيسة الإسكندرية وإزالة التعارض والاختلاف العقدي القائم آنذاك وتوحيد العقيدة المسيحية. ولقد كان هذا المجمع هو المجمع المسكوني الأول. ويخبرنا موقع الأنبا تكلا أن هذا المجمع حضره 318 أسقفا، وفي البداية كان هناك 16 أسقفا مؤيدا للأسقف أريوس، و22 أسقفا مؤيدا للبابا ألكسندروس والباقي لم يكن موقفهم قد تحدد بعد.

وينقل الموقع عن الكاهن أريوس قوله في المجمع: “إن الابن ليس مساويًا للآب في الأزلية وليس من جوهره، وأن الآب كان في الأصل وحيدًا فأخرج الابن من العدم بإرادته. وأن الآب لا يُرَى ولا يُكشَف حتى للابن؛ لأن الذي له بداية لا يعرف الأزلي، وأن الابن إله لحصوله على لاهوت مُكْتَسَب”.

ويذكر الموقع أنه عندما وقف أريوس ليشرح معتقده على نحو ما سلف، حدث ضجيجا عاليا وسدوا آذانهم لكي لا يسمعوا هذا الشرح. ويقر الموقع أن الملك قسطنطين قد سمح لأثناسيوس سكرتير البابا الخاص ولم يتجاوز من العمر 25 سنة بالحديث بالرغم من أنه لم يكن له الحق في ذلك إذ كان شماسا في ذلك الحين. واقترح أثناسيوس أن تضاف كلمة (HOMOOUSION)ذو جوهر واحد. والفرق بين الاثنين حرف واحد هواليوتا في الأبجدية القبطية المشتقة من اليونانية ([21])  .

ويخبرنا الموقع أن وصول المجمع لقرار لم يكن بالأمر الهين بل استدعى الأمر مجهودًا رهيبًا. وفي النهاية، وضع المجمع قانون الإيمان من أول “بالحقيقة نؤمن بإلهٍ واحد”…. حتى قوله “ليس لِمُلْكِهِ انقضاء”. وفي هذا المجمع أيضا، تم تحديد يوم عيد القيامة وهو الأحد الذي يلي البدر الذي فيه عيد اليهود حتى لا يُعَيدوا قبل اليهود ومعهم.

وطولب في هذا المجمع أن يكون ذوى الكهنوت من أصحاب الزوجات والذي دافع عن هذا الأمر بشدة وعضده هو القديس بفنوتيوس أسقف مدينة طيبة المصرية، واكتفى المجمع بالحكم على الكهنة المترملين بعدم إعادة الزيجة. وسَنَّ المجمع بعد ذلك عشرون قانونًا مازالوا موجودين إلى هذا العصر.

ووَقَّع المجمع قرار حرم آريوس وأتباعه، وبعد هذا القرار بالحرم، أمر الملك بنفيه وحرق كتبه وإعدام من يتستر عليها. وكان البابا ألكسندروس قد عقد مجمعًا محليًا عام 318م، حرم فيه أريوس وتعاليمه، وجرده من رتبته الكهنوتية.

وهنا يثير سؤال كيف اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية وهو لم يكن على يقين من طبيعة المسيح وما إذا كان رسولا أم إلها؟ وكيف يكون هناك خلاف في ديانة ما بين رجال الدين على طبيعة الإله نفسه ومن هو وهل هو واحد أم ثلاثة؟ وكيف يستمر هذا الخلاف بدون حسم لمدة ثلاث قرون؟ وإذا كان مجمع نيقية قد حضره 318 أسقفا فعلا، فكيف يكون الخلاف فقط بين 16 أسقفا من جانب، و22 من جانب آخر؟ وكيف يتأتى أن (الباقي لم يكن موقفهم قد تحدد بعد)؟ فهل الباقون البالغ عددهم 318- 38 = 280 يجهلون عقيدتهم ولا يعلمون من إلههم وما إذا كان المسيح رسولا أم إلها؟ وإذا كان هذا هو حال رجال الدين، فماذا كان حال عموم الناس؟

أليس هناك تكافؤ بين عدد الجانبين 16 مقابل 22 على الرغم من أن 22 بينهم اسقف الإسكندرية نفسه    ( أثناسيوس)؟ أليس من المنطقي أن يكون أتباع بابا الإسكندرية أكبر من ذلك بكثير في مواجهة أسقف عادي حرم وحرمت تعاليمه وجرد من رتبته الكهنوتية وهو أريوس، هل انتظر هؤلاء الأساقفة ليعلموا ما هي الكفة التي سيرجحها الملك ثم انحازوا للجانب الذي أيده الملك.

ما بعد: فلابد من توضيح معنى التثليث الذي يؤمن به النصارى، وحيث أن النصارى مختلفون كثيراً في تفسير التثليث فإننا نسوق ما يتفق عليه جل النصارى بل هو عقيدة إيمانهم التي اتفقوا عليها في مجمع نيقيه سنة 325م وهو أوضح نص في التثليث يقرون به، بل إن هذا النص هو مرجعهم في تأويل كتبهم المقدسة ويفسرون به كلام أنبيائهم.  يقول هذا النص: ” أؤمن بإله واحد أب ضابط الكل خالق السموات والأرض كل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور، ونور من نور، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر الذي كان به كل شيء، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس، ومن مريم العذراء، وتأنس وصلب وتألم وقبر، وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب المقدسة، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الرب، أيضاً سيأتي بمجده ليدين الأحياء والأموات الذي لا فناء لملكه، وبروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب، الذي هو مع الآباء الابن المسجود له “.  فجماهير النصارى من الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، وعامة الكنائس الشرقية غير الخلقدونية ما عدا الكنيسة النسطورية (= كنيسة المشرق- الكنيسة الآشورية) يؤمنون بإله واحد مثلث الأقانيم وفق عقيدة إيمانهم السابقة، فمعبودهم له ثلاثة أقانيم وهي ثلاث ذوات منفصلة اتَّحدتْ وهي: الآب والابن والروح القدس([22]).

فضلاُ عن مجمع القسطنينية الذي عقد سنة 381م، وجاء فيه:” نؤمن بإله واحد الآب القدير، خالق السماء والأرض وكل الأشياء المرئية وغير المرئية، وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله، الوحيد المولود، المولود من الآب قبل كل القرون، نور من نور، إله حقيقي من إله حقيقي، مولود وليس مخلوقا، من نفس كيان الآب، الذي عمل كل شيء، والذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السموات وتجسد بواسطة الروح القدس ومريم العذراء وجعل نفسه بشرا؛ وتم صلبه من أجلنا أيام بونس البنطي، وتعذب وتم دفنه، وبُعث في اليوم الثالث وفقا لما تقوله النصوص، وصعد إلى السموات، ويجلس عن يمين الآب وسيعود ممجدا ليحاكم الأحياء والأموات؛ وحكمه لا نهاية له؛ ونؤمن بالروح القدس، الذي هو رب ويمنح الحياة، ومنبثق من الآب، وهو يُعبد ويُمجد مشاركة مع الآب والابن، وتحدث عن طريق الأنبياء؛ ونؤمن بكنيسة واحدة، كاثوليكية ورسولية. وأقر بتعميد واحد للتكفير عن الخطايا؛ وأنتظر بعث الأموات والحياة في العالم الآتي. آمين”([23]). وقد قرروا بأن الابن والروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت،  وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب وأن الروح القدس منبثق من الآب([24]).

 أما مجمع طليطلة المنعقد سنة 589م فقد قرر بأن الروح القدس منبثق من الابن ايضا، وقد قبلت الكنيسة الغربية الكاثوليكية بأسرها هذه الزيادة وتمسكت بها، وأما الكنيسة االشرقية الأرثوذكسية فمع أنها كانت في أول الأمر ساكتة لا تقاوم قد أقامت الحجة فيما بعد علها تغير القانون على أساس أنها بدعة([25]).

وبخصوص الخلاف بين اليهود والنصارى فإن الشيخ رشيد رضا يوفي الموضوع حقه من خلال شرح الآية: 113 من سورة البقرة:{ َقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}.  فكفر اليهود بعيسى وهم يتلون التوراة التي تُبشر به، وتذكر من العلامات ما ينطبق عليه.  ولا تزال اليهود الى اليوم تَدعي أن المبشر به في التوراة لما يأتِ بعد، وتنتظر ظهوره وإعادته الملك الى شعب اسرائيل،  وهذا هو المسيح الدجال. ومن جانب آخر فإن مفسرنا يلتفت الى النصارى وإنكارهم لليهود، بقوله: ” ولكن هؤلاء النصارى لم يفطنوا أن هذا النفي العام يتضمن نقض التوراة، وهي جزء من شريعتهم(…) وكتاب الآخرين الانجيل يقول بلسان المسيح: إنه جاء متمماً لناموس موسى لا ناقضاً له، وهم نقضوه بقولهم هذا؛ لأن عموم قولهم يستلزم أنكار اليهودية بجملتها، فدينهم واحد، ترك بعضهم أوَله وبعضهم آخره، فام يؤمن به كلهُ أحد منهم، والكتاب الذي يقرؤونه حجة عليهم”([26]).

   ومن الجدير بالذكر أن معاصر المفسر رشيد الخطيب الموصلي ، جمال الدين القاسمي الدمشقي، قد علق كثيراً على الآيات المتعلقة بالمسيحيين، ونقل نصوص مطولة من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، بالاضافة الى النقل من المفسرين القدامى، ومن الكتاب المعاصرين له من المسلمين والمسيحيين واليهود على حدٍ سواء، حتى أنه اعترف بأنه نقل نصوصاً من أكثر من عشرين كتاباً في الردود، على سبيل المثال: العالم المسلم رحمة الله الهندي الكيرانوي في كتابه القيم ( اظهار الحق)، ونوفل أفندي نوفل القبطي في كتابه ( سوسنة سليمان في أصول العقائد والاديان)، وغيرهم.

القول في تأويل قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا }،( سورة النساء: الاية 171).

يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم أي: بالإفراط في رفع شأن عيسى – عليه السلام – [ ص: 1763 ] وادعاء ألوهيته، فإنه تجاوز فوق المنزلة التي أوتيها، وهي الرسالة، واستفيد حرمة الغلو في الدين وهو مجاوزة الحد. وفي الصحيح عن عمر – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:[ لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله ].

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أن رجلا قال: [يا محمد! يا سيدنا وابن سيدنا! وخيرنا وابن خيرنا! فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: أيها الناس! عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل ].

قال ابن كثير : تفرد به من هذا الوجه. ولا تقولوا على الله إلا الحق أي: لا تصفوه بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد، واتخاذ الصاحبة والولد، بل نزهوه عن جميع ذلك. إنما المسيح عيسى ابن مريم صفة له مفيدة لبطلان ما وصفوه به من كونه ابنا لله تعالى رسول الله خبر المبتدأ أعني المسيح، أي: مقصور على مقام الرسالة لا يتخطاه وكلمته أي: مكون بكلمته وأمره الذي هو (كن) من غير واسطة أب ولا نطفة. ألقاها إلى مريم أي: أوصلها إليها وحصلها فيها بنفخ جبريل – عليه السلام – وروح منه أي: بتخليقه وتكوينه كسائر الأرواح المخلوقة، وإنما أضافه إلى نفسه على سبيل التشريف والتكريم كما يقال: بيت الله، وناقة الله. وقيل: الروح هو نفخ جبريل – عليه السلام – في جيب درع مريم ، فحملت بإذن الله، سمي النفخ روحا؛ لأنه ريح تخرج من الروح، وإنما أضافه إلى نفسه؛ لأنه وجد بأمره تعالى وإذنه.

قال أبو السعود(= العمادي): (من) لابتداء الغاية مجازا لا تبعيضية، كما زعمت النصارى. يحكى أن طبيبا نصرانيا للرشيد ناظر علي بن حسين الواقدي المروزي ذات يوم، فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى – عليه السلام – جزء منه تعالى، وتلا هذه الآية، فقرأ الواقدي: [ ص: 1764 ] وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه [الجاثية: 13] فقال: إذن يلزم أن يكون جميع تلك الأشياء جزءا منه، تعالى علوا كبيرا، فانقطع النصراني وأسلم، وفرح الرشيد فرحا شديدا، ووصل الواقدي بصلة فاخرة.

وقيل: سمي روحا؛ لإحيائه الموتى بإذن الله، وقيل: لإحيائه القلوب، كما سمي به القرآن لذلك، في قوله تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: 52]. وقيل: أريد بالروح الوحي الذي أوحي إلى مريم بالبشارة. وقيل: جرت العادة بأنهم إذا أرادوا وصف شيء بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح، فلما كان عيسى – عليه السلام – متكونا من النفخ لا من النطفة وصف بالروح.

وتقديم كونه – عليه السلام – رسول الله في الذكر مع تأخره عن كونه كلمته تعالى وروحا منه في الوجود – لتحقيق الحق من أول الأمر بما هو نص فيه غير محتمل للتأويل، وتعيين مآل ما يحتمله، وسد باب التأويل الزائغ. انتهى. فآمنوا بالله وخصوه بالألوهية ورسله أي: جميعهم، وصفوهم بالرسالة، ولا تخرجوا بعضهم عن سلكهم بوصفه بالألوهية. ولا تقولوا ثلاثة أي: الآلهة ثلاثة: الله، والمسيح، ومريم ، كما ينبئ عنه قوله تعالى: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}، [المائدة: 116].

وقد ذكر السيد عبد الله الهندي في مناظرته مع قسيس الهند حكاية عن مناظره أنه [ ص: 1765 ] حكى أن فرقة من النصارى تسمى (كولى ري دينس) كانت تقول: الآلهة ثلاثة: الأب والابن ومريم، قال: ولعل هذا الأمر كان مكتوبا في نسخهم؛ لأن القرآن كذبهم. انتهى.

أو التقدير: ولا تقولوا: الله ثلاثة، أي: ثلاثة أقانيم، وفي تعاليمهم المدرسية المطبوعة الآن ما نصه: أخص أسرار المسيحية سر الثالوث، وهو إله واحد في ثلاثة أقانيم: الأب والابن وروح القدس.

والأب هو الله، والابن هو الله، وروح القدس هو الله، وليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد موجود في ثلاثة أقانيم متساوين في الجوهر، ومتميزين فيما بينهم بالأقنومية؛ وذلك لأن لهم جوهرا واحدا ولاهوتا واحدا، وذاتا واحدة، وليس أحد هذه الأقانيم الثلاثة أعظم أو أقدم أو أقدر من الآخرين؛ لكون الثلاثة متساوية في العظمة والأزلية والقدرة وفي كل شيء، ما عدا الأقنومية، ولا نقدر أن نفهم جيدا هذه الحقائق؛ لأنها أسرار فائقة العقل والإدراك البشري. انتهى كلامهم في تعليمهم المدرسي المطبوع في بيروت سنة (1876) مسيحية(= ميلادية). فانظر إلى هذا التناقض والتمويه، يعترفون بأن الثلاثة آلهة، ثم يناقضون قولهم وينكرون ذلك.

ونقل العلامة الشيخ رحمة الله الهندي( 1818-1891م) في كتابه (إظهار الحق) عن صاحب (ميزان الحق)([27]) المسيحي الالماني(= كارل فندر-1803-1865م) أنه قال: نحن لا نقول: إن الله ثلاثة أشخاص أو شخص واحد، بل نقول بثلاثة أقانيم في الوحدة، وبين الأقانيم الثلاثة وثلاثة أشخاص بعد السماء والأرض.

قال رحمة الله: وهذه مغالطة صرفة؛ لأن الموجود لا يمكن أن يوجد بدون التشخص، فإذا فرض أن الأقانيم موجودون وممتازون بالامتياز الحقيقي – كما صرح هو بنفسه في كتبه – فالقول بوجود الأقانيم الثلاثة هو بعينه القول بوجود الأشخاص الثلاثة، على أنه وقع في الصحيفة التاسعة والعشرين من كتاب الصلاة، الرائج في كنيسة إنكلترة، المطبوع سنة (1818) ما ترجمته: أيها الثلاثة المقدسون والمباركون والعالون منزلة، الذين هم واحد. يعني ثلاثة أشخاص وإلها واحدا، فوقع فيه ثلاثة أشخاص صريحا، وكذلك مملوءة بعبارات [ ص: 1766 ] مصرحة بأن عيسى ابن الله، وأنه الله، وأن مريم أم الله وزوجة الله، ويسجدون لها ولصورتها السجود المحرم في كتبهم لغير الله، كما يسجدون لله، نسأله سبحانه وتعالى الحفظ، ونعوذ به من الخذلان وتسويلات الشيطان.

ولقد شفى الغليل الأستاذ الجليل الشيخ رحمة الله في (إظهار الحق) فساق – في الباب الرابع منه – إبطال التثليث بالبراهين الدامغة والحجج البالغة. كما رد عليهم من المسلمين وممن أسلم منهم عدد وافر يفوت الحصر، وقد انتشر – ولله الحمد – في ذلك مؤلفات نافعة، بل رد عليهم فرق كثيرة منهم.

فقد جاء في كتاب (الرأي الصواب وفصل الخطاب) للقس جبارة([28]) ما صورته (= نصه): “إن المسيحيين الموحدين الذين ظهروا منذ (80) سنة في أميركا ولهم الآن ثلاثمائة كنيسة، والدرجة الأولى في المعارف والمدارس والاجتماعات الأدبية، وكذلك لهم في إنكلترا ثلاثمائة كنيسة، وتآليف عديدة معتبرة، ويعتبرون القرآن كما يعتبرون الإنجيل والتوراة كتبا إلهية – لا يؤمنون بتثليث الآلهة، أي أنهم لا يعتقدون بكون السيد المسيح أو الروح القدس هو إله حقيقي، كالله الواجب الوجود، بل يعتقدون أن الله وحده هو الإله الحق”([29]) .

وفيه أيضا ما لفظه: كل الكتب المنزلة تعلم بالوحدانية وتنفي تثليث الآلهة، أو كون الله ثلاثة، وتعلن صريحا بأوضح العبارة أن الله واحد أحد، وأنه لا إله حقا سواه. انتهى.

وفي كتاب (سوسنة سليمان) ذكر فرق منهم متعددة صارت إلى إنكار ألوهية المسيح والروح القدس، وهذا الكتاب ساق من فرقهم العتيقة والحديثة واختلافهم ما يقضي بالعجب، مما يؤيد ما قاله الحافظ ابن كثير من أن لهم آراء مختلفة وأقوالا غير مؤتلفة. ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا عن أحد عشر قولا. انتهى. قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في (لرسالة القبرصية): فتفرق النصارى في التثليث والاتحاد تفرقا، وتشتتوا تشتيتا لا يقر به عاقل، ولم يجئ نقل إلا كلمات متشابهات في الإنجيل وما قبله من الكتب، قد بينتها كلمات محكمات في الإنجيل وما قبله، كلها تنطق [ ص: 1767 ] بعبودية المسيح وعبادته لله وحده، ودعائه وتضرعه.

ولما كان أصل الدين هو الإيمان بالله ورسله كان أمر الدين توحيد الله والإقرار برسله، فأرباب التثليث في الوحدانية والاتحاد في الرسالة قد دخل في أصل دينهم من الفساد ما هو بين بفطرة الله التي فطر الناس عليها، وبكتب الله التي أنزلها. انتهى.

وقد اجتمع لدي(= المفسر القاسمي) – بحمده تعالى – حين كتابة هذه السطور عشرون مؤلفا في الرد عليهم، وكلها – ولله الحمد – مطبوعة منتشرة، فلا حاجة للإطالة بالنقل عنها؛ لسهولة الوقوف عليها.

قال الماوردي الشافعي(المتوفى سنة450هـ) في كتابه (أعلام النبوة):” فأما النصارى فقد كانوا قبل أن تنصر قسطنطين الملك على دين صحيح في توحيد الله تعالى ونبوة عيسى – عليه السلام – ثم اختلفوا في عيسى بعد تنصر قسطنطين، وهو أول من تنصر من ملوك الروم، أي: لأن الروم كانت صابئة، ثم قهرهم على التنصر قسطنطين لما ملكهم”.

فقال أوائل النسطورية: إن عيسى هو الله. وقال أوائل اليعاقبة: إنه ابن الله.  وقال أوائل الملكانية: إن الآلهة ثلاثة، أحدهم عيسى. ثم عدل أواخرهم عن التصريح بهذا القول المستنكر، حين استنكرته النفوس، ودفعته العقول، فقالوا: إن الله تعالى جوهر واحد، هو ثلاثة أقانيم، أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وأنها واحدة في الجوهرية، وأن أقنوم الأب هو الذات، وأقنوم الابن هو الكلمة، وأقنوم روح القدس هو الحياة.

واختلفوا في الأقانيم، فقال بعضهم: هي خواص، وقال بعضهم: هي أشخاص، وقال بعضهم: هي صفات، وقالوا: إن الكلمة اتحدت بعيسى ، واختلفوا في الاتحاد. ثم قال: وليس لهذه المذاهب شبهة تقبلها العقول، وفسادها ظاهر في المعقول. وقوله تعالى: انتهوا أي: عن التثليث خيرا لكم أي: انتهاء خيرا، أو اقصدوا خيرا من التثليث وهو التوحيد. إنما الله إله واحد أي: بالذات، لا تعدد فيه بوجه ما.

وبقوله:{سبحانه أن يكون له ولد}، تنزيه لمقامه – جل شأنه – عما زعموه من بنوة عيسى؛[ ص: 1768 ] حيث قالوا: إنه الله وابن الله، والذي أوقعهم في هذه المهلكة الوخيمة، والورطة الجسيمة – ما ورد موهما من ألفاظ الإنجيل كالأب والابن، فلم يحملوها على ما أريد منها، وحملوها على ظاهرها، فضلوا وأضلوا. وفي (منية الأذكياء) ما نصه: وأما ما ورد في الإنجيل الموجود الآن من إطلاق ابن الله على عيسى – عليه السلام – فهو إن لم يكن مما حرف يكون مجازا، بمعنى ابن المحبة، كما يقال: فلان من أبناء الدنيا.

ونظير ذلك قول عيسى – عليه السلام – لليهود حين ادعوا أن لهم أبا واحدا هو الله: (لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني) ثم قال لهم: (أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعلموا) ادعت اليهود أن الله تعالى أبوهم، أي أنهم مطيعون له إطاعة الابن للأب، فكذبهم عيسى – عليه السلام – وجعلهم أبناء الشيطان، أي: أنهم مطيعون له، ولا يخفى أن الابن والأب هنا مجازان. وقد كثر إطلاق اسم الأب على الله تعالى، واسم الابن على العبد الصالح – في الكتب السالفة، فهو إما من الخبط في الترجمة، وإما مؤول بما ذكرنا، فلا تغفل. لكن قد منع من هذا الإطلاق في الملة المحمدية بالكلية؛ تحرزا من الإيهام والوقوع في شرك الأوهام، وهذا هو الطريق الرشد.

وقوله تعالى:{ له ما في السماوات وما في الأرض}، تعليل لتنزهه مما نسب إليه، بمعنى أن كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزءا منه؟! إذ البنوة والملك لا يجتمعان. وكفى بالله وكيلا أي: إليه يكل كل الخلق أمورهم، وهو غني عنهم، فأنى يتصور في حقه اتخاذ الولد، الذي هو شأن العجزة المحتاجين في تدبير أمورهم إلى من يخلفهم ويقوم مقامهم، وقوله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا}.

وقد نقل من تفسير القرطبي، ما نصه: قوله تعالى :{ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا}.[ص: 382] قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم}، نهي عن الغلو. والغلو التجاوز في الحد ؛ ومنه غلا السعر يغلو غلاء ؛ وغلا الرجل في الأمر غلوا ، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها ؛ ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم ، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا؛ فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر

وفي صحيح البخاري عنه عليه السلام : [لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى وقولوا عبد الله ورسوله].وقوله تعالى : {ولا تقولوا على الله إلا الحق}، أي لا تقولوا إن له شريكا أو ابنا . ثم بين تعالى حال عيسى عليه السلام وصفته فقال: إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته وفيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : إنما المسيح المسيح رفع بالابتداء؛ وعيسى بدل منه وكذا ابن مريم . ويجوز أن يكون خبر الابتداء ويكون المعنى: إنما المسيح ابن مريم . ودل بقوله: عيسى ابن مريم على أن من كان منسوبا بوالدته كيف يكون إلها، وحق الإله أن يكون قديما لا محدثا . ويكون رسول الله خبرا بعد خبر .

[ص: 383 ] الثانية: لم يذكر الله عز وجل امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران ؛ فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ ؛ فإن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في الملإ، ولا يبتذلون أسماءهن؛ بل يكنون عن الزوجة بالعرس والأهل والعيال ونحو ذلك؛ فإن ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها؛ فلما قالت النصارى في مريم ما قالت وفي ابنها صرح الله باسمها، ولم يكن عنها بالأموة والعبودية التي هي صفة لها؛ وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها .

الثالثة : اعتقاد أن عيسى عليه السلام لا أب له واجب، فإذا تكرر اسمه منسوبا للأم استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه، وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله، والله أعلم .

قوله تعالى : {وكلمته ألقاها إلى مريم}، أي هو مكون بكلمة ( كن ) فكان بشرا من غير أب؛ والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان صادرا عنه. وقيل : كلمته بشارة الله تعالى مريم عليها السلام، ورسالته إليها على لسان جبريل عليه السلام؛ وذلك قوله: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه . وقيل: ” الكلمة ” هاهنا بمعنى الآية؛ قال الله تعالى : وصدقت بكلمات ربها وما نفدت كلمات الله . وكان لعيسى أربعة أسماء؛ المسيح وعيسى وكلمة وروح، وقيل غير هذا مما ليس في القرآن . ومعنى ألقاها إلى مريم أمر بها مريم .

قوله تعالى : {وروح منه}، هذا الذي أوقع النصارى في الإضلال؛ فقالوا: عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا؛ وعنه أجوبة ثماني : الأول : قال أبي بن كعب : خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق؛ ثم ردها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام؛ فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم، فكان منه عيسى عليه السلام؛ فلهذا قال: وروح منه . وقيل: هذه الإضافة للتفضيل وإن كان جميع الأرواح من خلقه؛ وهذا كقوله: وطهر بيتي للطائفين، وقيل: قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ، وتضاف إلى الله تعالى فيقال: هذا روح من الله أي من خلقه؛ كما يقال في النعمة إنها من الله . وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فاستحق هذا الاسم . وقيل: يسمى روحا بسبب نفخة [ ص: 384 ] جبريل عليه السلام، ويسمى النفخ روحا ؛ لأنه ريح يخرج من الروح . قال الشاعر – هو ذو الرمة :فقلت له ارفعها إليك وأحيها     بروحك واقتته لها قيتة قدرا

وقد ورد أن جبريل نفخ في درع مريم فحملت منه بإذن الله؛ وعلى هذا يكون وروح منه معطوفا على المضمر الذي هو اسم الله في ألقاها التقدير: ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم  وقيل : روح منه أي من خلقه؛ كما قال : {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه}، أي من خلقه . وقيل: روح منه أي رحمة منه؛ فكان عيسى رحمة من الله لمن اتبعه؛ ومنه قوله تعالى: وأيدهم بروح منه أي برحمة، وقرئ: ” فروح وريحان “. وقيل: وروح منه وبرهان منه؛ وكان عيسى برهانا وحجة على قومه صلى الله عليه وسلم.

قوله تعالى :{ فآمنوا بالله ورسوله}، أي آمنوا بأن الله إله واحد خالق المسيح ومرسله، وآمنوا برسله ومنهم عيسى فلا تجعلوه إلها. ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة عن الزجاج . قال ابن عباس: يريد بالتثليث الله تعالى وصاحبته وابنه. وقال الفراء وأبو عبيد: أي لا تقولوا هم ثلاثة؛ كقوله تعالى: سيقولون ثلاثة . قال أبو علي: التقدير ولا تقولوا هو ثالث ثلاثة؛ فحذف المبتدأ والمضاف. والنصارى مع فرقهم مجمعون على التثليث ويقولون: إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم؛ فيجعلون كل أقنوم إلها ويعنون بالأقانيم: الوجود، والحياة، والعلم، وربما يعبرون عن الأقانيم: بالأب والابن وروح القدس؛ فيعنون بالأب الوجود، وبالروح الحياة، وبالابن المسيح، في كلام لهم فيه تخبط بيانه في أصول الدين. ومحصول كلامهم يئول إلى التمسك بأن عيسى إله بما كان يجريه الله سبحانه وتعالى على يديه من خوارق العادات على حسب دواعيه وإرادته؛ وقالوا: قد علمنا خروج هذه الأمورعن مقدور البشر، فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوفا بالإلهية؛ فيقال لهم: لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلا به كان تخليص نفسه من أعدائه ودفع شرهم عنه من مقدوراته، وليس كذلك؛ فإن اعترفت النصارى بذلك فقد سقط قولهم ودعواهم أنه كان يفعلها مستقلا به؛ وإن لم يسلموا ذلك فلا حجة لهم أيضا؛ لأنهم معارضون بموسى عليه السلام، وما كان يجري على يديه من الأمور العظام، مثل قلب العصا ثعبانا، وفلق البحر واليد البيضاء والمن والسلوى، وغير ذلك؛ وكذلك ما جرى [ ص: 385 ] على يد الأنبياء؛ فإن أنكروا ذلك فننكر ما يدعونه هم أيضا من ظهوره على يد عيسى عليه السلام، فلا يمكنهم إثبات شيء من ذلك لعيسى؛ فإن طريق إثباته عندنا نصوص القرآن وهم ينكرون القرآن، ويكذبون من أتى به، فلا يمكنهم إثبات ذلك بأخبار التواتر. وقد قيل: إن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى؛ يصلون إلى القبلة؛ ويصومون شهر رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس، قتل جماعة من أصحاب عيسى فقال: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا وجحدنا وإلى النار مصيرنا، ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار؛ وإني أحتال فيهم فأضلهم فيدخلون النار؛ وكان له فرس يقال لها العقاب، فأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب وقال للنصارى: أنا بولس عدوكم قد نوديت من السماء أن ليست لك توبة إلا أن تتنصر، فأدخلوه في الكنيسة بيتا فأقام فيه سنة لا يخرج ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل؛ فخرج وقال: نوديت من السماء أن الله قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم نسطورا[30] وأعلمه أن عيسى ابن مريم إله، ثم توجه إلى اللاهوت والناسوت وقال: لم يكن عيسى بإنس فتأنس ولا بجسم فتجسم ولكنه ابن الله . وعلم رجلا يقال له يعقوب ذلك ؛ ثم دعا رجلا يقال له الملك فقال له؛ إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى؛ فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا وقال له: أنت خلصتني ولقد رأيت المسيح في النوم ورضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني غدا أذبح نفسي وأتقرب بها، فادع الناس إلى نحلتك، ثم دخل المذبح فذبح نفسه؛ فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته، فتبع كل واحد منهم طائفة، فاقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا، فجميع النصارى من الفرق الثلاث؛ فهذا كان سبب شركهم فيما يقال؛ والله أعلم . وقد رويت هذه القصة في معنى قوله تعالى : {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة}[31].

 

الخاتمة والاستنتاجات

    مما تقدم ، فإنه كانت للشيخ لمحات ولفتات ذكية بخصوص موضوع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، لم نجدها في المظان الاخرى، ولكنه مع ذلك لم يفصل في موضوع بني اسرائيل كما هي عادة المفسرين الاخرين عند تفسيره للآية الرابعة من سورة الاسراء، لأن دولة الكيان الاسرائيلي ظهرت الى الوجود وهو في خضم تنقيح تفسيره، ما عدا اشارة صغيرة في هامش الصفحة 520 من المجلد الرابع، جاء في كتاب العصور القديمة للدكتور جايمس هنري براستد عضو أكاديمية العلوم في برلين، ما يلي :” بعد مضي قرن على نجاة اليهود من يد سنحاريب الملك الاشوري، استولى الكلدانيون على الاشوريون وخربوا نينوى عاصمة ملكهم،  ففرح اليهود العبرانيون، وظنوا أن ذلك خلاص لهم من ظلم الاجانب، ولكنهم لم يلبثوا أن شاهدوا نبوخذنصر ملك الكلدانيين يغزو أورشليم ويخربها، ويجلي أهلها الى بابل.  فلم يزالوا في الاسر والهوان حتى استولى كورش ملك الفرس على بابل، فأعاد اليهود الى أورشليم”.

أما بخصوص الطوائف الاخرى من أهل الكتاب: الصابئة والمجوس، فالامر يختلف فالشيخ لم يتطرق الى موضع الصابئة في تفسيره الآية: 62 من سورة البقرة؛ ولكنه في المقدمة الثانية – المادة العاشرة عند تفسيره للآية: 69 من سورة المائدة { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} فرفع (الصابئون) وغير نسق الاعراب فيه؛ للتنبيه الى أنهم أهلُ كتاب أيضاُ، وإن لم يكن معروفاً عنهم، كأنه قال: والصابئون كذلك”([32]).

 ولكنه عندما فسر الآية: 69 من سورة المائدة { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، قال:” وإنما رفع (الصابئون) لأنه مقحم في السياق وجديدُ فيه إذ لم يكن مشهوراً أنهم من أهل الكتاب، فهو على معنى: والصابئون كذلك، لأنهم أهل كتاب أيضاً”([33]).

ومن جانب آخر لم يتطرق الشيخ الخطيب الى المجوس عند تفسيره الاية: 17 من سورة الحج.

إلا أنه في معرض تفسيره الاية: 19 من سورة الكهف { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا }، قال:” ثم ذكر ما كان من أمرهم بعد ذلك بقوله حكاية عنهم:{ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ} أي بدراهمكم هذه { إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} أي أهل المدينة أحلُ طعاماً – إذ كان فيهم المجوس – فيلتمس طعاماً زكياً(…)”([34]).

 

 

 

 

المصادر والمراجع والهوامش

[1]) الكبوشيون: هي رهبنة كاثوليكية نشأت عام 1525م بوصفها حركةً إصلاحية ضمن نطاق الرهبنة الفرنسيسكانية، حيث استقلت عنها نهائياً عام 1619م، ووصفوا بالكبوشيين اشتقاقًا من كلمة كبوش وهي قلنسوة طويلة ذات حافة رقيقة كان يلبسها الرهبان. يوجد نحو 11,000 من الكبوشيين على نطاق العالم منهم نحو 900 عضو في الولايات المتحدة. وتشمل أعمال الكهنوت: التدريس، والتنصير، والعمل الاجتماعي. وكان الراهب الإيطالي ماتيو  سرافيني دا باسكيو قد أسس هذه الجماعة عام 1525م، مواصلاً تعاليم القديس فرانسيس الأسيزي في الزهد والحياة البسيطة، ومقرها الرئيسي يقع في روما. ينظر: منير البعلبكي، الرهبانية الكبوشية – موسوعة المورد، بيروت – لبنان، 1991م؛ غسان دمشقية، لاهوت التحرير، الأهالي للطباعة والنشر، دمشق، 1990م، ص 188.

[2] ) ولد القديس دومنيك Domingo في مدينة كالاروكا في مقاطعة قشتالة الواقعة في شمال أسبانيا سنة 1170م ، وترعرع تحت كنف عمه الذي كان قسيساً . ساهم دومنيك في الحملة الصليبية ضد (الالبجنسيين) عن طريق الوعظ والإرشاد وأمضى في ربوعهم عشر سنوات 1205- 1216م حيث تنطلق منها زرافات الرهبان إلى الأماكن الأخرى . وأمست الفرقة ذات تأثيرات كبرى عند وفاة المؤسس سنة 1221م، إذ قامت بأدوار هامة في المجالات الدينية في المدن والجامعات، وبرز من بين صفوفهم إثنان من عمالقة الفلسفة في أوربا هما: البرتوس ماكنوس و توماس اكويناس. ولقد انتشرت فرقة الدومنيكان في كافة أرجاء العالم وخاصة في أرجاء آسيا الغربية، ولقد لعب هؤلاء الدومنيكان أدواراً خطيرة في الاتصالات التي جرب بين البابا والملوك الصليبيين من جهة والمغول من جهة أخرى لغرض إنقاذ الممالك الصليبية في المشرق الإسلامي . ومن جانب أخر فأن البابوية اعتمدت على الدومنيكان في محاكم التفتيش التي أنشأتها في المرحلة الأولى لمحاربة الفرق المهرطقة والمُضِلة حسب وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية، وقد وصل الأمر بالدومنيكان أن شبهوا أنفسهم بكلاب الله Domini Canes في اصطياد الهراطقة وللمحافظة على الرعية المسيحية ضد الذئاب الضاربة (المهرطقين)، ينظر، فرست مرعي: الدومنيكان وأثرهم في تغيير الخارطة المذهبية لمنطقة بهدينان، مجلة الايمان،العد49، أربيل، 2012م.

[3]) يبلغ عدد فرق النصارى في لبنان حوالي خمسة عشر فرقة، أكبرها المارونيون الذين ينتسبون الى القديس مارون، وهم يحكمون لبنان منذ استقلاله عن فرنسا، عام1943م وهم مرتبطون عقائدياً بالكنيسة الكاثوليكية.

([4] اليسوعيون: أوالرهبنة اليسوعية، هي واحدة من أهم الرهبنيات الفاعلة في الكنيسة الكاثوليكية، ومن أكبرها. تأسست على يد القديس إغناطيوس دي لويولا في القرن السادس عشر أيام البابا بولس الثالث في إسبانيا، كجزء من حركة الإصلاح المضاد، وأخذت على عاتقها مهمة التبشير ونشر الديانة في العالم الجديد. ولقد رفع مؤسسها إغناطيوس إلى مرتبة قديس عام 1622م. ينظر: كارين آرمسترونغ: النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام، ترجمة: محمد الجورا، دار الكلمة، طبعة أولى، دمشق 2005، ص21.

[5] ) الفرنسيسكان : وهم أتباع القديس فرنسيس الاسيزي ، ينقسمون إلى ثلاثة طوائف وهم : 1- الرهبان الصغار والكبوشيون والديريون ، تمسك الفرنسيسكان منذ البداية بحياة الفقر المدقع ولم يسمحوا لأنفسهم بإمتلاك شيء مطلقاً ، كانت لهم في القرون الوسطى حركة علمية مرموقة .

[6])  الدومنيكان: تم التعريف بهم من خلال تعريف مؤسسهم القديس دومنيك الاسباني.

[7] ) الكرمليون : وهم رهبان كاثوليك ، نشأت طائفتهم في أول الأمر على جبل الكرمل في فلسطين ، ثم نزحوا إلى قبرص عام 1238م ، ومنها الى اوربا . ينظر : غسان دمشقية : لاهوت التحرير، (دمشق: الأهالي للطباعة والنشر ، 1990م)، ص12.

[8] ) الأوغسطينيون : إحدى الرهبانيات الكاثوليكية مؤسسها القديس أوغسطين ، سافر أتباعه إلى الهند الشرقية في 18 آذار1578،  وكانوا في مضيق هرمز منذ سنة 1576م ومن هناك توغلوا في إيران في عهد الشاه الصفوي عباس الأول ، وقد أحسن إليهم هذا الشاه الصفوي . ينظر: اوجين تسران : خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية ، نقلها إلى العربية القس سليمان الصائغ ، الموصل، 1939م ، ص176.

[9]) محمد أبو زهرة: محاضرات في النصرانية (الرياض: الرئاسة العامة لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد،1404هـ)، ص170 -180.

[10]) الطبري، محمد بن جرير: جامع البيان عن تأويل آي القرآن(القاهرة: طبعة الحلبي، 1373-1377هـ/1954-1957م)،ج25، ص85؛ وينظرأيضاً  ج3، ص325.

[11]) تفسير أو لى ما قيل، ج3، ص166.

[12]) ج6، ص13.

([13] نهاد خياطة: الفرق والمذاهب المسيحية منذ البدايات حتى ظهور الاسلام (دمشق: دار الاوائل،2002م) ، ص140 – 141.

([14] فصوص الحكم ، فص حكمة نبوية في كلمة عيسوية.

[15]) محمد سعيد رمضان البوطي: كبرى اليقينيات الكونية،(بيروت: دار الفكر،1402هـ)،ص 126 – 127.

[16]) المرجع نفسه، ص 129.

[17] ) جورج قنواتي ولويس غارديه: فلسفة الفكر الديني في الاسلام والمسيحية، ترجمة : صبحي الصالح،(بيروت: دار العلم للملايين،1980م)،ج2، ص295.

[18]) البوطي: كبرى اليقينيات الكونية، ص126.

[19])  تفسير الشيخ أحمد مصطفى المراغي ، وقد نقله من تفسير المنار

[20])  تفسير المراغي، سورة النساء.

[21] –  لغتنا المحبوبة. باسم حبيب جرجس – الجزء الأول

[22])  نقلاً عن الباحث خالد بن عبد الله بن عبد العزيز القاسم، بتصرف.

[23] ) زينب عبدالعزيز، مجمع نيقية الاول، مجلة المجتمع الكويتية، مايو/ أيار 2016م.

[24]) فرست مرعي: دراسات في تاريخ اليهودية والمسيحية في كردستان(اربيل: دار ئاراس، 2008م)، ص52- 53.

[25]) مجمع طليطلة: مجمع كنسي عقد في مدينة طليطلة (= توليدو الاسبانية)  الواقعة على بعد 75 كم جنوب مدينة مدريد العاصمة الاسبانية الحالية سنة 589م.

[26]) تفسير أولى ما قيل في آيات التنزيل، مج2، ص 164 – 165.

[27] ) هو المنصر الالماني كارل بفاندر المتوفى سنة

[28] ) اسم الكتاب الأصلي: بيان الرأي الصواب وفصل الخطاب في الصلب والبنوة والوحدانية وصحة الإنجيل ويوم الراحة الأسبوعية لإظهار وفاق الكتب المنزلة وحل مسائل معضلة ومصالحة تعارف الامتين العيسوية والمحمدية العظيمتين، تأليف القس الارشيمندريت خريسطفور جبارة الدمشقي وطنا والقيم مذهبا

[29]) هؤلاء خرجوا من رحم المذهب البروتستانتي الانجيلي، واقتربوا بآرائهم من آراء القديس آريوس الذي حرم في مجمع نيقية.

[30] ) الفرق  في الزمن بين بولس ونسطوريوس كبير، فبولس قتل سنة70م على يد الامبراطور الروماني الوثني نيرون، في روما، بيتما توفي نسطوريوس صاحب المذهب النسطوري عام455م في الصحراء الليبية منفياً من قبل مجمع أفسس عام431م، وأتباعه يسمون حالياً ب ( أتباع كنيسة المشرق) ويتركزون في العراق وسوريا وايران وغيرها من البلاد، أي هم أقلية ولكنهم أقرب الى آراء الكاهن آريوس من بقية مسيحيي العالم حالياً.(الباحث).

[31]) لقد أكثر القاسمي النقل من القرطبي بدون تعليق، ولكن الشىء الملفت للنظر أنه كان يشير الى الصفحات التي نقل منها.

[32]) أولى ما قيل في آيات التنزيل، 1/ 533.

[33]) المرجع نفسه، 3/245.؛ ويبدو أنه تكرار لما ورد أعلاه في  المقدمة الثانية – المادة العاشرة، فاقتضى التنبيه.

[34]) المرجع نفسه، 5/17.

اظهر المزيد

د.فرسەت مەرعی

د.فرست مرعي اسماعيل مواليد ۱۹٥٦ دهوك ٲستاذ التاريخ الاسلامي في جامعة دهوك له ۲۱ كتابا مؤلفا باللغتين العربية والكردية ، و٤۰ بحثا ٲكاديميا في مجال تخصصه

مقالات ذات صلة