المقالات

إسلامية المعرفة.. محطات في تاريخ المشروع ومخاضاته

بلال التلیدي

ثار نقاش عريض حول مشروع إسلامية المعرفة، وتلقى انتقادات كثيرة من داخل المدرسة الفكرية الإسلامية ومن خارجها، ولم يكن رواد هذا المشروع يكترثون كثيرا للرد على هذه الانتقادات، لأن ما كان يهمهم هو وضع أجندته على الأرض، وتوفير الكفايات اللازمة لتحقيقه، غير أنهم تفطنوا بعد ذلك للإيحاءات التي يحملها مصطلح “الإسلامية”، وسوء الفهم الذي خلقه، لاسيما داخل الأوساط الأكاديمية العلمانية، فبدأوا بالانعطاف إلى قضية التكامل المعرفي، بدلا عن التمسك بإسلامية المعرفة، وإن كان جزء أساسي من الرواد لا يزال يتمسك بصوابية المشروع، وصوابية الاصطلاح أيضا، ويعتبر قضية التكامل المعرفي جزءا منه.

بيد أن هذا الصمت الذي التزمه رواد هذا المشروع، لم يتح الفرصة لمعرفة سياق التشكل، والمخاضات التي قطعها هذا المشروع، ومختلف التفاعلات التي تسبب فيها، الحادة منها والموضوعية، التي تنتسب منها للداخل، والتي تأتي من الخصم الإيديولوجي، حتى بدا مشروع إسلامية المعرفة التي ظهرت بواكير عمله، من غير تاريخ، ولا سياق يوضح المحطات التي خاضها، والملابسات التي قطعها.

يساهم كتاب “مقالات إسلامية المعرفة” في محاولة ردم هذه الفجوة، وبيان السياقات المتشابكة لتشكل هذا المشروع، وتطوره، والمآلات التي انتهى إليه، ويكتسي أهميته من ثلاث زوايا أساسية:

الأولى، كون كاتبه الدكتور فتحي حسن ملكاوي، من جيل الرواد الذين حضروا جميع محطات هذا المشروع، بل حضروا جميع أشغاله التنظيمية وورشاته الداخلية، وخبروا خبايا هذا المشروع، واطلعوا على النقاشات الداخلية التي كانت تسود داخل البنيات التقريرية للمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

والثانية، كونه، يمثل بوحا تأريخيا عن التجربة، يكشف المحطات التي لم تم تدوينها من قبل المعهد، بل يكشف جزءا من الخلافات والمشاكسات التي لم يكن رواد المعهد في زمن إطلاق المشروع ورعايته يرغبون في إثارتها ولا الرد عليها.

أما الثالثة، فكونه يقدم رواية من الداخل، لهذه التجربة، وكيف كان يتمثل الداخل تطور المشروع وكيف كان يستجيب للانتقادات التي توجه إليه من خارج، بل كيف كان يستوعب الضربات التي تأتي إليه من الداخل.

ومع أن صاحب الكتاب، يحدد هوية الكتاب في تواضع، ويقرر أنه مجرد مقالات بالمعنى الذي يعني وجهات نظر، إلا أن واقع الكتاب ومشموله، يؤكد بأنه محاولة جادة من الداخل لتوثيق التجربة بكل دينامياتها المختلفة، والمنافحة عن المشروع بلغة لا تخلو من ذكاء.

لماذا مشروع إسلامية المعرفة؟

يقر الكاتب أن ما أملى مشروع “إسلامية المعرفة” هو الأزمة التي تعيشها الأمة، والنظر الذي انتهى إليه زمرة من المفكرين، الذين أشبعوا بفكرة استعادة الإسلام إلى موقعه الحيوي في إدارة الأمة وقيادتها. ويكشف في مقدمة الكتاب عن سوء الفهم الكبير الذي تعرضت له المدرسة الفكرية الحاملة لهذا المشروع، وذلك من جهتين: من الجهة التي ارتهنت لإكراهات الواقع، فلم تجد سبيلا للخروج من حدوده، سوى بالركون للاستلاب للفكر الغربي ومدارسه، أو من الجهة التي استسهلت رفض التعامل مع العلوم المعاصرة، بحجة أنها تنطلق من رؤية علمانية تنكر الوحي، ويعتبر ملكاوي أن كلا الموقفين كانا محكومين بمنطق الهزيمة النفسية والعجز العملي، وأن المدرسة الفكرية التي حملت مشروع إسلامية المعرفة، حملت تقييما دقيقا لواقع المعرفة المعاصرة، وما تتضمنه من حقائق ومفاهيم وقوانين، وما تصفه من وقائع وطبائع في الأشياء والأحداث والظواهر الطبيعية والاجتماعية بطريقة كمية أو كيفية، وما يمكن قبوله منها وما يطرح مشكلات، يطلب أهل الاختصاص لحلها، كما كانت على وعي بتطور واقع الأمة وعلاقتها بالكسب المعرفي لمختلف الأمم، وما يتطلبه ذلك من عملية تقييم شامل، يتم فيه قبول ما يجوز قبوله، واستثماره، وترك ما لا يمكن أخذه، وأن هذا هو ما املى عليها التفكير بجدية في تأسيس هذا المشروع، وتتبع كسبه وترشيد مساره.

ينطلق الكتاب في فصله الأول، من بسط المفاهيم الأولية الأساسية في مشروع إسلامية المعرفة، فيتعرض لبحث كل من مفهوم “المعرفة”، ومفهوم “الإسلامية” ومفهوم “المشروع” في “إسلامية المعرفة، ويتعرض في فصله الثاني لمحطات في تاريخ المعرفة، يحاول من خلالها التأصيل لفكرة أن كل مشروع معرفي يتسع لمدى زمني معين، وأن مشروع إسلامية المعرفة ذاته، أخذ هذا المدى الزمني من خلال الجهود الأولى التي اندرجت فيه، والمسارات التي قطعها.

 

المدرسة الفكرية التي حملت مشروع إسلامية المعرفة، حملت تقييما دقيقا لواقع المعرفة المعاصرة، وما تتضمنه من حقائق ومفاهيم وقوانين، وما تصفه من وقائع وطبائع في الأشياء والأحداث والظواهر الطبيعية والاجتماعية بطريقة كمية أو كيفية

يحدد فتحي ملكاوي الإطار المرجعي والزمني لتشكل هذا المشروع، إذ كانت البداية مع الوعي بالأزمة وتحديد طبيعتها، والانتهاء بصدد ذلك إلى تحديد الجوهر الفكري لهذه الأزمة، بل إن الأمر دفع بعض الرواد (الدكتور طه جابر العلواني) إلى الذهاب بعيدا، في حفريات هذه المدرسة، أي مدرسة أسلمة المعرفة، وقراءة جهود ابن تيمية في الإصلاح الفكري والمنهجي الإسلامي باعتباره نموذجا ملهما لهذه المدرسة.

مشروع إسلامية المعرفة.. مشاكسات المعارضين وحكمة الرواد

يقدم الفصل الثالث للكتاب، لمحة تاريخية غنية عن تاريخ هذا المشروع، والتفاعلات التي أنتجت في علاقة به، بل والمشاكسات التي أنتجها البعض ضده، دون أن يتجه رواد المعهد إلى أسلوب الرد. ويكشف المؤلف عن معطيات لم تكن متداولة إعلاميا عن الجدل الذي أثير حول المشروع، وطريقة تجاوب الرواد مع الانتقادات التي وجهت إليهم، فيذكر المؤلف الجدل حول تاريخية المشروع، ومشاكسة البعض ممن حضروا فعالياته، وادعاؤهم بأن المعهد اختطف اصطلاحهم، وسطا عليه، وكيف لم يتورط رواد المعهد في الرد بالمثل، وكيف ردوا بطريقة لبقة (عبد الحميد أبو سليمان) بأن الأولى الانشغال بعملية الأسلمة لا بتحديد أول من نادى بها، كما كشف ملكاوي عن جانب من الخلاف حول قضية العلوم الاجتماعية، وما إذا كان المطلوب اسلمتها، أو البدء في إنتاج علوم جديدة، إذ كان إسماعيل الفاروقي في أواخر السبعينيات (1977) بالمؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي بمكة المكرمة، يلح على البدء بالمعارف الموجودة فعلا بين أيدي الباحثين والدارسين في جامعات العالم الإسلامي للنظر التحليلي والنقدي لمحتواها، والكشف عن إحالاتها الفلسفية، وتحيزاتها المعرفية وخلفيتها العلمانية المناقضة للرؤية الإسلامية، بينما كان الفريق المخالف يدعو إلى بناء معرفة إسلامية جديدة مستمدة من المرجعية الإسلامية.

كما تعرض المؤلف لجانب آخر، من المخالفين، الذين يتبنون الرؤية النقيضة للمشروع، من ممثلي اليسار والتيار العلماني، وكيف استقبلوا المشروع بالنقد الساخر دون أن يكون لبعضهم أدنى اطلاع به، ويذكر في هذا السياق هجوم كل السيد ياسين ومحمود أمين العالم الذي حاول تسييس المشروع، معتبرا إياه سعيا واعيا من قبل الحركة الإسلامية السياسية للسيطرة على المجتمع المدني، كما استعرض في هذا الاتجاه انتقادات عزيز العظمة التي صاغها في شكل شتائم بلغت به حد وصف المشروع بأنه صورة من صور جموح اللاعقلانية السياسية لأهل الأهواء الإسلامية، ويذكر المؤلف أيضا موقف المستغرب بسام الطيبي الذي يرى أن الحركة السياسية الإسلامية تحاول إنتاج استراتيجية ثقافية موازية ضمن استراتيجية مواجهة الهيمنة السياسية والاقتصادية للغرب، ويرى أن هذه الاستراتيجية الثقافية تمثل الوجه اللاعقلاني للأصولية، ويذهب به الأمر حد التحريض واستنفار كل الجهات الحريصة على الإسلام والمسلمين لمواجهة خطر مشروع السمة المعرفة.

كما يستعرض المؤلف موقف المفكر العلماني اللبناني علي حرب، الذي بلغ به الحد إلى اتهام المشروع بكونه يستهدف تلغيم المشروع الحضاري، وأن المشروع يمثل نقيضا للإبداع ولنشاط الفكر الخلاق ويحول طول تطوير العلوم والمعارف، ويعيق تجديد المفاهيم والمناهج ويصدر عن مشروع نرجسي يعكس التنافس حول السلطة بين المشروعية المجتمعية العلمانية المدنية والمشروعية الدينية الثقافية.

كما ساق المؤلف رأي الدكتور برهان غليون، وكيف اختزل المشروع في زوايا ثلاث، كونه يرفض المعارف القائمة ويعتبرها نتاجا غربيا، وكونه يرفض منطق العلم الراهن لكونه وضعي، وأنه يسعى لتأكيد أولوية الإيمان ضرورته ووجوده وهيمنته، كما يستعرض انتقادات زكي نجيب محمود للمشروع، وحليم وردي، ويدخل مع هؤلاء المفكرين في مساجلات فكرية موضوعية غير مطولة، يبطل فيها مزاعمهم، ويشدد على إقرار بعضهم بعدم الاطلاع على المشروع، وقراءة بعضهم لجزء من نشرات المعهد بخصوصه.

والمثير أنه لم يغفل أن يستعرض الموقف السلفي ممثلا في ما كتبه أحد مثقفي هذا الاتجاه في مجلة البيان، الذي اتهم رواد المشروع بكونهم ينطلقون من قاعدة عدم اكتمال الشريعة وعدك كفايتها لمواجهة تغيرات العصر !

والملفت في مقاربة الدكتور فتحي ملكاوي أنه أقر بجدية مناقشة أدلى بها الدكتور أبو يعرب المرزوقي في مناقشته لكتاب لؤي صافي حول أسس المعرفة. ويدخل معه المؤلف في مساجلة علمية رفيعة، يذكر فيها القاسم المشترك المتفق حوله (البعد التربوي الحضاري للمسألة، أي إدخال العلوم الحديثة في الممارسة الفكرية عند المسلمين وتوطين المعرفة الحديثة)، ويحدد منطقة النزاع بينه وبين مشروع أسلمة المعرفة (البعد المنهجي الإيبيستمولوجي لإسلامية المعرفة، أي جعل المعرفة خاضعة للنظرة الإسلامية للوجود والقيمة).

كما أورد المؤلف أيضا مناقشات أخرى من طبيعة اصطلاحية، مثلها ضياء الدين سردار الذي طرحة جملة تساؤلات حول مشروع أسلمة المعرفة وما إذا كان المطلوب هو علوم إسلامية أم أسلمة العلوم.

ولا يغفل المؤلف أن يدرج ضمن المناقشات لفكرة أسلمة المعرفة عتب المدرسة الشيعية، التي تتقاسم الهم والمشروع مع المدرسة السنة، لكن تؤاخذ عليها إهمال فكر أئمة البيت عليهم السلام.

أدوار مدرسة إسلامية المعرفة

بعد استعراض اثني عشر أنموذجا من نماذج النقد التي تعرضت لها مدرسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي عند طرحها لمشروع أسلمة المعرفة، يستعرض المؤلف بعض المحطات في تاريخ هذا المشروع، مع التوقف عند المضامين الفكرية التي انطبعت بها كل مرحلة على حدة، وتسجيل ملاحظات تقويمية بصددها.

 

فذكر بهذا الصدد لحفريات المشروع، وذلك منذ أن حمل الطلبة المسلمون في الغرب جنينياته الأولى، واندفعوا إلى إنشاء المؤسسات والاتحادات الطلابية المحلية، والتي توجت بإنشاء الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية الذي تم تسجيله في ألمانيا سنة 1969، فأبرز الدور الذي قامت به عدد من الجمعيات التي تم إنشاؤها، وكيف أتاح التلاقح الفكري بين مختلف وراد هذه المؤسسات والجمعيات في الغرب لإقامة مؤتمرات عن الفكر الإسلامي والعلوم الإسلامية، حتى نضجت فكرة الصياغة الإسلامية للعلوم الاجتماعية، وكيف أصبح مشروع إسلامية المعرفية علما على مدرسة فكرية في الإصلاح الإسلامي العام، تمثلها مؤسسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وتقوم على قضيتين اثنتين: إصلاح الفكر الإسلامي بتحديد مناهج النظر في القرآن والسنة والتراث الإسلامي، وإسلامية المعرفة البشرية المعاصرة بالتعامل معها في مجالاتها المختلفة برؤية تحليلية نقدية تنقيها من الإحالات الفلسفية الوضعية وتربطها برؤية الإسلام للكون والحياة والإنسان.

 

انتهى المؤلف إلى تقديم عصارة الجهد الفكري والإصلاحي لعدد من شخصيات الفكر الإسلامي التي قام المعهد بنشر أعمالها وإسهاماتها، وتوضيح الأبعاد الثلاثية لمشروع إسلامية المعرفة، متمثلة في البعد الـتأسيسي، والبعد التشخيصي والبعد العلاجي التجديدي.

ويستعرض المؤلف محطة ما يسمى بالمحاور الست داخل مدرسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وكيف نضجت الشروط داخل هذه المؤسسة لإنتاج ست مناشط تؤطر اهتمامها وانشغالها البحثي: (بناء رؤية للعالم، بناء المنهجية الإسلامية في التفكير والبحث، بناء مناهج التعامل مع القرآن، بناء مناهج التعامل مع السنة، بناء مناهج التعامل مع التراث الإسلامي، وبناء مناهج التعامل مع التراث الغربي)، إذ اتجهت عناية المعهد لإنتاج تراكمات معرفية مقدرة في كل محور من هذه المحاور الستة، وكيف احتضنت كتابات وازنة لعدد من أعلام الأمة ومفكريها.

كما يستعرض المؤلف التحول الذي حصل داخل عقل المعهد، فتوجه إلى برامج التعليم والكتاب الجامعي، وتأسيس جامعات إسلامية كما هو الشأن في الجامعة الإسلامية في ماليزيا وفتح برامج الماجستير في عدد من التخصصات التي تخدم أهداف المعهد ورؤيته ومشروعه الفكري، وانتهى المؤلف إلى تقديم عصارة الجهد الفكري والإصلاحي لعدد من شخصيات الفكر الإسلامي التي قام المعهد بنشر أعمالها وإسهاماتها، وتوضيح الأبعاد الثلاثية لمشروع إسلامية المعرفة، متمثلة في البعد الـتأسيسي، والبعد التشخيصي والبعد العلاجي التجديدي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة