البحوث

التحالف الصليبي- المغولي للقضاء على الخلافة العباسية

المقدمة

          كان من أهداف الحملات الصليبية هي السيطرة على الأراضي المقدسة في بلاد الشام أي مهد السيد المسيح (عليه السلام) ، ولكن قيام زعماء مسلمين كبار أمثال: ( عماد الدين زنكي و ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي ) واستردادهم لغالبية المدن والقلاع التي سبق وان استولى عليها الصليبيون من قبيل بيت المقدس والرها وغيرهما ، وعدم استطاعة الحملات الصليبية القادمة من أوربا عمل أي شيء ، جعل الصليبيون يفكرون في بدائل أخرى .

   فعندما علموا بأن هناك شعبا متوحشاً وثنياً قادما من أواسط آسيا قد ألحق الهزيمة بالدول والكيانات الإسلامية الواقعة إلى الشرق من الأراضي المقدسة (بلاد الشام)، وتحديداً الدولة الخوارزمية، لذا فلا مناص من التعاون والتحالف معهم بقصد الأطباق على الإسلام من الشرق والغرب وإنهاء دوره، واستعادة الأراضي المقدسة بما فيها أورشليم القدس .

المغول :

   وهم شعب يشبه الترك إلى حد ما في اللغة والسحنة ، يقيمون منذ زمن موغل في القدم ، ويعيشون عيشة بدوية وسط أقليم جدب موحش لا يلقى احد من جيرانهم إليهم بالاً . بل ظل أسمهم غير معروف قروناً طويلة ، بعكس ذوو قرباهمالأتراك الذين كانوا يتحكمون في مصير آسيا الغربية() .

   أما معنى أسم المغول فلا زال في موضع الخلاف ، على الرغم من قول بعضهم أن اللفظة مشتقة من كلمة ((mong الصينية بمعنى باسل شجاع ، وإن كان أحد المؤرخين المحدثين يرى أن المغول تحريف لكلمة (ماتحول) وهي إحدى قبائل المغول وكان زعيمها يسمى (يسوجاي)  وكان سليل عائلة نبيلة وهو والد تيموجين تيمورجيه (جنكيزخان)().

    ومن الملاحظ أن الكثير من المؤرخين وتحديداً المسلمين قد أطلقوا مسميات مثل تاتار أو تتر أو تتار على كافة المغول ، بل ونقل وأشتهر أسم التتار إلى أقصى أنحاء العالم ، وعرف المغول في بداية الأمر في العالم الإسلامي وبعد ذلك في أوربا باسم التتار . ونشر المسلمون والأوربيون هذا الاسم لكل الأمم التي فتحها المغول والذين أصبحوا رعايا للمغول واشتركوا في غزواتهم() .

    ومن المهم للغاية أننا يجب أن لا نخلط بين المغول والتتار . فرغم إتخاذ المغول اسم التتار وكانوا ينتمون إلى التتار الأسود ، فالراجح أن ذلك يرجع إلى ما كان للتتار من شهرة سابقة على ظهور المغول منذ القرن السادس الميلادي ، في حين لم تبدأ شهرة المغول إلا منذ القرن الثاني عشر الميلادي . وقد عاش التتار في الجزء الجنوبي الغربي من بحيرة (بايكال) وامتدت منازلهم إلى نهر كيرولين وهم ثلاثة أقسام : التتار الأبيض ، والتتار السود ، وتتار الغابة . في حين أن المنازل الأصلية للمغول امتدت على أنهار (كيرولين) و (نوني) و (آرخون) ، ونجحوا فيما بعد في إخضاع التتار النازلين على الضفة الجنوبية لنهر كيرولين().

قبائل المغول والترك

                           في أواخر القرن السادس الهجري(الثاني عشر الميلادي) استقرت ما بين الصين ومصب نهر الدون في البحر الأسود ، أي شمال منشوريا ومنغوليا وتركستان وجنوب روسيا قبائل بدوية شبه متبربرة ، تعيش على الرعي وتنتقل من مكان إلى آخر . وتنتمي هذه القبائل إلى الجنس الاورال تائي (الأصفر). وتنتمي هذه القبائل من الناحية اللغوية إلى ثلاث مجموعات : المجموعة التركية ، والمجموعة المغولية ، والمجموعة التونغوزية() .

    بالرغم من وجود اختلاف في لغات هذه القبائل إلا أن حياتهم تجري على نظام ونسق واحد ، ويعيشون في جو واحد متقاربي الشبه والخلقة . وقد لاحظ ذلك المؤرخون الصينيون والرحالة الأوربيون الذين جابوا ديارهم ، لذا يفهم من أقوالهم أنهم كانوا يمتازون بصفات بدنية تناسب البيئة التي نشأوا فيها . وكانت لهذه المجموعات الثلاثة عشائر كثيرة العدد،وكانوا من الكثرة بحيث أصبح هناك فارق كبير بينهم نظراً لكثرة بطونهم وإتساع رقعة أراضيهم،لذلك تشعبوا إلى القبائل التالية() :

1- قبيلة التتار والقنفرات() .
2- قبيلة القيات الصغيرة التي ظهر منها جنكيزخان()
3- قبائل أويرات والأرلاد والجلاير()
4- قبيلة الكرايت وهم من المغول الساكنة في الواحات الشرقية لصحراء جوبي()
5- قبيلة النايمان وهم من الأتراك()
6- أتراك الأويغور()
7- أتراك القرلق أو القارلون وتعرف عند الشعراء بأسم خلج((
8- القراخطائيون وهم خليط المغول و التانكوت((
9- أتراك القرغيز()

ديانة المغول

               لم يكن للمغول دين واحد بعينه يعتنقونه ويجمعون عليه . بل كان سوادهم الأعظم يميل إلى المعتقدات الشامانية القديمة() . وهذا ما جعلهم  يتساهلون في كافة مناطق  أستقرارهم حيال الديانات المتجانبة فيها: البوذية والتاوية والكونفوشيوسية والإسلام والمانوية واليهودية والنصرانية النسطورية أو الكاثوليكية، بالإضافة إلى شتى الشيع والفرق المشاقة . فتمتع أصحاب كل دين بنظام قانوني وصلاحيات قضائية عادلة ، لا بل حصل بعضها على إعفاءات من الضرائب لأتباعها ، وأشتهر المغول بفضولهم في سؤال الأجانب عن ديانتهم دون أن يفي ذلك بالضرورة  إعتناقهم أية ديانة ،وإذا ما أقدم على ذلك ، فأنهم كانوا يحتفظون بخرافات غليظة بأفكار تكثر في الديانات الغربية إلى الانحطاط والفساد() .

    ويقال بأن جنكيزخان كان على دين الشامان أسلافه القدماء ، ولكنه في الوقت نفسه لم يتعصب لدين بعينه ، بل كان يحترم جميع الأديان ويحضر الاحتفالات الدينية التي تقيمها أتباع كل دين وفق لمقتضبات شرقية() .

    ويبدو أن جنكيزخان قد أعاد الديانة التاوية()بنظر الأهتمام لاسيما في هجماته على الدولة الخوارزمية ، ومرد ذلك على رأي أحد الباحثين الغربيين القوى الفائقة الطبيعية المعزوة إلى كهانها ، وإلى أنه نظر اليها نظراته إلى شامانية فضلى ( أي أصلاحية ) () ، فقد أستدعى إلى معسكره  كاهناً يدعى (كيوتشانغ تشوان) على أمل أن يحصل منه على الدواء الذي يؤمن له الخلود ، وفعلاً وصل الكاهن العجوز إلى المعسكر الإمبراطوري في بلاد الأفغان في سنة 1222م ومكث معه قرابة السنة دون جدوى، حيث لم يستطيع أن يؤمن له الخلود ، ومع ذلك فأن جنكيزخان أصغى بلطف إلى الحكم وتظاهر بالتأثر بتعاليمه ، وأصدر أمراً مختوماً بالختم الإمبراطوري بإعفاء كافة رؤساء الديانة التاوية من الضرائب().

المغول والنصرانية  

                      كانت أكثرية نصارى بلاد الرافدين أيام الدولة الفارسية الساسانية من النساطرة مع أقلية من اليعقوبيين. وكانت طيسفون (المدائن) هي المركز الرئيسي لهم ، وقد ظل الأمر على هذه الشاكلة الى أن جاءت الدولة العباسية وبنى الخليفة أبو جعفر المنصور لمدينة بغداد ما بين سنوات (145-149هـ) حيث إنتقل إليها زعيمهم الديني ، ولكن مع ذلك فأن المدائن أو كما تسمى في السريانية بـ (قطيسفون-ساليق) ظلت المركز الروحي الرئيسي لهم باعتبار ان فيها أقدم كنيسة في بلاد الرافدين، وعقد فيها أول مجمع لكنيسة المشرق، وتجري فيها على الدوام مراسيم تنصيب الرئيس الديني الجديد لهم الذي صار يسمى بـ (الجاثليق) ()، الذي يقوم بعد ذلك بتعيين ورسم المطارنة والأساقفة في جمع البلاد التابعة له، والتي كانت في أواخر القرن الخامس الهجري ( الحادي عشر الميلادي) تشمل: سوريا وفلسطين وإيران والصين().

  وتسهب المصادر السريانية في إيراد الروايات التي تؤكد على أن النصرانية قد انتشرت في الصين وبين الأقوام التركية والمغولية في القرن السابع الميلادي ، وتشير بهذا الصدد إلى المسلة التي عثر عليها في سنة 1625م  بالقرب من مدينة (سي ـ نغن ـ فو) بالصين، وتتضمن هذه المسلة كتابات صينية وكتابات ولائحة طويلة من الأسماء بالسريانية الأسطرنجيلية، وتؤكد هذه المسلة على وجود النصرانية في الصين منذ القرن السابع على أقل تقدير().

 وقد نوه إبن العبري أيضاً بهذا التغير بقوله : (( وفي هذه السنة [398للعرب 1007م] فيها جاهر بالإيمان المسيحي أهالي كريت (كرايت) إحدى مدن الأتراك القاصية تنصروا وأعتمدوا بأعجوبة حدثت لملكهم )) ().  

وكانت النصرانية قد أنتشرت بين القبائل المغولية والتركية وتحديداً بين الكرايت الذين هم من المغول والنايحات وهم أتراك . وقد ظلت قبائل الكرايت اقوى طوائف المغول، وكان طغرل toghril من أشهر ملوكهم ، إذ تغلب على عمه (كورخان) الذي كان ينافسه على العرش ، ونجح في طرده بمساعدة رئيس قبيلة مغولي هو (يسوكاي) والد جنكيزخان. كذلك أستطاع أن يهزم التتار تلبية لرغبة ملك شمال الصين (كين) kin . وبهذا صار طغرل أقوى ملك في منغوليا . وقد منحه أمبراطور كين تقديراً له على أعماله اللقب الصيني للملك ، وهو (وانج) wang، وعرف في التاريخ بلقبيه الملكيين الصيني والتركي وهما : وانج خان وانك خان() .

   وفي عهد جنكيزخان كان اونك خان ملكاً على قبائل الكرايت ، وفي بادئ الأمر كانت تربطهما مودة وصداقة . وكان جنكيزخان في سلوكه يقتدي بأبيه (يسوكاي بهادر) الذي كانت علاقته بأونك خان على خير ما يرام . غير أن هذه الصداقة لم تستمر طويلاً ، إذ أضطر جنكيزخان إلى محاربة وانك خان والقضاء عليه().

   وتجدر الإشارة إلى أن اسطورة (برسترجون prester gohn) التي حظيت بانتشار واسع في أوربا في القرون الوسطى ، إنما ترتبط أرتباطاًُ كبيراً بشعب الكرايت ، الذي سلف ذكره، لأن (جون) صور في الأسطورة على إعتبار أنه ملكهم . وبما أن كثيراً ما يبدل أسم (جون) بالسريانية بـ (يوحنان) فلعله كان تصحيفاً لأسم (أنكـ حان- ung-khan) أحد ملوك الكريات . والواضح من أبن العبري أنه يطابق (جون) الاسطوري ، (أنكـ) التاريخي. وأسمه الأصلي هو  تولي) عند الصينيين، و(طغرل) عند المؤرخين الفرس. إلا أن (كين kin) ملك شمال الصين منحه لقب ( وانكـ) أي (ملك) وحرف قليلاً ليصبح ( اونكـ) . والكريات (الكريت) يسكنون على ضفاف نهر آرخون وتولا جنوب شرق بحيرة بايكال() .

النصرانية أيام جنكيزخان وخلفائه

                       

  كانت البوذية والتاوية  والنصرانية أديان سائدة بين القبائل المغولية والتركية . ولكن انتشار النصرانية بين قبائل الكرايت والنايمان جعلها في المقدمة ، لاسيما وأن جنكيزخان قد استعان بمستشارين من هذه الديانة وهما كل من: تشنكاي الكرايتي (1171-1251م)، وكاداك الاويغوري().

  وقد بقي الاول مستشاراً لخليفتي جنكيزخان وهما: أوكتاي وكيوك، وبذلك قدم خدمات كبيرة لابناء دينه ، فضلاً عن أسهامه في بناء الامبراطورية المغولية. أما الثاني الذي يشكو منه مؤرخ المغول رشيد الدين من عدائه للمسلمين ، والذي استندت أليه مهمة تهذيب كيوك ثم أصبح كبير وزرائه، إلا أن الاثنين أعدما عندما آل الأمر إلى الخان الأكبر منكو الذي قام بأجراء سياسي وليس اضطهاد ديني(). كما أن هذا الخان قد أختار نسطورياً آخر ليحل محل تشنكاي الكرايتي ، أضف إلى ذلك أن مونكو وهو أبن أميرة كرايتية نسطورية تدعى (اوقول قايمش)، كما انه تزوج من أمرأتين نسطوريتين().

   بعد وفاة جنكيزخان سنة 624هـ/1227م ، عقد قوريلتاي( مجمع الامراء) سنة 626هـ/1229م ، واجمع الأمراء المغول على انتخاب ابنه (أوكتاى) خلفاً له حسب الوصية ، ولكنه أمتنع لمدة 40 يومياً حتى قبل ، فلقبوه ( قا آن ) أي ملك أو سلطان وأجلسوه على سرير المملكة() .

 وبخصوص موقفه من الأديان فقد أجمع المؤرخون الإسلاميون على وصفه بالجود والكرم والمروءة وقد أطلقوا عليه (حاتم اخر الزمان) ()، ورغم ولوعه بالشراب والإدمان على الخمر التي كانت السبب في وفاته ، إلا أن صاحب طبقات ناصرى يروي أن أوكتاى كان ملكاً كريماً نبيل الخلق ، طيب المعاملة للمسلمين ، في حين أن أخاه (جغتاي) كان لا يكف عن إيذاء المسلمين وعن إلحاق الضرر بهم . وكان يود إستئصال شأفتهم من سائر أنحاء المملكة . وتنفيذاً لهذه السياسة حرض كبار الشخصيات المغولية من الأمراء والقادة لكي يوشوا بالمسلمين عند أوكتاي دون جدوى، وقد عرف بحمايته للمسلمين على رغم أنف اخيه، إلى حد ان البعض قال أن أوكتاى كان يبطن الإسلام().

    عندما توفي أوكتاى (قاآن) عام 639هـ/1242م لم يكن الأبن الأكبر له (كيوك) موجوداً بأرض المغول ، ومع أن أوكتاى استدعاه إلى (أردوباليغ) إلا أنه قبل أن ينال لقاء أبيه كان أبوه قد ودع الحياة ، فقبضت زوجة القاآن (توراكيناخاتون) على مقاليد السلطة حتى ينجلي أمر خلافة أوكتاى().

   وقد أحيطت مسألة وراثة العرش المغولي ببعض الصعوبات حيث جرى نوع من الصراع الخفي بين زوجة القاآن الراحل (موكا خاتون) وأكبر زوجاته (توراكينا خاتون) حول الوصاية ، أو من سوف يسير الامور حتى يعقد مجلس القوريلتاي لانتخاب الخان الجديد().

    وعلى أية حال فأن (توراكينا خاتون) التي كانت امرأة حكيمة ذكية ذات تدبير، قد بذلت كل مساعيها لحفظ التاج والعرش لأبنها (كيوك)، وانصرفت لمدة أربعة أعوام أو يزيد (639-644هـ/1242-1246م) تواجه محاولات الأمراء المغول لتعويق انعقاد القوريلتاي ، وعندما تأكدت من أنها أصبحت تملك الورقة الرابحة()، ووجدت أن الظروف كلها مهيأة لنجاح خطتها، أرسلت الرسل إلى كبار الشخصيات المغولية في جميع الأطراف والأمصار لحضور جلسة القوريلتاي التي سوف ينصب فيها (كيوك) قاآناً أعظم(). كما وجهت هذه الدعوة إلى كل البلاد التي دخلت تحت سيطرة المغول وحكمهم . إلى أن نجحت في مسعاها ، فانعقد القوريلتاي في صيف سنة 644هـ/1246م عند منابع نهر ارخون . وشهد الاجتماع كل أمراء اسرة جنكيزخان باستثناء باتو الذي اعتذر لمرضه ، فضلاً عن عدد كبير من الملوك وحكام الأقاليم التابعة للخان. ومن الذين حضروا الاجتماع : سعود حاكم تركستان وما وراء النهر، أمراء الخطا، ياروسلاف دوق روسيا ، الأمير آرغون حاكم خراسان ، الأميران المطالبان بعرش مملكة الكرج (داود نارين) و(داود لاج)، والسلطان ركن الدين سلطان سلاجقة الروم بآسيا الصغرى ، واخو سلطان حلب ، وأرسل الخليفة العباسي المستعصم بالله مندوباً عنه ، كما أرسل علاء الدين حاكم الإسماعيلية ( الحشاشين) ممثله لحضور الاجتماع، وربما كان هذا بدافع الخوف والفزع ،وتفادياً لنقمة المغول وتجنباً لشرهم(). كذلك حضره من النصارى الكند سطبل سمباد أخو هيثوم ملك أرمينية الصغرى (قيليقية)، وممثلوا البابا (انوسنت الرابع) وعلى رأسهم يوحنا دي بلان كاربيني وراهب آخر بناء على مقررات مجمع ليون المنعقد في 1245م. والمعروف أن البابوية كانت تستهدف من سفاراتها إبعاد الخطر المغولي عن أوربا ، وإقناع المغول باعتناق النصرانية والإفادة منهم في قتال المسلمين. فقد أنفذ البابا أنوسنت الرابع سفارتين الاولى قادها الراهب الفرنسيسكاني يوحنا كاربيني الذي غادر ليون في نيسان سنة 1245م ، وأجتاز روسيا وبراري آسيا الوسطى حتى بلغ معسكر الخان بالقرب من العاصمة قراقورم في آب سنة 1246م، فشهد مجلس الأمراء (قوريلتاي) الذي أنتخب (كيوك) خاناً على كل المغول().

سياسة كيوك خان تجاه النصارى

        كانت والدة كيوك خان ( توراكينا خاتون ) تدين بالنصرانية على المذهب النسطوري ، ولهذا عهدت إلى الأمير (كداك) النصراني بالأشراف على تربية ابنها كيوك منذ الصغر. ولما اعتلى عرش المغول قرب اليه (جنيكاي) الذي كان يعمل مستشاراً أو وزيراً لأبيه أوكتاى وكان من قبيلة الكرايت ويدين ايضاً بالنصرانية. ولم يكتف كيوك خان بهذا ، بل قلده منصب الوزارة . فكان لهذين الرجلين تأثير كبير على الخان المغولي ، اذ صار يعطف عطفاً شديداً على رعاياه من النصارى من أمثال: الأرمن والكرج والروس(). يقول مؤرخ المغول بهذا الصدد : (( لما كان قداق يعتنق الديانة المسيحية منذ عهد الصبا وكان ملازما لكيوك خان إذ كان أتابكاً له، تأثرت طبيعة القاآن بتلك العقيدة وبعد ذلك قوي فيه جنيقاي هذا الميل )) (). ولما شاع ذلك عن كيوك خان صار يقصد بلاطه كثير من القسيسين والرهبان من مختلف المناطق، وهذا كان أحد أسباب أنقاذ سفارتي البابا أنوسنت الرابع بواسطة الراهب كاربيني كما أسلفنا، وقد أحسن كيوك استقبال سفارة البابا نظراً لكثرة عدد النساطرة بين مستشاريه(). وقد استطاع الفرنسيسكاني كاربيني من التأثير على الوزيرين النصرانيين لكيوك كداك  وجينكاي.

         وتجدر الإشارة أن حكم كيوك قاآن القصير لم يكن خيراً للإسلام والمسلمين، بحيث يمكن القول أن انتخابه قاآناً كان يمثل انتصاراً للنصرانية، وانتكاسة للعقائد والأفكار والتقاليد المغولية القديمة من الشامانية والتاوية، بل يمكن القول أنه كان وبالاً على الإسلام والمسلمين داخل الإمبراطورية المغولية، ولاشك أن ذلك يرجع إلى تأثير أمه ( توراكيناخاتون ) التي كانت تدين بالنصرانية على المذهب النسطوري كما أسلفنا، مما يؤكد تسامح المغول مع النساء والسماح لهن باعتناق ما شئن من الأديان().

    ومن جانب آخر يذكر أحد المختصين في المغولية أن كيوك بتلك النشأة النصرانية كان ينتمي الى جيل من الشباب المغولي يمثل ميولاً مختلفة جديدة بدت آنذاك بأنها سوف تنتصر في النهاية، وسادت بين امة المغول خاصة بعد أن عرفت النصرانية على المذهب النسطوري طريقها بين المغول منذ عدة قرون. ومع انتصارات وتوغل الجيوش المغولية الغازية- اكتسب الدين النصراني قوة داخلية وحماساً تبشيرياً- ولذلك تركت هذه الديانة انطباعا عميقاً على عقلية كيوك ، وحتى لو لم يكن نسطورياً بشخصه إلا انه أظهر محاباة عظيمة للنصارى طيلة حياته ، وكان عصره يمثل العصر الذهبي للنصرانية في الإمبراطورية المغولية().

    وهذا ما جعل مؤرخاً كبيراً كأبن العبري يصرح بالقول : (( وكان كيوك مسيحياً قويماً أرتفع شأن المسيحيين في عهده وحفل معسكره بالاساقفة والكهنة والرهبان )) (). وكان من أثر هذه السياسة أن شاعت بعض التقاليد والطقوس النصرانية في الاوساط المغولية، وفي الوقت نفسه حاولت تلك الأوساط اضطهاد المسلمين ومحاولة القضاء عليهم.

    ولذلك فأن منهاج الدين الجوزجائي قد حوى مصنفه نقداً عنيفاً لكيوك على مناصبته العداء  للإسلام واضطهاد المسلمين . بل وصل تعصبه للنصرانية أنه عمل  بنصيحة راهب بوذي يسمى ( توين) كان قد اكتسب شهرة كبيرة في بلاد الصين وتركستان ، إذ أصدر قرارا يخص جميع المسلمين، ولكن حدث عندما كان هذا الراهب البوذي يحمل هذا القرار لتنفيذه هاجمه كلب شرس فمزقه شر ممزق ، وهذا الجزاء العادل من الله كما يذكر الجوزجاني كان له تأثيره على نفسية كيوك، مماجعله يعدل عن قراره(). ويقال أن النصاري ومعهم بعض البوذيين ، دبروا مؤامرة ضد المسلمين أثناء صلاتهم ودقوا رؤوسهم بالأرض ، ويقال ان في نفس الليلة هلك كيوك جزاءاً وفاقاً لما جنت يداه في حق المسلمين().

         والواقع أن هذا العطف الشديد على رعايا الإمبراطورية المغولية من النصارى من قبل (توراكينا خاتون) الأم، وكيوك الأبن والقاآن، كان له آثار سريعة في الغرب الأوربي، مما أغرى البابا ( أنوسنت الرابع ) الذي كان قد خلف (كريكوري التاسع )، وبدأ بتبني سياسة تقوم على تحول المغول الى النصرانية كوسيلة لإيقاف هجماتهم المدمرة على أوربا، لأن الدين سيمنعهم من ذلك ، وفي الوقت نفسه إمكانية استمالة خان المغول كيوك، إلى جانب الغرب الأوربي النصراني، وعقد تحالف نصراني مغولي مشترك ضد المسلمين في الشرق الإسلامي() .

     وقد أستقبل كيوك قاآن مبعوث البابا بما يليق به من الاحترام ، غير أنه حينما تبين له أن البابا يدعوه إلى اعتناق النصرانية ، لم يسعه إلا أن يرد عليه ، طالباً منه أن يعترف بسيادته ، وأن يقدم عليه مع سائر ملوك الغرب ، لبذل يمين الولاء له . فلما عاد يوحنا بيان كاربيني  إلى المقر البابوي في نهاية سنة 1247م/ 645هـ. قدم للبابا رسالة خان المغول ، ورفع إليه تقريراً مسهباً أشار فيه إلى أن المغول لا يخرجون إلا للفتح أو الغزو ، غير أن انوسنت لم يشأ أن تتحطم أوهامه().

       فوجه سفارة أخرى برئاسة راهب دومنيكاني أسمه اسكلين Ascelin، فاجتاز بلاد الشام ، ومضى إلى تبريز حيث إلتقى بالقائد المغولي بيجو في حزيران سنة 1247م/645هـ. على أن بيجو أبدى الاستعداد لعقد تحالف ضد الأيوبيين. إذ أعد خطة لمهاجمة بغداد . ولذا كان من مصلحته أن يلهي المسلمين بالشام عن طريق إرسال حملة صليبية لقتالهم، فأرسل مع المبعوث البابوي اسكلين الدومنيكاني في عودته إلى روما مبعوثين وهما : إيبك وسركيس، ومن المحقق أن سركيس كان نصرانياً نسطورياً،  وعلى الرغم من انهما لم يحملا شيئاً من سلطات التفويض، فأن آمال الغرب أنتعشت مرة أخرى ، إذ أقاما في روما نحو سنة ، ثم عادا في تشرين الأول سنة 1248م/ 646هـ ، يحملان رسالة من البابا يعلن فيها أسفه لما جرى من تعطيل التحالف المغولي النصراني().

      وبينما كان الملك الفرنسي لويس التاسع في جزيرة قبرص ، في طريقه الى حملته الصليبية الخامسة على مصر ، قدم إلى نيقوسيا في كانون الأول 1248م/646-647هـ (مرقص وداود) وهما نصرانيان نسطوريان أيضاً، وأنهما جاءا من قبل الجيغداى نائب الخان على أقليم فارس، وقدما اليه رسالة تنطوي على ما يكنه المغول من عطف وميل للنصرانية، وإذ فرح الملك لويس بهذه الرسالة، بادر بإرسال سفارة من الرهبان الدومنيكان برئاسة أندريا لونجيمو longjumean وأخيه وكلاهما يجيد التحدث باللغة العربية. والواقع أن أندريا كان ينوب عن البابا فيما دار حديثاً من مفاوضات مع النصارى من أتباع مذهب الطبيعة الواحدة ( السريان المونوفيزيين ). وقد حمل المرسلين الرهبان معهم كنيسة صغيرة متنقلة، على أنها هدية تليق بالخان عند اعتناقه النصرانية، وبعض المقدسات الدينية اللازمة لهيكل ونظام الكنيسة، فضلاً عن بعض الهدايا والتحف. فغادرت السفارة جزيرة قبرص في كانون الأول 1249م/648هـ ومضت إلى حيث مقر الجيغداى ، فوجهها إلى منغوليا ، وحينما وصلت السفارة إلى قراقورم العاصمة المغولية ، تبين لها أن (كيوك) القاآن قد مات، وأن أرملته (اوقول قايمش ogul gaimis ) تولت الوصاية على العرش ، فاستقبلت السفارة بالترحاب الشديد ، وعبرت عن تعاطفها الشديد تجاه النصرانية والنصارى، غير أنها أعتبرت ما أرسله الملك الفرنسي لويس التاسع من الهدايا- كجزية- يؤديها التابع للخان، وأن الملك لويس يحب أن يضع نفسه تحت حماية وسلطان الإمبراطورية المغولية ، وأظهرت رغبتها الشديدة في عقد هذا التحالف المغولي النصراني ضد المسلمين بالشرق ، خاصة وأنه عرف عنها مدى كراهيتها للإسلام والمسلمين . على أن ما وقع من مشاكل بين أفراد الأسرة المغولية الحاكمة (والتي كانت هي السبب الرئيسي وراءها ) يمنعها إذا صحت نيتها أن ترسل حملة مغولية ضخمة إلى الغرب للاشتراك معاً في محاربة مسلمي الشرق () .

    ولما عاد اندريا مبعوث الملك لويس من منغوليا، التي مكث فيها نحو ثلاث سنوات لم يحمل معه سوى رسالة أعربت فيها الوصية على العرش عن شكرها لتابعها لويس التاسع على ما أبداه من اهتمام نحوها، وطلبت منه أن يواظب على إرسال الهدايا كل سنة . وعلى الرغم من إرتياع لويس التاسع لإخفاقه في هذه المحاولة إلا أنه لم ييأس مطلقاً ، وكان يأمل أنه سوف يحل الوقت الذي يتم فيه عقد تحالف مع المغول () .

  وكان ملك أرمينية الصغرى ( قليقية ) هيثوم الأول قد بعث أخاه الكند سطبل سمباد الأرمني إلى كيوك قاآن واستغرقت رحلته للمدة ما بين 1247-1250م/ 645-648هـ، فأنه فاق مبعوث البابا انوسنت الرابع ( كاربيني ) في إدراك ما يعود للنصرانية من مزايا إذا تم التحالف مع المغول. وقد أستقبله كيوك في حفاوة بالغة ، ومنحه براءة تكفل للملك هيثوم الأول الحماية والمحبة. وفي الرسالة التي بعثها سمباد في شباط سنة 1248م من سمرقند إلى صهره هنري الأول ملك قبرص ما يشير إلى أهمية النساطرة في بلاط المغول وإمبراطوريتهم ، إذ عاشوا في حماية الخان ، وحظوا منه بالتشريف، وجعل لهم الامتيازات، وأعلن حمايته لهم من كل من يحاول إلحاق الأذى بهم ().

مشروع التحالف المغولي النصراني في عهد منكو قاآن

      تأثر (منكو) في نشأته بأمه النسطورية من قبيلة الكرايت ، سورجكتاني sorgagtani ، ولذا اكتسبت النصرانية النسطورية عطفه ومحبته، فكان رئيس ديوانه من النساطرة ، على أن البوذية والتاوية لقيتا منه العطف أيضاً ().

    وفي عهد الخان منكو أيضاً حاول ملوك النصارى الإتصال مجدداً بالخان الجديد الذي أعتلى عرش الإمبراطورية المغولية لعلهم يستطيعون إحياء مشروع التحالف من جديد، وفي الوقت نفسه التغاضي عن الشناعات والموبقات التي إرتكبها المغول الغزاة ضد أبناء دينهم في روسيا وبولندا وغيرها من دول اوربا الوسطى، وأن يمجدوا المغول كمحطمين لقوة الإسلام. خصوصاً وان النصارى كانوا يتوقون إلى الانتقام من المسلمين ، إذ كانوا في صراع شديد معهم في بلاد الشام ومصر، ولحقتهم ضربات شديدة على يد صلاح الدين وخلفائه ، وكانت مأمورية هولاكو القضاء على الخلافة العباسية على النحو الذي سنراه أثراً لهذا التعهد إلى حدٍ ما () .

     ولما كان لويس التاسع حريصاً على التحالف مع المغول برغم ما تعرضت له سفارته السابقة من الفشل ، وشجعه على المضي في التماس مساعدتهم ، ما سمعه من ( سارتاق بن باطو ) خان القبجاق (القبيلة الذهبية – البشكنس) في جنوب روسيا من تقديره للنصرانية. فقرر أن يبعث بسفارة برئاسة الراهب الفرنسيسكاني ( وليم روبروق William rubruck ) بعد هزيمته في معركة المنصورة واسره من قبل المصريين . فأنطلق روبروق وبصحبته راهب آخر أسمه ( بارثلميوالكريموني ) في عكا بأرض فلسطين سنة 650هـ /1253م ، وتوجهت السفارة إلى القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية ، ومنها سارت بحراً إلى شبه جزيرة القرم، ثم قطعت السفارة جنوب روسيا ووصلت إلى مدينة ( سراي ) عاصمة باتو خان القبجاق على مسيرة ثلاثة أيام من نهر الفولغا. وعلى الرغم من ان النصارى النسطوريين كانوا يحيطون بسارتاق بن باتو، بل أنه كان في حاشيته أحد فرسان الداوية من قبرص، وكان يعمل مترجماً له ، فأنه أعلن أنه ليس بوسعه أن يتحدث إلى روبروق، فسيره إلى أبيه (باتو) التي تقع منازله على الضفة الشرقية لنهر الفولكا. فاحتفى به باتو، وأشار روبروق عند الحديث عن علاقته بالملك لويس التاسع ، إلىما للحروب الصليبية من أهمية عند المغول، وذلك حينما قال له باتو بأنه سمع أن جلالة الملك ( لويس التاسع ) خرج من بلاده على رأس جيش للقتال . على أن باتو أرسله هو وصحبه عبر منافذ جبال الأورال ونهر إيلي إلى أن وصل إلى قراقورم حيث مثل بين يدي (منكوقاآن) في كانون الثاني سنة 1254م/ 652هـ().

         ومع أن منكو قابل سفير لويس التاسع باحترام وأكرم وفادته ، وسمح له بأن يناظر العلماء البوذيين والمسلمين في حرية تامة . إلا أنه لم يعطه جواباًً مقنعاً فيما يتعلق بتكوين اتحاد مع النصارى بل إنه طلب اليه أن يسارع الملك لويس مع جميع الملوك النصارى إلى الدخول في طاعته. وعلم روبروق أن الخان الكبير لا يقبل أن يكون بالعالم سلطان حاكم سواه، وكل ما حصل عليه روبروق هو أن منكو وعد ببذل المساعدة للنصارى طالما أقدم ملوكهم وأمرائهم على أن يؤدوا يمين التبعية له باعتباره سيد العالم . ولم يعرض منكو شيئاً عن تبادل السفارات الرسمية ، ولم يشر إلى أن يقوم بينهما عمل مشترك في قتال العدو المشترك للمغول والنصارى ، وهم المسلمون في العراق والشام. رغم إدراك روبروق أن منكو يعتبر كل الدول الإسلامية معادية له().

   وإذ تبين لروبروق أن ملك فرنسا لا يقبل هذه الشروط ، لم يسعه إلا أن يغادر قراقورم في 18 آب 1254م/ 652هـ، وبعد سفرة طويلة وصل إلى عكا في آب 1255م /653هـ، على أن لويس التاسع لم يكن آنذاك بالشام، إذ أنه أبحر من عكا في نيسان 1254م/  652هـ، إلى فرنسا بعد وفاة والدته الملكة بلانش القشتالية، فأرسل إليه روبروق تقريراً عن رحلته، وارفق به رسالة الخان منكو ().

تحالف الأرمن مع المغول

      عندما لمس النصارى في غرب آسيا سياسة التسامح التي درج عليها المغول إزاء النصارى بصفة خاصة. حاولوا التقرب اليهم ومحاولة اجتذابهم إلى صفوفهم حتى يستطيعوا بمعاونتهم أن يستردوا بيت المقدس خاصة وبلاد الشام عامة من المسلمين . وكانت مملكة الأرمن الصغرى بقليقية اول الإمارات التي تحف بالبحر الأبيض المتوسط إدراكاً لأهمية الزحف المغولي . فمن المعلوم أن الأرمن شهدوا في اهتمام بالغ ما أصاب الجيش السلجوقي من هزيمة ساحقة عام 1243م/ 641هـ، أمام الحملة المغولية التي قادها أحد ولاة الأقاليم ، فصار بوسعهم تقدير ما يشكله جيش الخان الكبير من قوة لا سبيل إلى مقاومتها. ولهذا سعى الملك هيثوم الاول إلى خطب ود المغول والتقرب إليهم بغية قيام تحالف معهم. فأرسل إلى القائد المغولي (بيجو) كتاباً يظفر بالولاء والاحترام() .

       وسبق أن ذكرنا أن سمباد أخا هيثوم قدم إلى قراقورم لحضور القوريلتاي الذي قرر أنتخاب (كيوك) خاناً أعظم للمغول، فأحسن كيوك إستقباله ، ولما سمع منه أن أخاه هيثوم مستعد لان يعتبر نفسه من أتباع الخان الكبير، وعد بأن يساعد الارمن في سبيل إسترداد ما إنتزعه سلاجقة الروم من المدن. ورجع سمباد يحمل تقليداً من الخان الكبير يكفل سلامة ممتلكات الملك هيثوم ووحدتها، غير أن وفاة كيوك قاآن أوقف كل إجراء مباشر().

      ولما علم هيثوم أن عرش المغول قد آل الى خان قوي آخر هو (منكوقاآن) راوده الامل في قيام تحالف معهم لتحقيق أحلامه في الانتقام من المسلمين الذين أذلوه. فأسرع بنفسه الى زيارة الخان الكبير في نفس السنة التي عاد فيها (روبروق) رسول الملك الفرنسي لويس التاسع من العاصمة المغولية قراقورم() .

ويعتبر هيثوم أول ملك يقدم من تلقاء نفسه بزيارة قراقورم، ( إذ أن الزائرين الاخرين كانوا إما أتباعاً للخان أوملوكاً)، فأقيم له حفل إستقبال رسمي في 13 ايلول سنة 1254م/ 652هـ، ولقي حفاوة بالغة من الخان. وما بذله الخان السابق ( كيوك ) من ضمانات، تجددت وإتسع نطاقها. وقد وعده الخان منكو بأن تعفى الكنائس والاديرة الارمنية من الضرائب، وجرت معاملته على أنه كبير مستشاري الخان للنصارى في كل ما يتعلق بأمور غرب آسي()ا.

 وكانت جهود هيثوم خلال المدة التي قضاها في قراقورم منصبة على إقناع الخان بالقيام بحملة مشتركة ضد المسلمين ومحاولة إستعادة بيت المقدس من أيديهم ، ويذكر أحد الباحثين أن هيثوم ألح في طلبه حتى وافق الخان في النهاية على مساعدة النصارى وتكليف أخيه ( هولاكو خان ) بالاستيلاء على بغداد وتدمير سلطة الخلافة العباسية() .

    وفي الاول من تشرين الأول سنة 1254م/ 652هـ، عاد هيثوم إلى بلاده محملاً بالهدايا ومبتهجاً بما تكللت جهوده ومساعيه من نجاح ، وأرتحل عائداً إلى بلاده، وقد سلك طريق تركستان وفارس حيث بذل لهولاكو مظاهر الأحترام ، ثم عاد إلى ارمينيا في شهر تموز سنة 1255م/ 653هـ ().

    ويذكر ( رنسيمان ) أنه من الطبيعي أن يتفاءل هيثوم ، غير أن هذا التفاؤل تجاوز الحدود قليلاً ، لأن المغول إذا كانوا قد جعلوا النصرانية المنزلة الأولى بالنسبة لسائر الديانات الاخرى، فإنهم أيضاً لم يقصدوا السماح بقيام إمارات نصرانية مستقلة . وإذا عاد بيت المقدس إلى النصارى، فإنما يعود إليهم في نطاق الإمبراطورية المغولية().

    وما حاوله الملك هيثوم من إقامة حلف نصراني لمساعدة المغول ، لقي القبول عند نصارى المشرق (الوطنيين ) وبعض الفرنجة، فأعلن بوهيمند السادس كونت أنطاكيا وصهر هيثوم موافقته، غير أن الفرنج بسائر جهات آسيا نفروا منه. على أن هيثوم ظل مخلصاً لما جرى التفاهم عليه مع المغول. فتردد كثيراً على بلاط الإيلخانات، وبذل المساعدة العسكرية كلما دعت الحاجة المغولية اليها. وحارب الجيش الارمني جنباً إلى جنب مع الجيش المغولي في آسيا الصغرى والشام. وما أحرزه المغول من إنتصارات لم يهييء لهيثوم أن يسترد فحسب ما إنتزعه السلاجقة في منطقة قونيا من حصون وقلاع، بل يستعيد أيضاً ممتلكات كانت تابعة لكواسيل، فضلاً عما حصل عليه فيما بعد من بلاد، بعد إغارة المغول على بلاد الشام ().

هولاكو خان ودوره في تعزيز التحالف المغولي النصراني

       إن وجود زوجة هولاكوخان بجواره في الحكم كان يمثل نكبة بل كارثة وقعت على رؤوس المسلمين ، ليس فقط داخل الإمبراطورية المغولية ، بل أيضاً في بلاد فارس والعراق وبلاد الشام، وكان وجودها يمثل العصر الذهبي الثاني للنصارى داخل الإمبراطورية المغولية بفارس ، وخارجها . وكانت هي المحرض الرئيسي لحملات هولاكو على العراق والتي أدت إلى إسقاط بغداد وتدمير الخلافة العباسية ، ثم حملاته على بلاد الشام ومحاولته أيضاً غزو مصر ، فيما يعرف بالحرب الصليبية المغولية ضد المسلمين في الشرق الأدنى على النحو الذي سنوضحه بعد قليل ، وبحيث يمكن أن نطلق عليها بحق أسم المرأة الرهيبة ، وتلك المرأة هي دوقوز خاتون ، زوجة هولاكو خان فارس الشهير .

     وتنتمي دوقوزخاتون إلى قبيلة الكرايت ، ولم تختلف عن قومها في تعلقها بالنصرانية النسطورية . وإذا أعتنق الكرايت االنصرانية منذ زمن بعيد ، وتمسكت بعقيدتها وتعصبت لها بشدة أكثر من تعصب النصارى أنفسهم في الشرق والغرب لنصرانيتهم . وحرصت دوقوزخاتون على حماية النصارى الذين صار لهم ، أثناء حياتهم ، وضعاً ممتازاً وعاشوا العصر الذهبي الذي عاشوه من قبل أيام توراكينا خاتون . وعلى الرغم من أن جباراً عنيداً في الأرض مثل هولاكو كان يميل إلى البوذية ، إلا أنه تحت تأثير زوجته ، ومن اجل التقرب إليها بمجاملة أبناء دينها ، ولإرضائها ، غمر هولاكو النصارى بأفضاله وبكل مظاهر التقدير ، فأقام كنائس جديدة في جميع أنحاء الإمبراطورية ( مملكة فارس المغولية ) ، وأنشأ عند مدخل دار دوقوزخاتون كنيسة تقرع بها الأجراس داخل البلاط الملكى . وكان هولاكو غالباً ما يشترك في الأعياد النصرانية بنفسه ، ويحضر القداس . وأوقف الأوقاف على الكنائس ، وفضل النصارى على المسلمين في المعاملة ، كما صارت القداسات والصلوات يؤديها مع القسس والشمامسة  بانتظام ، وأنشأ مدارس يتردد إليها الأطفال بكمال حريتهم ، وكل من قدم من قبل النصارى على اختلاف لهجاتهم من رجال الكنيسة نعموا في حياتهم بالهدوء والأمن . وكل من التمس السلام والأمن حصل عليه من قبل دوقوزخاتون وهولاكو ، وعاد مثقلاً بالهدايا . وأعتنقت النصرانية أيضاً على المذهب النسطوري ابنة أخت دوقوزخاتون ، وهي توقتى خاتون ، وكانت من زوجات هولاكو أيضاً . وكان الأمل وطيداً في روما أن تقنع الكنيسة النسطورية بالانضمام فبما بعد إلى الكنيسة الكاثوليكية العالمية . ولم تكتفي دوقوزخاتون بالتأثير على هولاكو بهذه الكيفية ، بل أحاطت نفسها وهولاكو بحاشية من النصارى ، واتحذت لها مستشاراً كان جاثليق (بطريرك) الارمن يدعى ( وارتاق ).

دور النصارى في سقوط بغداد

   وعلى أية حال فبعد دخول هولاكو وجيشه إلى بغداد إستباحوها لمدة أربعين يوماً ( كان كل يوم منها عبوساً قمطريراً وشره مستطيرا ) على حد تعبير المؤرخ الفارسي ( وصاف ) ، وقتلوا اكثر من ثمانمائة ألف شخص كما يقول المؤرخ الانكليزي هورث (Howorth ) ، والفارسي وصاف ، ولم ينج من مذابحهم حتى الطفل الرضيع ووجد النصارى الشرقيون في هذه الايام الرهيبة فرصة طيبة للتشفي من المسلمين من النساطرة والارمن والجورجيين في جيش هولاكو ، وكان لا يقلون عنفاً عن المغول أنفسهم . ولم يسلم من بغداد غير الأرقاء والنصارى الذين لجؤا إلى كنيسة سوق الثلاثاء تبعاً لتعليمات الجاثليق النسطوري مكيخا .

    كما أن الخليفة المستعصم بالله نال مصرعه مع كل افراد أسرته وحاشيته . وعلى الرغم من أن رشيد الدينتغنى دائماً بأمجاد أسرة جنكيزخان ، ويعتبر المؤرخ الرسمي لهولاكو وأبنائه فأنه لم يسعه الا أن يردد بأن الخليفة المستعصم وحاشيته ماتوا شهداء في سبيل الدين الإسلامي . على أن الاستيلاء على بغداد ، وزوال الخلافة ، الذي شجعه حاشية هولاكو من النساطرة ، أبتداءاً من دوقوزخاتون وقائده ( كتبغا نويان ) ، تراءى كانه من أعمال حملة صليبية نسطورية ، ومن الدليل على ذلك ما كان من اختيار جاثليق النساطيرة ( مكيخا) ليكون رسولاً من قبل خليفة هولاكو .

مهما يكن من أمر ، فإن المؤرخ النسطوري ( صليبا ) ، بعد أن يذكر ان هولاكو فتح بغداد في عهد البطريرك مكيخا الثاني ، يقول (( وأنعم هولاكو خان على هذا الأب (مكيخا) وأعطاه دار الخليفة المعروفة بدار الدويدار التي على الدجلة حتى يسكنها ، وعمر فيها البيعة الجديدة ( ورزق جاها عظيماً ) ، واستناح ( مات ) يوم السبت الذي بعد الأحد الجديد ، وهو ثامن عشر نيسان سنة 1576 يونانية (1265م /664هـ … ودفن في البيعة الجديدة التي بناها ( بدار الخليفة ) … )) .

    وعندما مات هولاكو في ربيع سنة 1265م /664هـ ، ولحقت به زوجته دوقوزخاتون في صيف نفس العام (( وقد شمل المسيحيين في كل العالم حزن شديد على وفاة هذين النبراسين العظيمين المعززين للدين المسيحي )) .    

موقف النصارى من سقوط بغداد

ظهر المغول العتاة على أنهم الثائرون لنصرة النصرانية ، وقد أرسلهم الله من صحارى جوبى لتحطيم الإسلام . فمنذ الذي يقول ان أولئك المبشرين النساطرة الفقراء ، الذين أرتحلوا في القرن السابع الميلادي من سلوقية على نهر دجلة ، أو من بيت ( لاباط ) للدعوة إلى الأنجيل في بلاد ساذجة في تركستان الشرقية ومنغوليا ، سوف يجنون في يوم من الأيام محصولهم ، فالواقع أنه حدث منذئذ ان الأويغور في كوتشا وطورفان ، والنمايمان بجبال التاي ، والكرايت بشرقي جوبي ، والانجوت ، في الجنوب الشرقي من منغوليا ، إلى سور الصين الكبير الذي يقع على حدود بلاد الصين ، استجابوا إلى جانب ديانتهم الأصلية ، الشامانية إلى تعاليم البوذية والنصرانية النسطورية ، وأضحى من بين المحاربين الذين صحبوا هولاكو ، الألوف من النصارى ، الذين يعتبرون من تلاميذ جاثليق كلديا ( العراق ) ، فربطوا بتأثير من عقيدتهم ، صليب النصرانية النسطورية المنصوب على مقابر بشبك إلى لواء مغول جنكيزخان .

    وكان من أشمت الناس ببغداد الخلفاء ، رجل ارمني يدعى كيراكوس الجنزوي الذي كتب في هلاكها يقول : (( كانت بغداد مدة حيازتها عصا الملك أشبه سيء بعلقة تمص الدماء : ابتلعت العالم كله ثم قاءت عندئذ كل ما بلعت …. ولما طفح كيل مظالمها قدام الرب عوقبت على ما أراقت من دماء وما عملت من شرور … وقد دامت سيادة الطاجيك العدائية القاسية 647سنة )) .

ولا سبيل إلى أن ننكر أيضاً مشاطرة النصارى ، في معظمهم ، رأي إسطفان أوربليان الذي عد هولاكو ودوقوزخاتون بمثابة (( قسطنطين وهيلانة جديدين )) و ((أداتين من أدوات الأنتقام الإلهي من أعداء المسيح )). ومن هذا القبيل أيضاً أنه لما أراد أحد المصورين من السريان اليعاقبة ( أصحاب الطبيعة الواحدة المونوفيزيين ) في أيار1260م / 660هـ ، أن يعبر بالصورة عن إنتصار الصليب ( في المخطوطة السريانية رقم 559 من مكتبة الفاتيكان ) ، إستعاد تصور البيزنطيين للملك (قسطنطين وزوجته هيلانة) الممسكين بالصليب ، ولكنه أضفى على هذين ملامح( هولاكو و دوقوزخاتون ) . ونجد خلاصة ذلك كله في شهادة أخيرة أقتبسها الرحالة الايطالي (ماركو بولو )  من النصارى المحليين (الوطنيين) ، إذ كتب يقول:  (( واظن أن ربنا أراد الثأر لنصاراه الذين كان الخلفاء يكرهونهم أشد الكره…)) .        

                                                 

   

                       

المصادر والمراجع والهوامش        

اظهر المزيد

د.فرسەت مەرعی

د.فرست مرعي اسماعيل مواليد ۱۹٥٦ دهوك ٲستاذ التاريخ الاسلامي في جامعة دهوك له ۲۱ كتابا مؤلفا باللغتين العربية والكردية ، و٤۰ بحثا ٲكاديميا في مجال تخصصه

مقالات ذات صلة