البحوث

الغنوصية وتأثيراتها على الثقافة الإسلامية، حركة الزندقة نموذجاً

المقدمة

الغنوصية Gnostisim تعني العرفانية نسبة إلى غنوص Gnosis وهي كلمة من أصل يوناني تعني المعرفة بشكل عام، ولها أشباه في بقية اللغات الهندو – أوروبية مثل قولنا بالإنكليزية know أي يعرف و knowledge أي معرفة(). على أن المعرفة التي تشير إليها المفاهيم الغنوصية هي أقرب إلى  مفهوم “العرفان” بمصطلح التصوف الإسلامي. أي أنها نزعة فلسفية دينية صوفية معاً تقود إلى معرفة الأسرار الإلهية من خلال تجربة باطنية تقود إلى الكشف والاستنارة. ففي مقابل التزام اليهودي بالشريعة وأدائه للشعائر والطقوس، وفي مقابل إيمان المسيحي بالمسيح الرب المخلص، فأن الغنوصي ينكفيء على ذاته في خبرة عرفانية تقوده إلى معرفة الله الحي ذوقاً وكشفاً وإلهاماً. وهذه المعرفة يعتبرها أصحابها أسمى من معرفة المؤمنين البسطاء، وأرقى من معرفة() علماء الدين الذين يعتمدون النظر العقلي (= اللاهوتيون، المتكلمون) لأنها وحدها الكفيلة بتحرير الروح الحبيسة في إطار الجسد المادي والعالم المادي الأوسع، لتقود إلى العالم النوراني الأسمى الذي صدرت منه().

ثم أخذت  الغنوصية بعد ذلك معنى اصطلاحياً هو: ((التوصل بنوع من الكشف إلى المعارف العليا، أو هو تذوق تلك المعارف تذوقاً مباشراً بأن تلقى في النفس إلقاءً مثلاً تستند على الاستدلال أو البرهنة العقلية)) ().

المبحث الأول

الغنوصية

نشأة الغنوصية

الغنوصية حركة دينية فلسفية متعددة الأوجه قامت في مصر وبلدان الهلال الخصيب()، برزت منذ القرن الأول الميلادي، وإن كانت جذورها تمتد إلى ما قبل ذلك، كما يرى بعض الباحثين(). أتسع نشاطها في القرون الأولى المسيحية، لاسيما في القرنين الثاني والثالث، وأمتد نشاطها في بعض أيامها إلى مناطق واسعة جداً في العالم القديم حتى وجدت آثارها في الصين شرقاً()، وفي فرنسا وأسبانيا غرباً()، (لم تكن الغنوصية حركة واحدة أو نظاماًً فكرياً واحداً، كما لم تتجمد عند الصيغ الأولى التي ظهرت فيها. ففيما عدا الغنوصية المانوية التي تحولت على يد مؤسسها (ماني) () إلى ديانة مؤسساتية خلال أواسط القرن الثالث الميلادي، فأن الفكر الغنوصي لم يطور أيديولوجيا دينية موحدة ذات هيكلية خاصة. وبقيت الفرق الغنوصية أقرب ما تكون إلى الفرق الصوفية التي يتبع كل منها شيخاً ذات نهج خاص وفكر متميز، مع اشتراكها جميعاً بعدد من السمات والأفكار الخاصة التي تميزها عن غيرها من التيارات الدينية والفلسفية.

ولذا لم تستطيع الحركات الغنوصية في أي وقت من الأوقات أن توحد نفسها، أو توفق بين جهات نظرها، بل بالعكس كانت تتجزأ باستمرار وتحترب فيما بينها. وكان هذا الاحتراب أحد العوامل التي استنفذت طاقتها للسجال، حتى تلاشت في العصور الوسطى، وتحديداً في القرن السابع الميلادي بظهور الإسلام وانتشار الفتوحات()، ولم يبق من فرقها سوى المندائية()، التي كانت من البداية فرقة منعزلة وقائمة بذاتها، وتحتفظ بنظامها الفكري الخاص وبطقوسها الدينية التي ميزتها عن الفرق الأخرى().

وإذا كانت الغنوصية كلمة تاريخية، إلا أن التمييز في تياراتها وفرقها لا يمكن استعماله كيفما اتفق، فقد درجت العادة بإطلاق هذا الاسم على جماعات كثيرة. ويعزى أول استعمال لهذا الاسم على الجماعات الغنوصية إلى العالم الإيطالي أوغوبيانكي Ugo Bianchi في مؤتمر مسينا Missine بايطاليا في 13 18 نيسان 1966()، عندما اتفق الباحثون المختصون في هذا الميدان على ضرورة التمييز بين العرفان gnose بوصفه معرفة بالأسرار الإلهية، خاصة بصفوة من الناس، وبين العرفانية gnostisime بوصفها المذاهب والتيارات الدينية التي ظهرت في القرن  الثاني للميلاد، وتخصيصاً التي تدعي أنها مشيدة على نوع من المعرفة فوق المعرفة العقلية وأسمى منها، معرفة باطنية ليست بأمور  الدين فحسب، بل بكل ما هو سري وخفي: كالسحر والتنجيم والكيمياء… الخ().

أصول الغنوصية

في الحديث عن أصول الغنوصية، ومن أين جاءت، وما هي البواعث التي دعت إلى ظهورها، هناك مسألة لم تحل بعد على مستوى البحث الأكاديمي الحديث، إذ لا يعرف بالدقة مصدرها الأصلي، على أساس وجود غنوصية سابقة على المسيحية، ذات ملامح واضحة وتنظيم ديني ناضج، فهناك ما يشبه الإجماع عند الباحثين بأن للغنوصية علاقة وثيقة بالتلفيقية()، الظاهرة التي نشأت من التفاعل ما بين الفكر الهيلنستي والمعتقدات والأفكار الشرقية، البابلية والمصرية والفارسية والهندية، التي برزت إثر احتلال الإغريق بقيادة الاسكندرالمكدوني وحلفائه للعالم القديم في الشرق. فهناك من يرى أن الغنوصية واحدة من ثمار العملية التلفيقية، لكن آخرين يرون أن كلا الظاهرتين الغنوصية والتلفيقية، سارت في خطين متوازيين ومتقاربين، التباين في التقدير مرده في تحديد وقت ظهور الغنوصية، إذ يرى بعض الباحثين أنها سابقة للمسيحية، رغم أنها لم تبلغ آنذاك النضج الذي بلغته في القرون الثلاثة الأولى للمسيحية().

وهناك اتجاه آخر يقول بوجود غنوصية يهودية نشأت ضمن حلقاتها الغنوصية المسيحية قبل أن تشق طريقها الخاص تستقل بفكرها وتنظيمها. وأصحاب هذا الاتجاه يستشهدون بوجود العديد من النصوص في مكتبة نجع حمادي تستند على مصادر توراتية، ولكن دون أن تعكس وجهات نظر مسيحية، وذلك مثل نص رؤيا آدم ونص تفسير شيم وغيرها(). وفي هذا الصدد يقول أحد الباحثين: ((إن النصوص الغنوصية التي وصلتنا في جلها يمكن فهما باعتبارها إعادة صياغة وتفسير لقصص من العهد القديم، والمادة التوراتية غالبة فيها على الرغم مما تبديه من نقد للفهم التقليدي للنص التوراتي. كما أن شخصيات من العهد القديم قد رفعت إلى مقام الإسلاف المبجلين، مثل نوح وشيت وقايين وشيم. كل ذلك يشير إلى أصول يهودية لهذه النصوص، حتى حين تنتقص من قيمة الإله اليهودي لمصلحة الإله الخفي الأعلى، وتوجه النقد إلى الشريعة التوراتية، وتعبر عن موقفها التشاؤمي من العالم المادي)) ().

وتبلورت الأفكار الغنوصية في أعماق اليهودية فيما يطلق عليه اسم (القبالة، أو الكبالا)، وكانت القبالا أكبر غنوص سري متحرك في أرجاء العالم المختلفة، حيث كانت تنتشر بسرعة من فلسطين إلى الإسكندرية، واختلطت بالفلسفة اليونانية عن طريق الفيلسوف اليهودي (فيلون) الذي مهد لظهور المسيحية، وكانت له أكبر الأثر في يوحنا (صاحب الإنجيل الرابع) (). فيما يرى من يشدد على جانبها المسيحي، على أساس أنها تولدت من الانعكاس الذي أحدثته المسيحية في ذهن المجتمع الذي كان قد تهلين. أما بخصوص المادة التوراتية التي تم كشف عنها في مكتبة نجع حمادي، فعلق أحد الباحثين عليها بقوله: ((فهذه النصوص [اليهودية] وجدت في سياق مسيحي لا في سياق يهودي ضمن عدد أكبر من النصوص الغنوصية ذات التوجه المسيحي الصارخ، وقد تم تداول هذه النصوص خلال القرن الثاني الميلادي، إبان حقبة مد المسيحية الغنوصية لا قبل ذلك، ولا من قبل أي جماعة يهودية معروفة لنا)) (). ونشأت الشخصيات التوراتية التي تظهر في نصوص نجع جمادي، فأن الباحث المذكور يحال إرجاعها إلى الإصحاحات الأولى من سفر التكوين، أي جيل آدم وجيل نوح تحديداً دون بقية إصحاحات السفر، بناءً على أن المسيحية الغنوصية استفادت من هذه المادة التوراتية في تمرير طروحاتها الخاصة بالمطابقة بين الإله (الديميرج Demerage) صانع العالم والإله اليهودي (يهوه)، وفي معرض نقدها العام للعالم المادي باعتباره صنيعة الشيطان ويهوه.

أما النصوص الأخرى من سفر التكوين الخاصة بأسلاف بني إسرائيل من إبراهيم إلى يوسف فلم تدرج فيها لعدم مطابقتها لأصول الغنوصية().

ومقابل المدرسة التي سارت على منوال آباء الكنيسة في اعتبار الغنوصية ظاهرة دينية نشأت في إطار المسيحية وتمثل مروقاً عليها، يرى كثيرون، لاسيما من أتباع المدرسة الألمانية، إن هذه الغنوصية أو بالأحرى أصولها، جذورها، تمتد إلى ما قبل المسيحية. وقد دفع التباين بعض الباحثين إلى التمييز بين الغنوصية كظاهرة دينية وفكرية ناضجة الاتجاهات والميول التي أدت إليها. لذا فإن القول بظهورها قبل أو بعد المسيحية، إنما يعتمد على سعة الإطار الذي يضعه الباحث لهذا المفهوم، ((أهو إطار واسع يمكن أن تندرج فيه تيارات واسعة يمكن أن تحسب على الغنوصية بلون ما، أو إطار ضيق تندرج فيه تلك النظم الغنوصية المتطورة التي حاربتها الكنيسة)) (). إن حصر الغنوصية في الإطار الضيق الذي حدده آباء الكنيسة المسيحية وفق العديد من الباحثين اليوم، يسقط في حسابه كون الغنوصية لم تظهر في بيئة اجتماعية واحدة، هي ذات البيئة التي ظهرت فيها المسيحية كذلك. لقد ظهرت الغنوصية في بيئات اجتماعية مختلفة. لذلك لابد أن تحمل تياراتها المختلفة التأثيرات المحلية المحيطة بها. ولهذا السبب تتباين أنظمها. فعلى سبيل المثال، مسألة الثنوية في الغنوصية، فالأنظمة الغنوصية الشرقية: كالمندائية، والمانوية، والمرقيونية، والديصانية، قد تأثرت بالثنوية المجوسية الإيرانية ذات الأصول البابلية().

فمنذ البدء كان هناك صراع بين النور والظلام، بين الخير والشر()، فيما ترى المدرسة المصرية السورية للغنوصية، إن هذه الثنوية هي فيض أو صدور عن الله المغترب ذاته إتخذت سبيلها الهابط نحو الأرض. والعالم الدنيوي هو ثمرة تراجيديا سماوية، لفقدان الانسجام في ملكوت السماء، إنه مصير مأساوي اشتبك فيه الإنسان وعليه أن يتحرر منه. وفي هذا يلمس المرء أثراً للأفلاطونية المحدثة().

على أية حال فهناك خلاف بين الباحثين حول المصادر التي اشتقت منها الغنوصية أفكارها وطقوسها، فيذكر (ميرسيا إلياد) أنه من الصعوبة التحقق من أصول التيار الروحي المعروف تحت أسم الغنوصية، ولكن من الممكن تمييزه عن العديد من المعارف السابقة أو المعاصرة، وهذه ((المشكلة جزء لا يتجزأ من مختلف ديانات العصر (الزرادشتية، الأسرار(=ديانات الاسرار)، واليهودية المسيحية، المعارف، التي سنرى أنها متضمنة تعليماًباطنياً. يضاف إلى ذلك أن كافة القصص الميثولوجية الاخروية تقريباً التي وضعت موضع الأعمال من قبل الكتاب الغنوصيين هي سابقة للغنوصية بالمعنى الدقيق Strictosensu فبعضها تأكد في إيران القديمة وفي الهند من عصر الأوبانيشاد، وفي الأورفية والأفلاطونية، وبعضها يتميز بالتوفيقية من نوع هيللنستي، واليهودية ما بين العهدية(= العهدين القديم والجديد)، أو التعابير الأولى للمسيحية…)) ().

أما الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي، ففي معرض إشارته إلى الأدوار التي مرت بها الأفلاطونية المحدثة يحاول الربط بينها وبين الغنوصية، على أساس أن الأخيرة كان لها تأثير كبير في نشأت الأفلاطونية المحدثة، حيث هناك ثلاثة مسائل متشابهة بين الجانبين: المسالة الأولى مسألة (الواحد) أو الإله العالي المتعالي الخفي الذي لا يحد بوصفه مفارقاً كل المفارقة عن الإله الخالق (الديميرج) أو إله الشر، ولا يمكن أن ننعت (= الواحد) بأنه صفة، وثانياً مسألة (الصدور الفيض)، وثالثاً وأخيراً مسألة الهيولي أو المادة بوصفها مشتقة من الواحد، ولكنه في طروحاته الأخيرة استناداً إلى أقوال علماء ومفكرين أوروبيين يحاول ربط الأفكار والمعتقدات الغنوصية بالأديان الشرقية كالزرداشتية والهندية، بعد أن كانت حكراً على الفكر والثقافة الهلنستية().

الخلاصة رغم أن الفكر الغنوصي لم يطور أيديولوجياً دينية موحدة ومنتظمة، وإنما بقيت الفرق الغنوصية مثل الفرق الصوفية الإسلامية التي تتبع كل منها معلماً رصيناً ذات نهج معين، مع اشتراكها جميعاً بقدر من الأفكار العامة التي ميزتها عن غيرها من التيارات الدينية والفلسفية().

المبحث الثاني

مسالك الغنوصية في الثقافة الإسلامية

عندما ظهر الإسلام في الجزيرة العربية، وبدأت الجيوش الإسلامية إنسياحها نحو سوريا ومصر اللتين كانت خاضعتين للإمبراطورية البيزنطية، كان التيار الغنوصي الذي يحظى بأهم مراكزه في الإسكندرية وفلسطين وأفامية وحران()، قد خسر الجولة أمام ضغوطات الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية(). أما خارج الإمبراطورية البيزنطية، وبالتحديد شرق الفرات (العراق) فالأمر مختلف بعض الشيء، حيث لم تستطع يد الكنيسة البيزنطية (الملكانية) أن تطال يد هؤلاء الغنوصيين، لأنهم كانوا خارج سلطاتها تحت نفوذ الإمبراطورية الفارسية الساسانية, وكانت الفرقة المانوية الغنوصية قد اضطرت للتراجع أمام  ضغط الاضطهادات المسيحية لهم في الإمبراطورية البيزنطية للانكفاء إلى معقلها القديم مدينة (بابل) حيث مقر زعيمهم الديني هناك. فكانت بابل عاصمة الإمبراطوريات التي توالت على حكم العراق منذ أيام حمورابي قد أمست مدينة صغيرة غير ذات أهمية، مقارنة بالعاصمة الساسانية طيسفون (= المدائن سلمان باك الحالية). أما الفرقة الأخرى من الغنوصية (الصابئة المندائيون) فكانوا لا يزالون متواجدين في جنوب العراق في منطقة دست ميسان على مقربة من بابل (ولا يزالون متواجدين). فلا عجب أن يحتك الإسلام حديث العهد بالتعاليم الغنوصية في العراق وأن يطلع عليها مباشرة().

بعد الانتصار الساحق الذي أحرزه العرب المسلمون بقيادة الصحابي القائد سعد بن أبي وقاص على الجيش الفارسي الساساني بقيادة رستم في معركة القادسية سنة 14هـ / 635م، أصبح العراق مكشوفاً لهم، حيث تمكنت الجيوش الإسلامية بعد مدة قصيرة من السيطرة على العاصمة طيسفون. وقد شغلت الفتوحات الإسلامية حيزاً كبيراً من اهتمامات المؤرخين المسلمين، وضعف اهتمامهم بـ طيسفون التي سماها العرب بـ (المدائن). بعدها بنى العرب المسلمون معسكرين اثنين للجيوش الإسلامية في البصرة والكوفة بناء على نصيحة الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب، ومنها تابع العرب المسلمون فتوحاتهم صوب الهضبة الإيرانية والمناطق الشرقية الأخرى.

أمام سيطرة المسلمين على بلاد ما بين النهرين (العراق) فأن الفرق الغنوصية لن تأمل من المسلمين خيراً لأن أحدى أركانها وهي الثنوية الظاهرة أو المستترة فيها والقائلة بوجود الإله الأول (المتعالي) والإله الصانع (الخالق الفاطر)، أو المذهب القائل بإنتشار الإله الأعلى المشكل لأعداد كثيرة من الفيوصنات Enmarations والأقانيم Hypostaese، كما تتصف بها جميع المدارس الغنوصية، كانت تشكل النقيض الأوحد لأهم ما في الإسلام من عقيدة وهي (التوحيد)، إن اسم الفعل والذي يعني الإقرار بالوحدانية، يعني (بالعربية: واحد = واحد أحد)، أي الشهادة بوحدة ووحدانية الله المطلقة التي تشكل المحور الرئيسي للدين الإسلامي، وهكذا لم يعد هناك مكان أو مجال لانتشار إله مشكل لرذاذ من الاقانيم والفيوضات، وهذا ما جعل الغنوص يقسط أمام المد الإسلامي().

الزندقة

لقد إختلفت المصادر الاسلامية في التعريف بماهية ومدلول مصطلح الزندقة، فلفظ زنديق لفظ غامض مشترك قد أطلق على معان عدة ، مختلفة فيما بينها، على الرغم مما قد يجمع بينها من تشابه.ويبدو أن الاسم تدرج معناه، فشمل جميع أتباع الديانات الايرانية الذين يظهرون الاسلام، فكان يطلق على من يؤمن بالمانوية ويثبت أصلين أزليين للعالم هما: النور والظلمة ، أو من أتباع (مزدك) الذي يأتي بتفسير جديد لكتاب زرادشت المعروف بالافستاه(=الابستا) باللغة الفارسية الاولى. ثم إتسع المعنى من بعد إتساعاً كبيراً حتى أطلق على كل صاحب بدعة، وكل ملحد بل إنتهى به الامر أخيراً الى أن يطلق على من يكون مذهبه مخالفاً لمذهب أهل السنة والجماعة(= مذهب الخلافة العباسية)، أو حتى من كان يحيا حياة المجون من الشعراء والكتاب ومن سار على نهجهم ().

فالجاحظ (المتوفي سنة 255هـ/869م) يرى بأن: ” عامة من إرتاب بالاسلام إنما جاء عن طريق الشعوبية ، فإذا أبغض شيئاً أبغض أهله، وإن أبغض تلك اللغة أبغض الجزيرة، فلا تزال الحالات تنتقل به حتى ينسلخ من الاسلام ، إذ كانت العرب هي التي جاءت به وكانوا السلف” ().

ويتفق الصولي والثعالبي بأن الزنديق لم يمكن اكثر من ماجن ظريف(). أماالشريف الرضي و ياقوت الحموي فيتفقان على إعتبار الزنادقة ممن يبطنون الكفر عامة ولكنهم يتظاهرون بالاسلام ()

أما ابن منظور فيعرف الزندقة بقوله:” إن الزندقة كلمة تطلق على القائلين ببقاء الدهر من الملحدين والدهريين والثنوية”() .

ولكن هل في كلام العرب لفظة الزنديق، يجيب احمد بن يحيى بن المرتضى:” أنه ليس في كلام العرب زنديق، فاذا أرادت العرب معنى ما تقوله العامة قالوا: ملحد دهري ()، فكيف يمكن تفسير  كلام رسول الله محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم) الذي ذكره الغزالي :” ستفترق أمتي الى بضع وسبعين فرقة  كلهم في الجنة الا الزنادقة ().ومعنى هذا أن مصطلح الزندقة كان معروفاً عند العرب في الجاهلية، وهو ما أشار اليه ابن قتيبة الدينوري (المتوفي سنة 276هـ/889م) بقوله:” كانت الزندقة في قريش أخذوها من الحيرة ()، عندما كانت التجارة نشطة بين مكة والحيرة ، وكانت الديانة المانوية شائعة بين عرب الحيرة ().

ويقر ابن النديم بأن الزنادقة هم أصحاب ماني (216-176م)، بقوله:” يطلق لفظ الزنادقة على أصحاب ماني ومقتفي مذهبه دون غيرهم”().

ولمفهوم الزندقة أكثر من معنى عند العرب المسلمين، بل لها معاني متعددة ،فهي: عند العامة وأشباههم، يطلقونها على الماجن المتهتك كأبي نواس، وعند الخاصة يعنون بها الفرس الذين انتسبوا إلى الإسلام، ثم أخذوا في بث تعاليمهم القديمة، فهؤلاء يدينون يماني ومزدك ثم يتظاهرون بالإسلام تقيةً أو توسلاً إلىضلال الناس() .

وبخصوص إشتقاق كلمة الزندقة ؟ فقد اختلف الباحثون في أصل الكلمة، كما اختلفوا من قبل في معناها. يقول المستشرق البريطاني براون (المتوفى سنة1930م): ” إن التفسير الاعتيادي هو ان (زنديق) صفة فارسية معناها(متبع الزند) أو الشروح القديمة للآفستا(=كتاب زرادشت) وتفضيلها على النص المقدس، وإن المانوية سموا بالزنادقة لميلهم الى تأويل وشرح الكتب المقدسة للديانات الأخرى  بحسب آرائهم بطريقة تشبه التأويل عند الإسماعيلية فيما بعد”() .

أما المستشرق الآخر بيفن فيعطي تفسيراً أقرب للقبول، وهو أن أبرار المانوية وزهادهم ” الذين يفرضون على أنفسهم إيثار المسكنة وقمع الحرص والشهوة ورفض الدنيا الزهد فيها ومواصلة الصوم والتصدق بما أمكن وتحريم إقتناء شيء خلا قوت يوم واحد ولباس سنة، وإدامة التطواف في الدنيا للدعوة والإرشاد () ، كانوا يدعون بالعربية (الصديقون)، وواحدهم (صديق). ولعل الاصل

الآرامي لهذه الكلمة (صديقي) فصارت بالفارسية(زنديك)، ثم عربت الى (زنديق)، وهكذا أطلقت كلمة (زنديق) على المانوي أول الأمر، ثم صارت تستعمل بمعنى ملحد فيما بعد () .    

ويبين (فون كريمر) أن الزنادقة كانوا يتعقدون بالثنوية، وإنهم اتبعوا تعاليم ماني. ويؤكد ذلك من خلال مقارنة، وصف الجاحظ كتب الزنادقة(= المانوية) من حيث المحتويات والاعتناء بالورق والخط والتزيين().

ووصف ابن النديم (المتوفى سنة 384هـ/994م) لكتب المانوية، ان كتب الزنادقة هي كتب المانوية نفسها، ثم يذكر أن ابنة الشاعر الزنديق(مطيع بن اياس) اعترفت للرشيد بأنها تعلمت مبادئ ماني وقرأت كتاب المانوية المقدس().

وأشار إلى رؤساء المانوية المتكلمين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الزندقة، وهم: ابن طالوت،ابن اخي ابي شكر، ابن الاعمى الحريزي، نعمان بن ابي العوجاء، صالح بن عبد القدوس، ابو عيسى الوراق، ابو العباس الناشيء، والجيهاني محمد بن احمد، ومن الشعراء: بشار بن برد، اسحق بن خلف، ابن سيابة، علي بن الخليل، علي بن ثابت، ومن المشاهير: محمد بن عبيدالله كاتب الخليفة المهدي، محمد بن عبد الملك الزيات ، يزدان بخت، وغبرهم().

ويتحدث المسعودي عن ” عشرة من الزنادقة ممن يذهب الى قول ماني” في حادثة طريفة جرت في خلافة المأمون، مع طفيلي تطفل عليهم ودخل في السفينة التي كانت تقلهم الى مركز الخلافة في بغداد، بغية إستتابتهم بالبصق على صورة ماني ، أوأكل لحم الطير().

وهكذا نرى أن الزندقة أطلقت على المانوية، ومما ساعد على الاشتباه في أمر المانوية هو ان بعض شعائرها تشبه الشعائر الإسلامية كثيراً، فكان على أتباعها أن يصلوا سبع أو أربع صلوات يومياً، وفي كل صلاة عدة ركعات، وأن يتوضئوا قبل الصلاة، وكان عليهم أن يصوموا أيضاً. ()

ولكن يجب أن نلاحظ أن الزنادقة لم يكونوا جميعاً مانوية، وأن الاسم تدرج معناه، فشمل جميع أتباع الديانات الإيرانية الذين يظهرون الإسلام، ثم صار يشمل الملحدين أو المتشككين في الدين().

حركة الزندقة  

كان المؤرخون واصحاب الملل والنحل المسلمون على دراية بأن الزندقة اطلقت على ديانات اخرى تقرب من المانوية، وان دعايات الزنادقة قويت واشتدت في أوائل الدولة العباسية، وظهر أثرها بصورة خاصة في خلافة المهدي(). ويروى عن المهدي :” أنه أمعن في قتل الملحدين والمداهنين عن الدين لظهورهم في أيامه، واعلانهم في خلافته، لما انتشر من كتب ماني وابن ديصان ومرقيون مما نقله ابن المقفع وغيره وترجمه من الفارسية والفلهوية الى العربية، وما صنفه في ذلك ابن ابي العوجاء، وحماد بن عجرد، ويحيى بن زياد: من تأييد المذاهب المانوية والديصانية والمرقيونية، فكثر بذلك الزنادقة وظهرت آراؤهم في الناس (). ويتضح من هذا أن الزنادقة كان يقصد بهم بصورة خاصة أتباع ابن ديصان ومرقيون، بالإضافة إلى أتباع ماني.

وقد أصاب المسعودي في إشارته الى وجود صلة بين تلك المذاهب الثلاثة، ففي الديصانية والمرقيونية آراء غنوصية تأثر بها ماني، وبصورة خاصة بآراء ابن ديصان، حتى ان المستشرق الدانمركي (كريستنسن (Christensen يعتبر ماني تلميذ ابن ديصان في الغنوصية().

كما إن كلاً من من ابن ديصان ومرقيون سبقا ماني في المزج بين الزرادشتية والمسيحية وتكوين مذهب خاص من الاثنين، فيقول البيروني : “وكان ابن ديصان ومرقيون ممن استجاب وسمعا كلام عيسى وأخذا منه طرفا، ومما سمعا من جهة زارادشت طرفاً، واستنبط كل واحد من كلا القولين مذهباً يتضمن القول بقدم الاصلين، وأخرج كل واحد منهما إنجيلا نسبه إلى المسيح وكذب ما عداه”.()

وكانت مذاهب ابن ديصان ومرقيون ثنوية كما يفهم البيروني، ويؤيده المقدسي في ذلك().

وقد لاحظ ابن النديم القرابة بين المانوية من جهة، والديصانية والمرقيونية من جهة اخرى، ويبن العالمين المتقابلين ( النور والظلمة) عند ماني جسمانيان، بينما يرى ابن ديصان أن عالم النور معنوي حساس، وعالم الظلمة جسماني غير حساس. ثم يذكر أن المرقونية أقرب المذاهب الثلاثة الى النصرانية، وانها تزعم ” أن الأصلين النور والظلمة، وأن ها بهنا أصلاً ثالثاً مزجها وخالطها” . ويضيف المقدسي أن مرقيون يقول أن الأصل الثالث ” يخلق من هذا (أي النور) أو من هذا (أي الظلمة) ليس من جنسهما ولولاه لم يكن طبعهما التنافر” ().

ولنبين الآن مفهوم الزندقة عند المهدي، كما يظهر هذا من قوله لابنه الهادي “يا بني إن صار لك هذا الأمر فتجرد لهذه العصابة (يعني أصحاب ماني)، فإنها فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة، ثم تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين احدهما النور والأخر الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من الطرق لتنقلهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور”.() وهذا الوصف ينطبق بصورة عامة على المانوية.

ومن جهة اخرى فان الشهرستاني (المتوفى سنة 548هـ/1153م ) يعد من ابرز علماء المسلمين الذين استطاعوا التعامل مع الملل والأديان الأخرى بمعرفة وبواقعية، فهو يقرر بأنه إذا كان ” التوحيد من اخص خصائص الحنيفة” فان ” التثنية اختصت بالمجوس حتى أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، يسمون احدهما النور والأخر الظلمة، وبالفارسية يزدان واهرمن” ().

وقد نشأت التثنية من فكرة أخلاقية بحتة ، من محاولة تفسير الشر في العالم، وبهذا أدى البحث في ماهية الشر إلى تلمس الأصول الأولى التي يقوم عليها مبدأي الخير والشر. ولم يستطع الحكماء الإيرانيون فهم انبثاق الفكرتين عن موجود واحد يوحدهما معاً، لذا حاولوا الارتفاع بخيرية الصانع الى أعلى مكان، وإيجاد مبدأ آخر ينتج الشر، والعالم في نزاع بين الفكرتين أو القوتين، وهاتان القوتان هما: النور والظلام، وبالفارسية : يزدان ، وأهريمن.  وأختلف حكماء الفرس في فهم كل واحد من هذين المبدأين، هل هما قديمان أم أن النور قديم والظلمة محدثة ؟ ثم كيف حدث امتزاج النور بالظلمة؟ ثم كيف يخلص النور من الظلمة، ويلخص الشهرستاني هذه المعضلة التي تدور حولها مقالات مختلف فرق المجوس بقوله:” ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين اثنتين: أحداهما بيان سبب امتزاج النور بالظلمة والثانية بيان سبب خلاص النور من الظلمة وجعلوا الامتزاج مبدأ والخلاص معاداً”.()

وكان علماء المسلمين المختصين بالملل والنحل (= مقارنة الأديان) على دراية بالفوارق الدقيقة بين فرق المجوس فيما يخص أزلية النور والظلام، التي أشار إليها القرآن الكريم في سورة الحج، وهذا ما يبدو جلياً في التمييز بين ” المجوسية الأصلية ” الذين ينسب إليهم نوعاً من ” التوحيد” لكونهم ” زعموا أن الأصلين لا يجوز أن يكونا قديمين أزليين بل النور أزلي والظلمة محدثة” وبين الثنوية (= المانوية)، وهم ” أصحاب الاثنين الأزليين، يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان”،() ولذلك كانت الوضعية القانونية للمجوس في المجتمع الإسلامي تختلف عن وضعية المانوية، ويلتمس الشهرستاني مبرراً لهذه الوضعية في كون المجوس كانت لهم ” شبهة كتاب”.

ومهما يكن من أمر فان الوضعية التاريخية لكل من المجوسية (= الزرادشتية والمزدكية والمثرائية) والمانوية في المجتمع الإسلامي؛ إنما حددتها مواقفهم السياسية والعقائدية إزاء الإسلام كدولة ودين. فبينما انزوى أتباع  بقايا الديانات الإيرانية القديمة وهم الذين يجمعهم اسم (المجوس) في الأدبيات الإسلامية في جماعات صغيرة متفرقة وفي الأقاليم الإيرانية خاصة، لايتعرضون للإسلام ولا لدولته بسبب ذلك بوضعية الأقلية الدينية المحترمة ولكن غير المؤثرة، بينما كانت هذه حال الفرق المجوسية ، كان وضعية المانوية على العكس من ذلك تماماً،  ذلك لأنهم لم يكونوا مجرد فرقة دينية تقبل بوضعية الأقلية وتعيش في حدودها وضمن إطارها، بل لقد ظهروا بمظهر حركة دينية سياسية ثقافية تهاجم علانية الإسلامودولته العربية. وقد استطاعت أن تستقطب بعض المثقفين والكتاب وجماعات من الموالي وشخصيات من الارستقراطية الفارسية ، فتداخلت مع الحركة الشعوبية ، وتركزت حملتها على الواجهة الثقافية، فكان ما أسماه المستشرق البريطاني(هاملتون جب)،” معركة الكتب” التي كان هدف القائمين بها:” إحلالروح الثقافة الفارسية محل ما خلفته التقاليد العربية من مؤثرات في المجتمع المدني الجديد المتطور بسرعة البرق ، وسبيلهم إلى ذلك أن يترجموا للناس وينشروا بينهم كتباً فارسية الأصل تلقي بينهم ذيوعاً ورواجاً” ().

لقد روج الزنادقة (=المانويون) الغنوصية داخل المجتمع الإسلامي، لعقيدة تتعارض تماماً مع الإسلام كدين ودولة، لقد روجت لعقيدة تقول بأن العالم نشأ من امتزاج النور بالظلمة وهما معاً قديمان،وهذا في حد ذاته يمس جوهرياً بمبدأين أساسين في العقيدة الإسلامية: وحدة الخالق من جهة، والخلق من عدم في جهة أخرى.

ومن ناحية أخرى ركزت حركة الزندقة(= المانوية) على أن الخلاص (= تخليص النور من الظلمة = إنقاذ البشرية من الشرور والآلام)،إنما يكون بـ (التطهير) الذي طريقه الزهد في الدنيا وقمع الشهوات، وهدفه الاتصال بالله مباشرة، وفي هذا إنكار للنبوة، أو على الأقل الاستغناء عنها().

لقد أدرك العباسيون خطورة التعاليم المانوية، فتصدوا لمحاربتها دون هوادة،وكان المهدي (158 169هـ/ 775 785م )أشد خلفائهم قسوة عليها. يقول المسعودي: (وأمعن المهدي في قتل الملحدين والمداهنين عن الدين لظهورهم في أيامه وإعلانهم باعتقاداتهم في خلافته لما انتشر من كتب ماني وابن ديصان ومرقيون مما نقله ابن المقفع وغيره وترجمت من الفارسية والبهلوية إلى العربية)) (). ويضيف المسعودي قائلاً: ((وكان المهدي أول من أمر أهل البحث من المتكلمين تصنيف الكتب في الرد على الملحدين… فأقاموا البراهين على المعاندين وأوضحوا الحق للشاكين)) ().

وهكذا ظهرت المانوية كأبرز عنصر غنوصي يحارب الإسلام وتحديداً في العصر العباسي الأول، عصر التدوين وبناء المرتكزات الثقافية، يقول أحد الباحثين: ((يستطيع المرء أن يدرك أن المانوية والزرادشتية كانتا له (= الإسلام) عدوتين خطيرتين كالمسيحية على أقل تقدير، وان غنوص المانوية والمذاهب الشبيهة بها (= المرقونية والديصانية والصابئة) كانت خطيرة على الإسلام خطراً مباشراً، ولذلك نرى أول مدرسة إسلامية كلامية في الإسلام، ونعني بها المعتزلة قد استفادت بعضاً من أصولها ومسائل بحثها عن طريق كفاحها ضد المانوية().

وقد اهتم المهدي بأمر الزنادقة، وعين موظفاً خاصا يدعى ” صاحب الزنادقة” ()لمطاردتهم، وانه لم تأخذه في الله لومة لائم، وأنه عين ( عمر الكلواذي) لتعقبهم، ويضيف الجهشياري أن الكلواذي” طلبهم فظفر بجماعة منهم”().

ولم يكتف الخليفة المهدي بذلك، بل ” أ مر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين” () بتصنيف الكتب في الرد عليهم، فكانت محاربته الزندقة من أظهر أمور حكمه. فهل كان ذلك لمجرد دافع ديني، وهو القضاء على الحركات التي تهدد الدين بصفته خليفة المسلمين، ليرضى بذلك الناس والفقهاء، أم كان لذلك مغزى آخر؟

لم يكن المانويين فقط الملحدين واتباع النبي الدجال من وجهة نظر المسلمين ولكنهم كانوا يعدون المخالفين للتقاليد والمجتمع والدولة، لذلك عملوا على تصفيتهم وخاصة في العهد العباسي الذي يعتبر عصر التأكيد على الثوابت الإسلامية. أما في العهد الأموي كانت قلة ممن يطلق عليهم تسمية الزناديق، كان احدهم (عبد الصمد بن عبدالاعلى) مؤدب الخليفة الأموي ( يزيد بن عبد الملك) ، لكن ليس لدينا أي دليل لكي نعد الوليد بن يزيد مانوياً. والشخص الآخر هو (جعد بن درهم) مؤدب الخليفة الأموي الأخير (مروان بن محمد)، الذي يطلق عليه(الجعدي) كما يسمى، كان جعد بن درهم مولى سويد بن غفلة ثم صار مؤدب أبناء مروان، وكان من شيوخ المعتزلة ويؤمن بالخلق والقدر ولذلك سمي بالزنديق، استدعاه الخليفة (هشام بن عبد الملك) وأرسله إلى (خالد بن عبدالله القسري)والي العراق وأمره بقتله سنة118ه/736مـ، لذا من الصعوبة بمكان عد جعد زنديقاً، أو مانوياً لان هناك دافع سياسي في التهمة المنسوبة الى جعد ومروان. كان جعد يشارك (معبد بن عبدالله الجهني) الرأي بالقدر لذلك عده معارضو القدرية زنديقا. ترجمت بعض مؤلفات المانوية إلى العربية في بداية الدولة العباسية وكان على رأس المترجمين عبد الله بن المقفع ()  .

الخاتمة

لا شك في أنه كان للعامل الديني أثره في الكفاح ضد حركة الزندقة، ولكن هناك سبب سياسي مهم أدى الدور الأول في هذه السياسة، فمع أن القلائل من الزنادقة كانوا عرباً مثل: (صالح بن عبد القدوس) و(مطيع بن إياس)، إلا أن عامتهم كانوا فرساً. وقد رأى هؤلاء أن السلطة مازالت في يد عائلة عربية، وأنهم خاضعون لنفوذ أجنبي، بينما هم يريدون في الواقع أن تكون الدولة فارسية في كل شيء. وهذا لا يتحقق والإسلام على قوته، فحاولوا إضعافه بنشر الديانات الفارسية القديمة، وسعوا من وراء ذلك لقلب النظام القائم، لأن أساس الخلافةالعباسية ديني، ولأن اتحاد الدين بالسياسة وتناصرهما كان ركن الدولة العباسية، فالزندقة بإضعافها الدين الإسلامي تضعف سلطان الخليفة وتهدم أساس الدولة وتفسخ مقومات المجتمع. ورغم ذلك فان بعض المستشرقين والمؤرخين المحدثين ، يعدون تلك الحقبة من الخلافة العباسية بمثابة سلطة لتكميم للأفواه، وعدم فسح المجال لإبداء الرأي الآخر ، ولكن الحقيقة أن الخلافة الإسلامية في العصر العباسي الأول كانت على علم بأن الديانة المانوية والمزدكية قد تحولتا إلىغنوصية شديدة تهدد أركان الدين والمجتمع ، لذا ينبغي محاربتها ووأد أفكارها الخطرة، بعكس الأديان والمذاهب الأخرى كاليهودية والنصرانية والزرادشتية، التي تم التعامل معهم كأهل الكتاب.

اظهر المزيد

‎ٲ.د. فَرسَت مرعي

د.فرست مرعي اسماعيل مواليد ۱۹٥٦ دهوك ٲستاذ التاريخ الاسلامي في جامعة دهوك له ۲۱ كتابا مؤلفا باللغتين العربية والكردية ، و٤۰ بحثا ٲكاديميا في مجال تخصصه

مقالات ذات صلة