البحوث

موقف علماء أهل السنة من التأويل الباطني عند الاسماعيلية

دراسة تحليلية مقارنة

الملخص

  التأويل بالباطن عند الاسماعيليين الباطنيين احدى الدعامات الرئبسية التي تضاف الى الدعامات الاخرى، وهو عقيدتهم في وجوب الامامة من ذرية اسماعيل بن جعفر(=الصادق). وقد ذهب الاسماعيليون الى أن لكل شيء (=ظاهر محسوس) تأويلاً باطنياً لا يعرفه إلا الراسخون في العلم وهم الائمة، وهؤلاء الائمة يودعون هذا العلم الباطن لكبار الدعاة بقدر معين، ذلك أن التأويل بالباطن قد خص الله به علياً، فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم خص بالتنزيل، فكذلك علي بن ابي طالب خص بالتأويل.

هذا البحث يختص بتوضيح فرقة الاسماعيلية والاصول التي قامت عليها وتحديداً التأويل، ومن ثَم بيان مواقف وردود علماء أهل السنة والجماعة بشتى أطيافهم من التأويل الباطني الاسماعيلي.

المفاتيح: التأويل، الباطنية، الاسماعيلية، أهل السنة.

المقدمة

  التأويل كمنهج عقلي؛ يقصد منه إبعاد التصورات التي لا تليق بالالوهية، وكوسيلة للتقريب، والتوفيق بين العقائد الدينية التي ثبتت بالوحي وبين مقتضيات العقل. وهي ظاهرة دينية لها تاريخ طويل في الفكر الانساني العام، فقبل ظهور الاسلام بزمن قام علماء الكلام اليهود والنصارى بمحاولات عقلية شبيهة بتلك التي بدلها فيما بعد علماء الكلام من المسلمين معتزلة وأشاعرة وشيعة من أجل ابعاد كل التصورات الجسمانية التي لا تليق بالالوهية.

  أما في اليهودية، فقد ارتبط التأويل باسم الفيلسوف اليهودي فيلون  الاسكندري (20ق.م 50م) الذي حاول أن يبعد التصورات الجسمانية التي يمكن أن يؤدي اليها التفسير الحرفي لبعض نصوص التوراة التي تضفي على الله تعالى صفات خبرية من يد، وساق، ووجه، وعين، الخ، وأكد على وجوب تفسيرها تفسيراً مجازياً وفق قوانين التأويل المجازي التي حدد هو درجاتها بنفسه. وقد حمل الفيلسوف اليهودي (فيلون) حملة شعواء على أولئك الذين يتمسكون بالحرفية والظاهر في تفسير النصوص واصفاً إياهم بضيق الافق والادراك” ان أبطأ الاذهان ادراكاً وفهماً ليرى أن وراء الحرف معنى آخر يبين بالتأويل الحق المجازي”()، واصماً اياهم بالغباوة والالحاد هؤلاء الذين لا يريدون قبول طريقة التأويل المجازي ليسوا أغبياء فحسب، بل هم أيضاً ملحدون”().

وقد سار على نهجه فيما بعد عدد من لاهوتيي اليهود في العصور الاسلامية منهم: سعدايا الفيومي(892-942م) صاحب كتاب (الامانات والاعتقادات)، والفيلسوف الاندلسي المشهور موسى بن ميمون(1135-1204م) الذي خصص جزءاً مهماً من أحد كتبه لمعالجة الموضوع وأكد بأن العامل الرئيسي وراء ظهور مشكلة التشبيه هو التمسك بظاهر الصفات الخبرية التي ترد في التوراة وتفسيرها بالحقيقة دون المجاز، وهو إذ يوضح رأيه في الموضوع يقول” هذه الرسالة لها غرض ثانٍ، وهو شرح النصوص المجازية الشديدة الغموض، هذه النصوص التي نصطدم بها في أسفار الانبياء دون أن يكون واضحاً أنها من المجاز والتي على الضد من هذا يأخذها الجاهل والذاهل على معناها الخارجي دون أن يرى فيها معاني خفية”().

وأما في المسيحية فقد ظهر عدد من كبار آباء الكنيسة حاولوا هم أيضاً ابعاد التصورات التجسيمية عن الله وذلك بايجاد تأويلات مجازية للنصوص التي لا تتفق إذا ما فهمت حرفياً والتصور الحق للالوهية. ومن هؤلاء الآباء الآوائل للكنيسة: كليمانت الاسكندري (150-215م)، وأوريجون(185-254م)، والقديس أوغسطين(345-430م)، وأخيراً القديس يوحنا الدمشقي(749676م) الذي يعتبر بحق أكبر لاهوتي الكنيسة الشرقية الارثوذكسية، والذي عاش في دمشق وكان على صلة بالخلفاء الامويين الاوائل، واعتبره الكثيرون من مؤرخي الفلسفة الاسلامية المسؤول الاول عن ظهور النقاش العقلي الجدلي في الاسلام.

وأما القديس أوغسطين، فقد جاهد من أجل إقامة الحدود الفاصلة بين ما يجوز تأويله من الكتاب المقدس وبين ما لا يجوز وتحديد شرائط التأويل وأركانه. وأما القديس يوحنا الدمشقي فقد أفرد فصلاً كاملاً من كتابه المشهور (حول الدين الارثوذكسي) للتأويلات المجازية للصفات الخبرية التي ترد في الكتاب المقدس().

أما في الاسلام، فإن التأويل كمنهج عقلي يرتبط تاريخياً بالمعتزلة الذين أيقنوا من أن ابعاد التصورات والصفات والاحوال التي لا تتفق وطبيعة الإلوهية لا يكون إلا عن طريق تأويلها مجازياً، فقد وجدوا في القر آن الكريم والحديث النبوي نصوصاً  إذا أخذت حرفياً أدت الى التشبيه والتجسيم وما يكون ذلك من الصفات والعواطف والاحساسات البشرية. وإذا ثبت عندهم بالدليل العقلي أن الله تعالى منزه عن الجسمية والجهة، قالوا لا بد من صرف هذه الصفات عن معانيها الظاهرية الحرفية الى معانٍ أخرى مجازية، لئلا يكون ذلك سبباً في الطعن في هذه النصوص، واستعانوا في هذه السبل الوعرة والشاقة بالقرآن في آيات أخُر، وباللغة يجدون فيها ما يساعدهم في تقرير المعاني التي يرونها.

ومن جانب آخر ذكر احد كبار المستشرقين أن (عبدالله بن سبأ) وتلاميذه استطاعوا أن يورثوا الاسلام تركة (فيلون) اليهودي ()، وذلك في محاولتهم تفسير القرآن نفسيراً مجازياً بعيداً كل البعد عن معانيه الحقيقية، وهو بذلك هو أول من أحدث التأويل الباطني لمعاني القرآن الكريم في التاريخ الاسلامي وسارت على نهجه الفرق الباطنية التي تتابعت لاحقاً، فعندما فسر قوله تعالى:[ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ…]()، قال:” إني لاعجب ممن يقول برجعة عيسى ولا يقول برجعة محمد”()، فوضع بذلك هذا المذهب الباطني بما فيه من قول بالرجعة().والذي نشأ عليه مذهب التناسخ وقالت به باقي حركات الغلو الباطني الاخرى. وهذا يدل أن عبدالله بن سبأ حاول أن يوجد نفس العوامل الشبيهة التي أدت الى تحريف وتأويل التوراة والانجيل من قبل على غرار ما فعل الفيلسوف (فيلون) وطائفته بخصوص القبالة(= التصوف اليهودي)، فكان نشره لمبدأ الوصاية بمعنى أن علياً هو وصي محمد (صلى الله عليه وسلم) من جملة هذه العوامل التي أرادت أن تتحقق، لذا نجده ينادي بعد ذلك بحلول جزء إلهي في علي بن ابي طالب وذريته، وهو المذهب الذي يرجع الى المؤثرات اليهودية والمسيحية المأخوذة عن الفلسفة الافلاطونية().

ويمكن القول أن الذين جاؤوا بعد ابن سبأ ابتداءً من المختار الثقفي()المقتول عام 67هـ/687م ومروراً  بالمغيرة بن سعيد البجلي() المقتول على يد والي العراق الاموي عبدالله بن خالد القسري عام 119هـ/737م، وبيان بن سمعان النهدي() المقتول في الكوفة ايضاً عام 120هـ/738م وانتهاءً بأبي الخطاب محمد بن أبي زينب الاسدي الاجدع مولى بني أسد المقتول على يد الوالي العباسي على الكوفة عيسى بن موسى عام 120هـ/738م، كانوا يسيرون على نفس الدرب الذي وضعه لهم ابن سبأ في تحريف وتأويل شرائع الاسلام؛ وليس مستغرباً بعد ذلك أن تسير الباطنية الاسماعيلية على نفس هذه الطريقة المؤدية الى تطبيق الفلسفة الافلاطونية الحديثة على من يريد الاندماج بها().

فكما أن مذهب الافلاطونية الحديثة يصبو الى التجرد من الحجب الجثمانية ويعود بالانسان الى الوطن السماوي، وطن النفس الكلية، فكذلك يجب على من يريد الاندماج في سلك الاسماعيلية أن يزيح عن بصره الحجب المادية  التي تغشى الشريعة، وذلك بأن يرتقي الى معرفة تتناهى في السمو والدقة وأن يسمو الى عالم الروحانية المحضة؛ لأن الشريعة عندهم ما هي إلا واسطة تهذيبية ووسيلة تربوية، ذات قيمة نسبية وأهمية عرضية وقتية، وهي تصلح لقوم لم يكتمل نضجهم بعد().

وتبين الحادثة التالية مدى تأويل الاسماعيلية للشريعة تأويلاً مجازياً وتحللهم من قيودها، وهي أن اسماعيل بن جعفر الصادق الذي تنسب اليه الفرقة أنكر إمامته خصومه من الامامية الاثني عشرية لوقوعه في محظور وهو أنه كان يتناول الخمر، فأصبح غير أهل لأن يلي الامامة، فرد عليهم مريدوه إن الله اجتبى شخصاً للامامة وأصطفاه منذ مولده لتقلد هذا المنصب الخطير في المستقبل، وطهره من الذنوب والاوزار وأفقده القدرة على اتيانها، فتحريم الخمر لم ير فيه اسماعيل ومن ثم مريدوه من الاسماعيلية إلا معنىً مجازياً، وطبقوا ذلك على الاحكام والفرائض الاخرى كالصيام والحج وغيرها، ويستخلص من نظريتهم هذه أنهم تحللوا من كل النواميس الخلُقية وأباحوا كل محظور().

لقد قامت قبل المعتزلة وبزمن جماعة من رجال السلف البارزين أمثال مجاهد المكي(ت 102هـ) وعطية الكوفي( ت111هـ) بمحاولات فكرية لتفسير المتشابهات تفسيراً مجازياً له مبررات في اشتقاقات اللغة العربية وأصولها، إلا أن محاولاتهم هذه كان ينقصها الجمع والتنظيم المنهجي فلم تنته الى تكوين اتجاه فكري عام. فيروى عن مجاهد المكي المحدث والمفسر المشهور أنه كان من أوائل من قرأ الآية الكريمة [… وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ…]()، من غير توقف فاتحاً باب التأويل لمن جاء بعده.

    أما المعتزلة فقد جاهدوا من أجل جعل التأويل المجازي منهجاً عاماً منسقاً، لأنهم أدركوا كما أدرك غيرهم من علماء الكلام في الاديان الاخرى انه لا سبيل للقضاء على فكرة التشبيه كفكرة وكفرقة إلا إذا صرفت الصفات الخبرية الواردة في المتشابهات عن ظواهرها، الى معانٍ أخرى مجازية مستساغة من غير إخلال بقواعد اللغة العربية وخصائصها. ورغم ما في التأويل الاعتزالي أحياناً من تعسف وإفراط ومحاولات لجعل النص القرآني دليلاً على صحة آرائهم الدينية والمذهبية التي آمنوا بها، فإن العمل الذي بدأوه كان السلاح الوحيد للقضاء على التشبيه والمشبهة، وقد أخذوا به مع تعديلات طفيفة عامة المسلمين من شيعة وأهل سنة: ماتريدية وأشاعرة. وفي ذلك يقول الامام الفخر الرازي المتوفى (سنة606هـ):” جميع فرق الاسلام مقرون بأنه لا بد من التأويل في بعض ظواهر القرآن والاخبار”().

الاسماعيلية والاصول الباطنية التي قامت عليها

  الاسماعيلية سميت بهذا الاسم نسبة الى اسماعيل بن جعفر الصادق. ولكن اسماعيل توفي في حياة ابيه سنة143هـ/760م، بينما توفي أبوه سنة148هـ/765م، ولهذا انقسمت الى فرقتين أساسيتين: الاولى، وهي الاسماعيلية الخالصة قالت ” إن الامام بعد جعفر: ابنه اسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت اسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك يلتبس على الناس لأنه خاف عليه فغيَبه عنهم. وزعموا أن اسماعيل لا يموتى حتى يملك الارض ويقوم بأمور الناس، وأنه هو القائم، لأن أباه أشار اليه بالإمامة بعده، وقلدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبهم”. وهذه الفرقة تنتظر اسماعيل بن جعفر().

والثانية قالت” إن الامام بعد جعفر: محمد بن اسماعيل بن جعفر، وأمه أم ولد. وقالوا: إن الامر كان لاسماعيل في حياة أبيه، فلما توفي  قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الامر لمحمد بن اسماعيل وكان الحق له، ولا يجوز غير ذلك لأنها لا تنتقل من أخ الى أخٍ بعد حسن وحسين، ولا يكون إلا في الاعقاب. ولم يكن لاخوة اسماعيل: عبدالله وموسى في الامامة حق، كمل لم يكن لمحمد بن الحنفية فيها حق مع علي بن الحسين، وأصحاب هذه المقالة يسمون المباركية، برئيس لهم يسمى المبارك: مولى اسماعيل بن جعفر”().

التأويل

  التأويل في اللغة: مصدر أول، يؤول، يؤول، تأويل”أول الكلام تأويلاً، وتأول الكلام تأويلاً” بمعنى فسره. ورجع به الى أصله()، والتأويل تفسير ما يؤول اليه الشيء، وقد أوله تأويلاً()، ويقال: تأوله: دبره، وقدره، وفسره، وقيل ايضاً التأويل في كلام العرب: المرجع والمصير، مأخوذ من آل يؤول الى كذا، أي صار اليه وأولته صيرته اليه. وقيل أن التأويل مرادف للتفسير في أشهر معانيه اللغوية().

وقد وردت هذه الكلمة في عدة مواطن من القرآن الكريم، على أسس مختلفة ولكن أينما وردت ” يتحرى بها المواطن الدقيقة التي لا يظهر فيها المعنى إلا باعمال الفكر وإجالة النظر والتمثيل الواضح للمعنى المعبرعنه، فقد وردت بمعنى البيان في قوله تعالى[هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ…]()، أي ينظرون إلا بيانه الذي هو المراد منه()، ووردت بمعنى تأويل الرؤية في قوله تعالى:[… يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ…]()، ووردت بمعنى تأويل الكلام والمعنى في قوله تعالى:[ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ]().

ووردت بمعنى تأويل الاعمال في قوله تعالى:[ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا]().

أما التأويل اصطلاحاً فقد تنوه بتنوع الاتجاهات. ولقد عرفه الغزالي:” أنه صرف الفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة الى أمور باطنة”(). وعرفه ابن رشد: بأنه” اخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية الى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة العرب في التجوز من تسمية الشيء يشبهه، أو بسببه أو لا حقه، أو مقارنه أو غير ذلك من الاشياء التي عددت في تعريف أصناف الكلام المجازي”().

 يعد التأويل أحد أبرز أركان الدعوة الاسماعيلية، كما يعد أحد أهم مباحث الدراسات الاسماعيلية سواءً في التاريخ القديم أو المعاصر، أذ لا يكاد يعدم الباحث في تلك المصنفات إشارة الى تأويلات الباطنية سواءً أكانت تعريفاً بمفهوم التأويل وأصوله أو نقداً لمناهجه ومقاصده، أو تقريراً لمباحثه، ويحاول دعاة الاسماعيلية عن طريق التنظير المعرفي  للتأويل، معرفة أسرار الدين().

والتأويل مشتق من الاول وهو الرجوع يقال آل اليه أي أرجعه، وعند علماء اللاهوت يفسر الكتاب المقدس تفسيراً رمزياً أو مجازياً يكشف عن معانيها، فالشريعة كما يقول بعضهم مشتملة على ظاهر وباطن لاختلاف فطر الناس وتباين قرائحهم في التصديق، فكان لا بد من إخراج النص من دلالته الظاهرية الى دلالته الباطنية بطريق التأويل، فالظاهر هو الصور والامثال المضروبة للمعاني، والباطن هو المعاني الخفية التي لا تتجلى إلا لأهل البرهان، فالتأويل في نظرهم هو الطريقة المؤدية الى رفع التعارض بين ظاهر الاقاويل وباطنها() .

  والتأويل هو إحدى الوسائل الرئيسية التي اتخذتها الحركات الباطنية لجعل عقائدها شرعية وصحيحة على حسب زعمهم فكان بالنسبة اليهم أداة صالحة لايهام الناس أن آرائها متفقة مع نصوص القرآن الكريم.

حتى صارت تلك الحركات ترى في هذا التحوير للمعنى الظاهري السبيل الوحيد لتفهم القرآن، وبذلك أهملوا التفسير الصحيح المنضبط مع وقائع اللغة العربية، بل صارت أحكام القرآن في رأي أتباعها غير واجبة الاتباع(). وهم في تأويلهم للقرآن يعتقدون بأن هناك وراء المعنى الحرفي للآيات وهو معنى لا أهمية له في نظرهم حقائق فلسفية تستخلص بالتفسير المجازي، ولكي يضفوا على هذا التفسير الباطني مسحة شرعية زعموا بأن محمداً (صلى الله عليه وسلم) أفضى لوصيه علي بن ابي طالب بالمعنى الباطني لآيات القرآن()، وأن هذا المعنى لا يلقن إلا عن طريق التعليم من الامام أو من معلم ينيبه. ويعتقدون أيضاً أن من تقاعد عقله عن الغوص على الخفايا والاسرار، والبواطن والاغوار، وقنع بظواهرها، كان تحت الآصار والاغلال، وأرادوا بالاغلال التكليفات الشرعية، لأن من ارتقى الى علم الباطن انحط عنه التكليف واستراح من أعبائه().

ويقر أحد الباحثين أن استعمال وجوه التأويل الكثيرة يمكن أن ترد الى أشياع الافلاطونية الحديثة، وبخاصة فيلون اليهودي، وأوريجانوس النصراني، ” وهذا المزيج (= الافلاطونية الحديثة) ملفق من فلسفة فيثاغورس وافلاطون وأرسطو، وأضيف اليه شيء من الفلسفة الهندية”().

   والباطن لغةً ضد الظاهر أو أن الظاهر خلاف الباطن. والباطن أسم من أسماء الله تعالى، ومعناه العالم بالسرائر والخفيات، والمحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم، والباطنية فرقة من فرق الشيعة تعتقد أن للشريعة ظاهراً وباطناً، وتمعن في التأويل().

يقول ابن الجوزي المتوفى سنة597هـ/ 1201م في تعريف الباطنية:” … قوم تستروا بالاسلام ومالوا الى الرفض وعقائدهم وأعمالهم تباين الاسلام بالمرة، لكنهم يقولون لذلك سر غير ظاهر… ثم يذكر أنها من الشيعة الاسماعيلية المنسوبة الى زعيم لهم يقال له محمد بن اسماعيل بن جعفر”() .

نماذج من مصنفات أهل السنة في الرد على الاسماعيلية الباطنية

        موضوع البحث يخص علماء الكلام من اهل السنة والجماعة، لذا سأقتصر على المشهورين منهم وعلى رأسهم (اسماعيل بن علي الاشعري) الملقب ب (ابو الحسن الاشعري) المتوفى (سنة324هـ/935م) في كتابه (مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين)، وعبد القاهر البغدادي المتوفى (سنة 429هـ/ 1038م) في كتابه (الفَرق بين الفِرَق)، وابن حزم الاندلسي المتوفى (سنة456هـ/1064م) في كتابيه ( الفِصَل في المِلَل والنِحَل) و(الاحكام في أصول الاحكام)، والغزالي المتوفى (سنة505هـ/1111م) في كتابه (فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية)، والشهرستاني المتوفى (سنة548هـ/1153م) في كتابه (الملل والنحل).

أولاً: مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن الاشعري

قسم الاشعري في كتابه (مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين) فرق الشيعة الى ثلاثة أصناف : الغلاة، الرافضة، الزيدية، وإذا بحثنا في هذا التصنيف لم نر ذكراً للباطنية لا بين الغلاة ولا ضمن الروافض، رغم وجود توجه اسماعيلي باطني بين ثلاث فرق من فرق الروافض، وهذه الفرق هي: ” الصنف السابع عشر من الرافضة يزعمون أن جعفر بن محمد مات وأن الامام بعد جعفر ابنه اسماعيل… والصنف الثامن عشر… وهم القرامطة… والصنف التاسع عشر يسوقون الامامة من علي الى جعفر بن محمد ويزعمون أن حعفر بن محمد جعلها  لإسماعيل ابنه دون سائر ولده. فلما مات إسماعيل في حياة أبيه صارت في إبنه محمد بن إسماعيل، وهذا الصنف يدعون المباركية… وزعموا أن محمد بن إسماعيل قد مات وأنه في ولده من بعده…”().

من خلال قراءة نص الاشعري يتبين أنه أهمل ذكر فرقة الاسماعيلية وأسمائها الذائعة الصيت (= الباطنية والسبعية)، رغم انه تطرق الى ذكر إمامة (اسماعيل بن جعفر)التي تميزهم عن القائلين بامامة (موسى  بن جعفر) ، وسمي القائلين بها (الموسائية)(). فهل يعني أن الاشعري يجهل التسميات التي اقترنت بها تلك الفرقة، أم هي تسميات جاءت لاحقة عن زمن الاشعري، كيف والاشعري كان حياً الى حدود الربع الاول(ت324هـ)، وفي بعض الروايات الى حدود الثلث الاول(ت330هـ) من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، بينما شهد النصف الثاني من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي انتشار الدعوة الاسماعيلية، ومن ثَم قيام دولة القرامطة في البحرين،والدولة الفاطمية في إفريقية (= تونس الحالية) سنة297هـ/ 910م تحديداً().

وعلى أية حال فإن بعض المؤيدين للاشعري يفسرون سكوته عن فرق الباطنية بحجة عدم اطلاعه على مقالاتها في المغرب الاسلامي، لأن الدولة الفاطمية أسست في تونس الحالية كما أسلفنا؛ ولكن الواقع أن الفكرة الاسماعيلية  نشأت أول ما نشأت في جنوب العراق وجنوب غرب ايران ثم انتقلت الى سوريا قبل أن تنتقل الى المغرب الاسلامي().

 يعلل العديد من الباحثين سبب سكوت الاشعري عن التطرق الى مقالات الباطنية الذين تمكنوا خلال فترة قصيرة من انشاء كيان سياسي على مقربة من عاصمة الخلافة العباسية، التي كان الاشعري أحد مفكريها، ولم تستطع تلك الدولة من وضع حد لتنامي كيانها الذي استفحل خطره وبات يهدد كيان الخلافة العباسية برمتها()، وما حادثة هجوم القرامطة الاسماعيليين على مكة المكرمة وتدنيسهم للحرم الشريف وسرقتهم للحجر الاسود عام317هـ/930م عنا ببعيدة(). فيما ذهب آخر الى أن بعد رجوع الاشعري عن الاعتزال والبحث عن مخرج يسهل على الامة ” الخلاص من الطريق المسدود الذي زجها به الغلاة من أصحاب العقل وأصحاب النص”() أي محاولة إعادة ترتيب البيت السني من خلال ترتيب العلاقة بين تيار العقل (= المعتزلة) وتيار النقل (اهل الحديث والحنابلة) والوصول الى حل وسطي (= الاشعرية)م بدعو يجمع بين النقل والعقل، والرد على من اعتبر الخوض في الكلام من المحدثين والفقهاء على أنها بدعة.

  فيما رأى آخر أن انصراف الاشعري عن مقالات الباطنية هو البحث عن خط وسط بين العقل والنقل لحل مسألة علم الكلام الاساسية، وقد تمكن فعلاً من العثور على ذلك الخط الوسط حين قال بنظرية الكسب في ما يتعلق بنظرية  الجبر والاختيار، وبنظرية الكلام النفسي فيما يتعلق بمسألة القرآن، إت كان مخلوقاً أو غير مخلوق لأن الامة في تلك المرحلة كانت تعيش تمزقاً حقيقياً بين تيار أهل الحديث المتمسك بظاهر النص يقوده الحنابلة، وتيار يتجاوز ظاهر النص الى باطنه يقوده التشيع الاسماعيلي الباطني، وبين هذين التيارين يقف المعتزلة().

في حين أعتبر باحث آخر أن المعتزلةكانوا تياراً وسطاً بين نفاة التأويل من أهل الحديث ودعاته، وأصحاب التأويل من الشيعة الباطنيين، والدليل عنده أن المعتزلة كانوا المبادرين الى وضع قوانين وحدود تُسَيِر عملية التأويل وتضبط آلياتها().

يبدو أن الآراء التي طرحها الباحثون آنفاً بخصوص عزوف الاشعري عن الخوض في مقالات الباطنية، أن المجتمع الاسلامي في نهاية القرن الثالث الهجري/ التسع الميلادي كان يعيش في أزمة مركبة، فكان علم الكلام عاجز أن يحل المسائل الاساسية وقد تغلب عليه الاشعري حين سلك خطاً وسطاً بين آراء أهل النقل والعقل. ومن جهة أخرى فإن أزمة العقل البياني(= أهل السنة) في مواجهة العقل العرفاني(= الشيعة) لا يقتضي خط وسط، بل تقتضي تأسيساً ونفياً، تأسيس الموقف السني البياني، ونفي ونقض الموقف الشيعي العرفاني، وذلك ما فعله الاشعري في كتابه ( إلابانة في أصول الديانة) بالتحديد().

ثانياً: الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي

  بعد حوالي قرن من وفاة ابو الحسن الأشعري(=324هـ) أصبح ما كان خافيا في مشروعه واضحاً جلياً في مشروع خلفه، عبدالقاهر البغدادي(=429هـ) فقد خصص الباب الثاني من كتابه (الفرق بين الفرق) لإحصاء الفرق الإسلامية استناداً إلى ذلك الحديث النبوي المشهور: ” تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة… الخ”(). ومهد البغدادي لهذا الإحصاء بتحديد مفهوم الأمة فبين أن أمة الإسلام “ تجمع المقربين بحدوث العالم وتوحيد صفاته وعدله وحكمته ونفي التشبية عنه، وبنبوة محمد… ورسالته إلى الكافة، وبتأبيد شريعته وبأن كل ما جاء به حق وبأن القرآن منبع أحكام الشريعة وأن الكعبة هي القبلة التي تجب الصلاة إليها”(). ثم عاد إلى التذكير بهذا المفهوم في الباب الرابع من الكتاب إلا أنه أضاف في هذا الباب علامات أخرى تميز أمة الإسلام وهي القول بوجوب الزكاة وبصوم رمضان وبالحج إلى البيت، والناظر في هذا التحديد يلاحظ أن البغدادي قد جمع بين عناصر فقهية وأخرى كلامية، أما العناصر الفقهية فتحدد الإسلام بما هو شريعة، وأما العناصر الكلامية فتحدد الإسلام بما هو عقيدة. فمن جهة الإسلام شريعة يجب القول بأن هذه الشريعة مؤبدة فلا تنسخ بظهور المهدي المنتظر في آخر الزمان، كما يجب القول بأن فرائض الشريعة واجبة على العامة دون الخاصة وهي بالتأويل رموز تشير إلى معان أخرى. أما من جهة الإسلام عقيدة فيجب القول بحدوث العالم وتوحيد صانعه وصفاته وعدله وحكمته().

ولكن البغدادي وهو يصوغ مفهوم الامة الاسلامية لا يكتفي بتحديد ما يسمى به المرء مسلماً بل يضيف الى ذلك مجموعة من الشروط، فالمرء عنده إذا قال بكل ما ذكر سابقاً و” ضم اليه بدعة شنعاء”(). وجب النظر في أمره، فإذا كانت بدعته من جنس الباطنية فليس من جملة الاسلام، وإن كانت بدعته من جنس  المعتزلة أو الامامية أو الزيدية فهو من أمة الاسلام في بعض الاحكام().

ثم يذكر بعض مقالاتهم التي تنافي مقالات أهل السنة بشتى فئاتهم، بقوله:” ويزعمون أن الانبياء قوم أحبوا الزعامة فساسوا العامة بالنواميس والحيل طلباً للزعامة بدعوة النبوة وإلامامة، وكل واحد منهم صاحب دور مسبع إذا انقضى دور سبعة تبعهم في دور آخر، وإذا ذكروا النبي والوحي قالوا: إن النبي هو الناطق، والوحي أساسه الفاتق، والى الفاتق تأويل نطق الناطق على ما تراه يميل اليه هواه، فمن صار الى تأويله الباطن فهو من الملائكة البررة، ومن عمل بالظاهر فهو من الشيطين الكفرة”().

بعد ذلك ذكر البغدادي نماذج من تأويلاتهم التي تورث الشريعة تضليلاً وتأويلاً بقوله:” فزعموا أن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته وإدمان خدمته، والمراد بالصوم إلامساك عن إفشاء سر الامام دون الامساك عن الطعام، والزنى عندهم إفشاء سرهم بغير عهد وميثاق”().

ثم استطرد قائلاً” ان الباطنية لهم فى اصطياد الاغتامودعوتهم إلى بدعتهم حيل على مراتب سموها التفرسوالتأنيس والتشكيك والتعليق والربط والتدليس والتأسيسوالمواثيق بالايمان والعهود وآخرها الخلع والسلخ”().

ويتساءل البغدادي بعد عرض بعض عجائبهم عن خلق الحيوان، التي حسب اعتقاده قد سرقها  الاطباء والفلاسفة اليونانيون من حكماء العرب الاقدمين الذي كان زمنهم يسبق زمن فلاسفة اليونان(كالقحطانية والجرهمية والطشمية وسائرالاصناف الحِميرية)()، وجاء بأمثلة من هذا الطراز منسوبة الى حكيمي العرب: (ابو عبيدة معمر بن المثنى) و(عبد الملك بن قريب الاصمعي)، ويخلص في الاخير الى القول:” فهذا وما جرى مجراه من خواصالحيوانات وغيرها قد عرفته العرب في جاهليتها بالتجاربمن غير رجوع منها إلى زعماء الباطنية بل عرفوها قبل وجودالباطنية في الدنيا باحقاب كثيرة وفي هذا بيان كذبالباطنية في دعواها أن زعماءها مخصصون بمعرفة أسرارالاشياء وخواصها وقد بينا خروجهم عن جميع فرق الاسلامبما فيه كفاية والحمد لله على ذلك”().

ثالثاً: الفصل في الملل والنحل، والاحكام في اصول الاحكام لابن حزم الاندلسي

يعد ابن حزم الاندلسي(ت456هـ/1064م) من ابرز علماء المسلمين الذين تخصصوا في دراسة الفرق والمقالات من خلال كتابه (الفِصَل في المِلَل والنِحَل)، ولكنه مع ذلك فقد تطرق الى عرض بعض أصول الباطنية في مجالاتها المتعددة في كتابه الآخر( الاحكام في أصول الاحكام).

يبدأ ابن حزم النقد الموجه الى الباطنيين الزاعمين أن للقرآن ظاهراً وباطناً بقوله :” أعلموا أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه وجهر لا سر تحته كله برهان لا مسامحة، واتهموا كل من يدعو أن يتبع بلا برهان وكل من أدعى أن لله ديانة سراً وباطناً فهي دعوى ومخارق وأعلموا أن رسول الله لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها ولا أطلع أخص الناس به من ابنة أو ابن عم أو صاحب على شيء من الشريعة كتمه عن الاحمر والاسود ورعاة الغنم ولا كان عنده سر ولا رمز ولا باطل غير ما دعي الناس كلهم إليه، فلو كتمهم شيئاً لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا فهو كافر، فإياكم وكل قول لم يبنِ سبيله ولا وضح دليله”().

وعندما يبدأ دعاة الباطنية في الاستدلال باحاديث واهية منسوبة الى رسول الاسلام محمد(صلى الله عليه وسلم)  حول وجود ظاهر وباطن للقرآن الكريم، أو أنه ذلول ذو وجوه مختلفة، أو أنه له حد ومطلع، فقد رد عليها ابن حزم بقوله:” وهذه كلها مرسلات لا تقوم بها حجة أصلاً، ولو صحت لما كان لهم في شيء منها حجة بوجه من الوجوه، لأنه لو كان كما ذكروا لكل آية ظهر وبطن، لكنا لا سبيل لنا الى علم الباطن منها بظن ولا بقول قائل، لكن بيان النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله تعالى بأن يبين للناس ما نزل اليهم. ومن الباطل المحال أن يكون للآية باطن لا يبينه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه كان يكون حينئذٍ لم يبلغ كما أمر، وهذا لا يقوله مسلم فبطل ما ظنوه”().

وقد ناقش ابن حزم مسألة الخروج على الظاهر (= التأويل) بدون دليل مناقشة علمية رصينة، وردهم بأدلة كثيرة حيث قال :” وقد أكذب الله تعالى هذه الفرقة الضالة بقوله عزوجل ذاما لقوم يحرفون الكلم عن مواضعه:[وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]()، ولا بيان أجلىمن هذه الآية في أنه لا يحل صرف كلمة عن موضعها فياللغة ولا تحريفها عن موضعها في اللسان. وأن من فعلذلك فاسق مذموم [كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ]()، بعد أن يسمع ما قاله تعالىيسمع قول الله تعالى[مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا]()، فصح أن الوحي كله من يترك ظاهره فقد أعرض عنه، وأقبل على تأويل ليس عليه دليل، وقال تعالى[أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ]() ، وكلمن صرف لفظا عن مفهومه في اللغة فقد صرفه. وقد أنكر الله تعالى ذلك في كلام الناس منهم فقال تعالى:[ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ]( وليس التبديل شيئا غير صرف الكلام عن موضعهورتبته إلى غيرها بلا دليل من نص أو إجماع متيقن عنهصلى الله عليه وسلم(). وقال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ]()،فصح أن اتباع الظاهر فرض وأنه لا يحل تعديه أصلا.

وقال تعالى [اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ]()، فأمره باتباع الوحي النازل وهوالمسموع الظاهر فقط، وستند الى قوله تعالى [أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]()، أخبر تعالى أن الواجب علينا أن نكتفي بمايتلى علينا وهذا منع صحيح لتعديه إلى طلب تأويل غيرظاهره المتلو علينا، وقال تعالى آمرا لنبيه صلى الله عليهوسلم أن يقول[قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ…]()، وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ] إلى منتهىقوله تعالى[إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ…]().

قال ابن حزم ولو لم يكن إلا هذه الآية لكفت لأنه عليه السلامقد تبرأ من الغيب وأنه إنما يتبع ما يوحى إليه فقط. ومدعيالتأويل وتارك الظاهر تارك للوحي مدع لعلم الغيب وكلشيء غاب عن المشاهد الذي هو الظاهر فهو غيب ما لم يقمعليه دليل من ضرورة عقل أو نص من الله تعالى، أو منرسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع راجع إلى النصالمذكور. وقال الله تعالى [أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا…]()، فمن ابتغى حكما غيرالنصوص الواردة من الله تعالى في القرآن وعلى لسان نبيهصلى الله عليه وسلم فقد ابتغى غير الله حكماً، وبين تعالى:أن الحكم هو ما أنزل في الكتاب مفصلا، وهذا هو الظاهرالذي لا يحل تعديه. وقال تعالى [ يمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته]، فنص تعالى على أن الباطل إنما يمحى وأنالحق إنما يصح بكلماته تعالى. فثبت يقينا أن الكلماتمعبرات عما وضعت له في اللغة. وأن ما عدا ذلك باطل،فصح اتباع ظاهر اللفظ بضرورة البرهان().

وقال تعالى [وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ…]().

قال ابن حزم ومن ترك ظاهر اللفظ وطلب معاني لا يدلعليها لفظ الوحي فقد افترى على الله عز وجل بنص الآية المذكورة. ولزيادة التأكيد فقد روى ابن حزم بسنده عن… عن عروة بن الزبير عن أبيه، قال: قالت عائشة أم المؤمنينرضي الله عنها: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلميتأول شيئا من القرآن إلا آيا بعدد أخبره بهن جبريل عليهالسلام”. وهنا يصل ابن حزم الى بيت القصيد بقوله:” فإذاكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتأول شيئا من القرآن إلابوحي فيخرجه عن ظاهرة التأويل فمن فعل خلاف ذلك فقدخالف الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم…”().

وعلى السياق نفسه فإن أحد كبار علماء أهل السنة يؤكد ما يقوله ابن حزم بهذا الخصوص بقوله:” والوحي وحيان: وحي من الرحمن، ووحي من الشيطان، قال: تعالى:[ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ…]()()، وقال تعالى[وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورً]()، وقال تعالى[هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ]()، وقال:” لم يرو عن الصحابة الكرام أو التابعين أن أحدهم قال أن له ذوقاً أو وجداً أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف القرآن والحديث فضلاً عن أن يدعي أحدهم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يأتي الرسول، وأنه يأخذ من من ذلك المعدن علم التوحيد. والانبياء كلهم يأخذون عن مشكاته. ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها وتنسخها، أو بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم تفسرها، فإنها تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه، وكانوا يسمون ما عارض الآية ناسخةً لها”().

ويشرح ابن حزم العوامل التي أدت في الاسلام الى القول ب (الباطن)، فيقول:” ان الفرس كانوا في سعة الملك وعلو اليد على جميع الامم(…) حتى أنهم كانوا يسمون أنفسهم الاحرار والابناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيداً لهم، فلما اتُحِنُوا بزوال الدولة عنهم الى أيدي العرب، وكان العرب أقل الامم عند الفرس خطراً، تعاظم الامر وتضاعفت لديهم المصيبة وراموا كيد الاسلام بالمحاربة في أوقات شتى”. فاما لم يناولو مرادهم بالحركات المسلحة().  ” أن كيده (= الاسلام) على الحيلة أنجح، فأظهر قوم منهم الاسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وستشناع ظلم علي رضي الله عنه، ثم سلكوا بهم مسالك شتى(…) فقوم منهم ادخلوهم الى القول بأن رجلاً ينتظر يدعى المهدي عنده حقيقة الدين(…) وقوم خرجوا الى نبوة من أدعوا له النبوة(…) وقوم سلكوا بهم(…) الى القول بالحلول وسقوط الشرائع (…) ومنهم طوائف أعلنوا الالهية”() .

رابعاً: فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية للغزالي

  يعد كتاب الغزالي (فضائح الباطنية وفضائل المستظرية) من أهم الكتب التي الفها علماء أهل السنة والجماعة في الرد على الباطنية وتحديداً الاسماعيلية منهم، فعند التعريف والابتداء بهم يقول:” فهو مذهب ظاهره الرفضوباطنه الكفر المحض ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قولالإمام المعصوم وعزل العقول عن أن تكون مدركة للحق لمايعتريها من الشبهات ويتطرق إلى النظار من الاختلافاتوايجاب لطلب الحق بطريق التعليم والتعلم وحكم بان المعلمالمعصوم هو المستبصر وانه مطلع من جهة الله على جميعاسرار الشرائع يهدي إلى الحق ويكشف عن المشكلات وانكل زمان فلا بد فيه من امام معصوم يرجع الي من أمور الدين فيما يستبهم من مبدأ دعوتهم، ثم انهم بالآخرةيظهرون ما يناقض الشرع وكأنه غاية مقصدهم لان سبيلدعوتهم ليس بمتعين في فن واحد بل يخاطبون كل فريق بمايوافق رأيه بعد أن يظفروا منهم بالانقياد لهم والموالاةلامامهم فيوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملةمعتقداتهم ويقرونهم عليها”().

ويبدو  أنه سار على خطى سلفه(عبد القاهر البغدادي)، في بيان خطورتهم ويبدو ذلك واضحاً في الباب الثالث الذي كرسه لبيان حيلهم بقوله:” وقد نظموها على تسعدرجات مرتبة ولكل مرتبة اسم اولها الزرق والتفرس ثمالتأنيس ثم التشكيك ثم التعليق ثم الربط ثم التدليس ثمالتلبيس ثم الخلع ثم السلخ. ولنبين الآن تفصيل كل مرتبةمن هذه المراتب ففي الاطلاع على هذه الحيل فوائد جمةلجماهير الامة،  أما الزرق والتفرس فهو انهم قالوا ينبغيأن يكون الداعي فطنا ذكيا صحيح الحدس صادق الفراسةمتفطنا للبواطن بالنظر إلى الشمائل والظواهر وليكن قادراعلى ثلاثة امور، الاول وهو أهمها أن يميز بين من يجوز انيطمع في استدراجه ويوثق بلين عريكته لقبول ما يلقى اليهعلى خلاف معتقده، فرب رجل جمود على ما سمعه لا يمكنان ينتزع من نفسه ما يرسخ فيه، فلا يضيعن الداعي كلامهمع مثل هذا وليقطع طمعه منه وليلتمس من فيه انفعال وتأثربما يلقى إليه من الكلام”().

وعلى أية حال فالكتاب عبارة  عن عدة ابواب، افتتح الباب الخامس منها ( لابطال مذهب الباطنية تأويلاتهم لظواهرالقرآن واستدلالهم بالأمور العددية) وفيه فصلان: الفصلالأول في تأويلهم للظواهر، والفصل الثاني فياستدلالالتهم بالأعداد والحروف().

  وافتتح هذا الباب بفصل جمع فيه الغزالي بين عرض المادة ومن ثم تحليلها والرد عليه أو دحضها، فذكر نماذج من تأويلات الباطنية والاسس التي تقوم عليها. “انهم لماعجزوا عن صرف الخلق عن القرآن والسنة صرفوهم عنالمراد بهما إلى مخاريق زخرفوها واستفادوا بما انتزعوه مننفوسهم من مقتضى الألفاظ إبطال معاني الشرع وبمازخرفوه من التأويلات تنفيذ انقيادهم للمبايعة والموالاة،وانهم لو صرحوا بالنفي المحض والتكذيب المجرد لم يحظوابموالاة الموالين وكانوا اول المقصودين المقتولين”().

بعد ذلك تطرق الغزالي الى ذكر بعض تأويلاتهم البعيدة عن المنطق:”… من تأويلاتهم نبدة لنستدل بها علىمخازيهم فقد قالوا كل ما ورد من الظواهر في التكاليفوالحشر والنشر والأمور الإلهية. فكلها أمثلة ورموز إلىبواطن، أما الشرعيات فمعنى الجنابة عندهم مبادرةالمستجيب بإفشاء سر إليه قبل أن ينال رتبة استحقاقه،ومعنى الغسل العهد على فعل ذلك، ومجامعة البهيمةمعناها عندهم معالجة من لا عهد عليه ولم يؤد شيئا منصدقة النجوى وهي مائة وتسعة عشر درهما عندهم، فلذلكاوجب الشرع القتل على الفاعل والمفعول به، والا فالبهيمةمتى وجب القتل عليها والزنا هو القاء نطفة العلم الباطنفي نفس من لم يسبق معه عقد العهد والاحتلام، هو انيسبق لسانه إلى إفشاء السر في غير محله فعليه الغسلاي تجديد المعاهدة، الطهور هو التبري والتنظف من اعتقادكل مذهب سوى مبايعة الامام، الصيام هو الامساك عنكشف السر، الكعبة هي النبي والباب علي، الصفا هوالنبي والمروة علي، والميقات هو الاساس، والتلبية إجابةالداعي والطواف بالبيت سبعا هو الطواف بمحمد إلى تمامالأئمة السبعة، والصلوات الخمس أدلة على الاصول الاربعةوعلى الامام، فالفجر دليل السابق، والظهر دليل التالي،والعصر دليل للأساس، والمغرب دليل الناطق، والعشاء دليلالإمام”().

  وبخصوص المحرمات وتأويلها لديهم فقد قال :” وكذلكزعموا أن المحرمات عبارة عن ذوي الشر من الرجال وقدتعبدنا باجتنابهم، كما أن العبادات عبارة عن الاخيارالأبرار الذين أمرنا باتباعهم”().

  فأما المعاد فقد أولوها بقولهم:” فزعم بعضهم أن الناروالاغلال عبارة عن الأوامر التي هي التكاليف فانها موظفةعلى الجهال بعلم الباطن فما داموا مستمرين عليها فهممعذبون، فإذا نالوا علم الباطن وضعت عنهم أغلالالتكاليف وسعدوا بالخلاص عنها. واخذوا يؤولون كل لفظورد في القرآن والسنة فقالوا: أنهار من لبن أي معادن الدينالعلم الباطن يرتضع بها أهلها ويتغذى بها تغذيا تدوم بهاحياته اللطيفة، فإن غذاء الروح اللطيفة بارتضاع العلم منالمعلم، كما ان حياة الجسم الكثيف بارتضاع اللبن من ثديالام، وأنهار من خمر هو العلم الظاهر، و أنهار من عسلمصفى هو علم الباطن المأخوذ من الحجج والأئمة”().

  أما المعجزات فقد أولوا جميعها:” وقالوا الطوفان معناهطوفان العلم أغرق به المتمسكون بالسنة، والسفينة حرزهالذي تحصن به من استجاب لدعوته، ونار إبراهيم عبارة عنغضب نمرود لا عن النار الحقيقية، وذبح إسحاق معناه اخذالعهد عليه، عصا موسى حجته التي تلقفت ما كانوا يأفكونمن الشبه لا الخشب انفلاق البحر افتراق علم موسى فيهمعلى أقسام، والبحر هو العالم والغمام الذي أظلهم معناهالامام الذي نصبه موسى لإرشادهم وإفاضة العلم عليهم،الجراد والقُمل والضفادع هي سؤالات موسى وإلزاماتهالتي سلطت عليهم، والمَن والسلوى علم نزل من السماءلداع من الدعاة هو المراد بالسلوى تسبيح الجبال معناهتسبيح رجال شداد في الدين راسخين في اليقين”().

  بعد هذا العرض، ينتقل الغزالي الى الرد عليها متبعاً في ذلك ثلاثة مسالك وهي : الابطال والمعارضة والتحقيق. أما الابطال فهو مسلك يعمد الغزالي من خلاله الى دحض التأويلات الباطنية من الداخل معتمداً المبدأ ذاته التي بنيت عليه تلك التأويلات وهو القول بأن لكل ظاهر باطناً. فهذا المبدأ يسمح القول إن ذلك المعنى الباطن الذي أخرجوه يحتمل هو الاخر أن يكون ظاهراً له باطن، وبالتالي فقولهم مثلاً إن المراد بالجبال هو الرجال يستوجب البحث عن المراد بالرجال وهذا يعني أن الباطن الثاني يمكن تنزيله على باطن ثالث والثالث على رابع الى ” حدٍ يبطل التفاهم والتفهيم” كما يقول. والملاحظ من خلال هذا المنهج في الدحض أن الغزالي قد أسس التأويل وهو القول بأن لكل ظاهر باطناً. وهو ما يعني في المحصلة أن الظاهر في اعتقاد الغزالي، منه ما يؤول ومنه ما لا يؤول. وإذا علمنا أن الظاهر عند الاصوليين يشمل المخصص والمجاز والمضمر من الالفاظ كما يشمل النص، تبين لنا أن مسلك الإبطال الذي نهجه الغزالي يقوم على أرضية أصولية تتميز بما فيها من تصنيف دقيق لأقسام الخطاب وأحوال اللفظ فيه().

أما المعارضة فهي مسلك يعمد فيه الغزالي الى الاتيان بتأويلات أخرى ممكنة غير التي أتى بها المؤولون من الباطنية ، والقصد من ذلك أن يبرز أن هذا التأويل الذي ذهبوا اليه لا يتأسس على قانون ولا يقف عند حد، بل يمكن أن ينقلب الى النقيض. ومن الامثلة التي عرضها على ذلك التأويل، الخبر القائل” لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة “()فقد حمل لفظ الملائكة على معنى العقل لما بينهما من مناسبة إذ ” الملك شيء روحاني وكذلك العقل” وحمل لفظ البيت على معنى الرأس، ونزل الصورة على القول بعصمة الامام،  فكان المعنى الباطني الحاصل من هذا التأويل: لا يدخل العقل دماغاً فيه اعتقاد عصمة الامام. ويعترف الغزالي أن هذا النوع من التأويل فاسد ولكنه يأتي به ليبرهن على بطلان مذهب الباطنية في التأويل. وإذا كان قد دحض بمسلك الإبطال الاساس النظري الذي بنى عليه تأويل الباطنية فقد دحض بالمعارضة النتائج المترتبة على هذا النوع من التأويلات(). وأشهر هذه النتائج أنه تأويل لا حدود له ولا ضوابط ولا قوانين، وتأويل كهذا يقود في نظره الى الفوضى().

والمسلك الثالث من مسالك الغزالي في دحض تأويلات الباطنية هو مسلك التحقيق وفيه يعمد الى مناقشة أحكام التأويل في الشرع إن كان يجوز إفشاؤه أم كتمانه. وهو بهذا السؤال ينقض كل حكم مفترض. فإن قالت الباطنية هي تأويلات يجب إفشاؤها، احتجَ الغزالي بأن النبي(صلى الله عليه وسلم)  وصحابته لم يكن عندهم خبر عن هذا الضرب من التأويل. وإن قالوا هي تأويلات يجب كتمانها، احتج بأن التصانيف قد شحنت بحكاياتها وتداولتها الالسن، وهذا دليل عنده على أن واحداً من الائمة خالف الشرع وهو إذن غير معصوم().

إن هذه المسالك الثلاثة: الإبطال والمعارضة والتحقيق، يتعلق كل واحد منها بمستوى من مستويات نظرية التأويل وهي مستوى القوانين أي آليات التأويل وأدواته، ومستوى الحدود، ومستوى الاحكام الشرعية الخاصة بفعل التأويل. ويظهر من هذه المسالك الثلاثة الخلفية النظرية التي يصدر عنها الغزالي في دحض تأويلات الباطنية، استناده الى نظرية أصول الفقه وما تبلور بفضلها من قواعد التأويل وحدوده وأحكامه. إن الغزالي بهذا النقض القائم على أرضية أصول الفقه يقاوم الباطنية بأدوات مختلفة منها ما ينتمي الى ثقافته الكلامية ومنها ما هو أصولي فقهي ومنها ما هو منطقي فلسفي().

قال الغزالي راداً على تأويلاتهم الباطنية: ” أما الإبطالفهو أن أن يقال بم عرفتم أن المراد من هذه ما ذكرتم فإناخذتموه من نظر العقل فهو عندكم باطل وان سمعتموه منلفظ الامام المعصوم فلفظه ليس بأشد تصريحا من هذهالألفاظ التي أولتموها فلعل مراده أمر آخر اشد بطونا منالباطن الذي ذكرتموه ولكنه جاوز الظاهر بدرجة فزعم انالمراد بالجبال الرجال فما المراد بالرجال لعل المراد به امرآخر والمراد بالشياطين اهل الظاهر فما اهل الظاهر والمرادباللبن العلم فما معنى العلم؟”().

بمعنى ألم يكن لفظ الرجال والشياطين والعلم الفاظاً لبواطن أخرى؟. ويستطرد في الرد عليهم ويقول:” هذه البواطن والتأويلات التي ذكرتموها لو سامحناكم أنها صحيحة فماحكمها في الشرع أيجب إخفاؤها أم يجب إفشاؤها فإنقلتم يجب إفشاؤها إلى كل أحد قلنا فلم كتمها محمد(صلى الله عليه و سلم) فلم يذكر شيئا من ذلك للصحابةوللعامة … و كيف إستجاز كتمان دين الله و قد قال تعالى[وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ]()، تنبها علىأن الدين لا يحل كتمانه، وإن زعموا أنه يجب إخفاؤه. فنقولما أوجب الرسول صلى الله عليه وسلم إخفاؤه من سرالدين كيف حل لكم إفشاؤه والجناية في السر بالإفشاءممن اطلع عليه من أعظم الجنايات، فلولا أن صاحب الشرععرف سرا عظيما و مصلحة كلية في إخفاء هذه الأسرار لماأخفاها و لما كرر هذه الظواهر على أسماع الخلق و لماتكررت في كلمات القرآن صفة الجنة و النار بألفاظ صريحةمع علمه بأن الناس يفهمون منه خلاف الباطن الذي هو حقو يعتقدون هذه الظواهر التي لا حقيقة لها فإن نسبتموهإلى الجهل بما فهمه الخلق منه فهو نسبة إلى الجهل بمعنىالكلام إذ كان النبي صلى الله عليه و سلم يعلم قطعا أنالخلق ليس يفهمون من قوله و ظل ممدود و ماء مسكوب وفاكهة كثيرة إلا المفهوم منه في اللغة، فكذا سائر الألفاظ ثممع علمه بذلك كان يؤكده عليهم بالتكرير والقسم و لم يفشإليهم الباطن الذي ذكرتموه لعلمه بأنه سر الله المكتوم فلمأفشيتم هذا السر وخرقتم هذا الحجاب، وهل هذا إلا خروجعن الدين و مخالفة لصاحب الشرع و هدم لجميع ماأسسه، إن سلم لكم جدلا أن ما ذكرتموه من الباطن حقعند الله وهذا لا مخرج لهم عنه، فإن قيل هذا سر لا يجوزإفشاؤه إلى عوام الخلق فلهذا لم يفشه رسول الله صلى اللهعليه و سلم، و لكن حق النبي أن يفشيه إلى سوسه( )الذيهو وصيه و خليفته من بعده، وقد أفشاه إلى علي دونغيره، قلنا وعلي هل أفشاه إلى غير سوسه و خليفته فإن لميفشه إلا إلى سوسه و كذا سوس سوسه وخليفة خليفته إلىالآن، فكيف انتهى إلى هؤلاء الجهال من العوام حتىتناطقوا به و شحنت التصانيف بحكايته و تداولته الألسنة،فلا بد أن يقال إن واحدا من الخلفاء عصى و أفشى السرإلى غير أهله فانتشر وعندهم أنهم معصومون لا يتصورعليهم العصيان…”().

  وما يمكن استخلاصه من مجمل ما سبق بيانه أن كتاب (فضائح الباطنية)” يعد نقلة منهجية في تاريخ الرد على مقالات الباطنية، فقد انصرف الغزالي في هذا الكتاب الى معالجة الاسس النظرية والمنهجية التي تتبنى عليها عقائد الباطنية، فأبرز بعض المرجعيات الدينية والفلسفية التي تعود الى اليها تلك العقائد، وكشف تهافت المنظومة العقائدية الباطنية مركزاً بالخصوص على ثلاث مقالات هي القول بوجوب التأويل وشموله، والقول بعصمة الامام، والقول بإبطال النظر العقلي عموماً والقياس خصوصاً، وبالتالي وجوب التعلم من الامام المعصوم”().

خامساً: الملل والنحل للشهرستاني

  لا شك أن الاشاعرة الذين سبقوا الشهرستاني كانوا قد وضعوا الباطنية خارج دائرة الفرق الاسلامية، وقد تطرقنا الى بيان موقفي البغدادي والغزالي آنفاً،  بينما رأى فيهم الاسفراييني المتوفى (سنة471هـ/1078م) أن الباطنية أخطر على المسلمين” من فتنة الدجال”()، ويطغى على جميع هذه الاعمال ما يسميه (علي سامي النشار) ب ” المزاج الحاد”()، أو ما يطلق عليه محقق كتاب الشهرستاني: ” كتابات تتسم بالحدة المسرفة … أو ما يمكن أن تسميه بالهاجس الايديولوجي الصريح”().

  لذا فإن ابا الفتح الشهرستاني قد أدرج الباطنية ضمن فرقة الاسلام حين قسم كتاب الملل والنحل الى قسمين: فجعل الاول لارباب الديانات والملل وهم المسلمون وأهل الكتاب ومن لهم شبهة كتاب، وجعل الثاني لاهل الاهواء والنحل وهم الفلاسفة والصابئة وعرب الجاهلية وأهل الهند()، وقسم الكتاب الاول الى ابواب عرض في الاول منها الى اختلافات المسلمين في الاصول والفروع، ويأتي ذكر الباطنية في الفصل خاص بفرق الشيعة وهم في توزيع الشهرستاني: كيسانية وزيدية وإمامية وغالية وإسماعيلية. والملاحظ من خلال هذا التوزيع أن المصنف قد تجاوز التصنيف الثلاثي الذي وضعه الاشعري حين اعتبر الشيعة: كيسانية ورافضة وغلاة، أو التي وضعها البغدادي حين اعتبر الشيعة عموماً روافض، والروافض: كيسانية وزيدية وإمامية. وحكم عليهم بأنهم خارجون من فرق الاسلام().

أما الشهرستاني فقد أسقط من توزيعه لقب الروافض لما تحيل عليه هذه التسمية من دلالات سياسية مباشرة أشهرها أن لقب الروافض يعبر عمن رفض القول بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان في بعض الروايات، ويعبر في روايات أخرى عمن رفض الامام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. كما أنه تمسك بألقاب محايدة وحرص على تجاوز ما ألفه مؤرخو المقالات الذين تعودوا أن يضعوا الاسماعيلية فرعاً من فروع الامامية إذا ذكروا اختلافات الشيعة في الائمة، وفرعاً من فروع الغلاة إذا ذكروا اختلافاتهم في العقائد().

وهذا التصنيف يؤكد المقياس الذي يبني عليه الشهرستاني نظرته الى الاديان والمذاهب والمقالات، إذ يتميز هذا المقياس بما فيه من نزعة الى التجريد تتجلى في تلك الثنائية المانوية التي أقامها بين أصحاب الديانات السماوية من جهة والديانات الوضعية غير السماوية من جهة أخرى. فأصحاب الديانات أوالملل يعتمدون على الفطرة السليمة، بينما يعتمد أصحاب الديانات الارضية (= الوضعية)، أو أهل الاهواء والنحل على الاكتساب. والانسان عند الشهرستاني إذا اعتقد عقداً، أو قال قولاً، فإما أن يكون مستفيداً من غيره وذلك هو المسلم المطيع، أو أن يكون مستبداً برأيه وذلك هو المحدث المبتدع().

يقول الشهرستاني عن الباطنية:” ويسمونهم باطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم، بأن لكل ظاهرٍ باطناً، ولكل تنزيلٍ تأويلاً. ولهم القاب كثيرة سوى هذه على لسان قومٍ قوم. فبالعراق يسمون (( الباطنية)) و((القرامطة)) و((المزدكية))، وبخراسان((التعليمية)) و(( الملحدة))… وهم يقولون: نحن (( اسماعيلية)) لأننا تميزنا عن فِرَق الشيعة بهذا الاسم وهذا الشخص. ثم إن الباطنية القديمة قد خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وصنفوا كتبهم على ذلك المنهاج…”().

  يظهر أن كلام الشهرستاني آنفاً دقيق تماماً، فقد بدأت الدعوة الاسماعيلية بالتنظير لما يمكن تسميته ب ( التأويل السردي) الذي يعتمد على تأويل قصص الانبياء والقصص القرآني، مع الحرص على إضفاء الطابع الآيديولوجي عليه. لكن الجيل المتأخر منهم في المناطق الشرقية، ولا سيما في خراسان(= شمال شرق افغانستان الحالية) بدءاً من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي صاروا أميل الى خلط كلامهم ودعوتهم ببعض أفكار الافلاطونية المحدثة()، مما أنتج ما يمكن تسميته ب (التأويل الفلسفي).

 فحسب الشهرستاني لقد التمست الباطنية الاسماعيلية الوسائل من الافلاطونية المحدثة في بناء أساس فكرتهم، فقد أبدع الله أول الامر العقل الاول، والعقل الاول تام بالفعل، ثم يتوسط هذا العقل أبدع النفس، والنفس غير تامة، ونسبة العقل النفس نسبة النطفة الى تمام الخلقة. ولما اشتاقت النفس الى كمال العقل احتاجت الى حركة من النقص الى الكمال، والحركة تحتاج الى وسيلة، فوجدت وسيلة، أو حدثت، وهي الافلاك السماوية، وتحركت حركة دورية بتدبير النفس. ننزل درجة في سلم الموجودات، فحدثت الطبائع البسيطة بعد حدوث الافلاك، وتحركت هذه الطبائع بفعل النفس فتركبت عن تلك الحركة المركبات من:المعادن والنبات والحيوان والانسان، والحركة فيما نعلم كثرة وتعدد، وفاضت من النفس نفوس جزئية سرعان ما اتصلت بالابدان، وهنا كان نوع الانسان وحده متميزاً بالاستعداد لفيض الانوار العليا عليه، لأن مادته من مادة النفس العاشقة التي تتجه نحو المعشوق بحركات مختلفة تتفاوت كمالاً ونقصاً، ولابد  أن يكون في هذا العالم الارضي ما يقابل نظام العالم الكلي الكوني().

لذلك ينبغي أن يكون ثمة عقل ونفس، أما العقل فهو عقل شخص هو كلُ، أما حكم هذا الشخص إذا ما حاولنا أن نضعه في لغة أرضية نفهمها فهو حكم الشخص الكامل البالغ، هو الناطق، وأسماه أهل الشريعة النبي. أما النفس فهي نفس مشخصة، هي كلُ أيضاً حكمها هو حكم الطفل الناقص الذي يصبو الى الكمال، أو حكم النطفة التي تتجه الى النضج والتمام، وأسماه الباطنية الأساس، وهو ما يقابل عند جمهور الشيعة الوصي، فالناطق إذن، والاساس في العالم الارضي، يقابلان العقل والنفس في العالم العلوي، وإذا كانت الافلاك والطبائع تحركت بحركة من النفس، وبالتالي من العقل، كذلك تحركت النفوس الجزئية وأشخاصها الجسمانية بفعل الناطق والوصي بواسطة الشرائع في آنات معينة دائرة على سبعة سبعة حتى ينتهي الى الدور الاخير، وفيه، أي في الدور السابع من الادوار. ترتفع التكاليف، لا سنة ولا شريعة ولا قانون()، إنما يطل زمان القيامة بأشراطه، وفي هذا الدور الاخير تعود النفس الجزئية بواسطة الشرائع التي أظهرتها، ثم انحلت عنها، حالما قاربت الكمال، تعود مرة أخرى الى النفس الكلية، كذلك هذه الحركات الفلكية الطبيعية تعود كثرتها بعد الى الوحدة، كانت غايتها بلوغ النفس الى حالة كمالها بحركة شوق الى الاتصال بالعقل واتحادها به ووصولها الى أعلى مرتبة كونية الى العقل بالفعل().

  يبدو هنا جلياً أن  الشهرستاني لا يحاول دحض ونقد مقالات الباطنية في التأويل وغيرها كما فعل أسلافه من قبل: (البغدادي)، و(ابن حزم الاندلسي)، و(الغزالي)، وغيرهم وإنما يحاول عرض فكرة الباطنية الاسماعيلية في النظام الكوني وفق عقيدته الاشعرية بكل أمانة علمية كما هي ديدنه، ومن خلالها يصل الى نتيجة مفادها بأن التأويل لا مناص منه بعد هذا السرد الكوني للعقيدة الباطنية.

ومن جانب أخر فقد ميز الشهرستاني بحكم تأخره الزمني بين الباطنية الجديدة(= اسماعيلية نزارية)()، والباطنية القديمة( = المستعلية)() ، وهم من حافظ على مقالات الباطنية القديمة، إلا أن المصنف حين يفرق بين باطنية قديمة وأخرى جديدة لا يقيم وزناً للاختلافات السياسية القائمة بين النزارية والمستعلية، بل هو لا يذكر هذه الخلافات، أي بعبارة أخرى يترفع عنها، لأنه مؤرخ أفكار وعقائد لا مؤرخ أحداث ووقائع(). لذلك صرف همه في تحديد الفوارق بين مقالات الفرقتين في الالهيات والنبوات أساساً، وموضوع التأويل يقع تحت ظل هاتين المقالتين.

الباطنية القديمة في نظر الشهرستاني ” خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وصنفوا كتبهم على منهاجها”(). أما اصحاب الدعوة الجديدة فقد ” تنكبوا هذه الطريقة حين أظهر الحسن بن محمد الصباح دعوته، وقصر على الالزامات كلمته”().

الخاتمة والاستنتاجات

 يكاد ينعقد اجماع الباحثين والمؤرخين، مسلمين وغيرهم أن الباطنية هي كبرى حركات التحريف في تاريخ الاسلام، أرادت أن تظهر عقائدها وأهدافها الحقيقية متسربلة بمبدأ التأويل الباطني للنصوص الاسلامي من قرآن وحديث وغيرها، متجاهلة الضوابط النقلية والعقلية التي أجمع الاصوليون الثقاة عليها في تفسير هذه النصوص. وكانوا يعلمون جيداً أن اسباغ المعاني الباطنية على النص معناه الغاؤه، والقضاء عليه. أما التأويل للفرائض والتشريعات، فقد أولوها لتتناسب مع مراميه.

إن العقائد الباطنية بمنهجها التأويلي، تمثل تجاوزاً خطيراً لكل العقائد والمفاهيم التي جاء بها الاسلام من أجلها، بل أنها في سعيها لنسف الظاهر وكشف الباطن، تحاول أن تنسف الاسلام كدين، وأن ترسي بدلاً منه المفاهيم الالحادية الباطنية المشتملة على الاباحية المطلقة. ورحم الله الغزالي عندما قال:” إن هذه الدعوة لم يفتتحها منتسب الى ملة، ولا معتقد لنِحلة، معتضد بنبوة؛ فإن مساقها ينقاد الى الانسلال من الدين كإنسلال الشعرة من العجين”().

 

المصادر والمراجع والهوامش

محمد يوسف موسى، بين الدين والفلسفة في رأي ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط (بيروت: العصر الحديث للنشر والتوزيع،ط2، 1408هـ-1988م)، ص117.
2. – أميل بريهيه، الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الاسكندري (القاهرة: طبعة مصطفى البابي الحلبي، د.ت)، ص41.
3. – دلالات الحائرين، ترجمة وتعليق: حسين آتاي (بيروت : دار الجمل، 20012م)، ص 89.
4. – عرفان عبد الحميد، دراسات في تاريخ الفرق والاحزاب الاسلامية (
5. – أجنتاس كولدزيهر، العقيدة والشريعة في الاسلام ترجمة: محمد يوسف موسى وعبدالعزيز عبد الحق (بيروت بغداد : دار الجمل، 2012م)، ص156.
6. – سورة القصص: الآية 85.
7. – حسن ابراهيم حسن، تاريخ الدولة الفاطمية (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1958م)، ص8.
8. – النوبختي، فرق الشيعة، تحقيق: هـ. ريتر(استنبول: نشر جمعية المستشرقين الالمانية،1931م)، ص19-20.
9. – محمد احمد الخطيب، الحركات الباطنية في العالم الاسلامي عقائدها وحكم الاسلام فيها (عمان: مكتبة الاقصى، ط2، 1406هـ – 1986م)، ص32.
10. – المختار بن ابي عبيد الثقفي، كان أبوه من جملة الصحابة، وولد المختار عام الهجرة، ولسيت له صحبة، كان يزعم أن جبريل ينزل عليه، وكان ممن خرج على الحسن بن علي بن ابي طالب في المدائن، ثم صار مع عبدالله بن الزبير في مكة فولاه الكوفة فغلب عليها، ثم أخذ يطلب بدم الحسين بن علي واجتمع عليه الكثير من الشيعة، وكان يظهر لهم الاعاجيب، وقتل قتلُة الحسين، وكان ولايته على الكوفة سنة ونصف، وقتله مصعب بن الزبير سنة67هـ. ينظر . ابن الاثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، ، ج4، ص366؛ ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، ج6، ص6.  
11. – المغيرة بن سعيد: كوفي رافضي كان ينتقص ابابكر وعمر، وقد ذكر علياً وذكر الانبياء ففضله عليهم، وقد ادعى النبوة وقد نظر في سحر فأسعر النيران بالكوفة على التمويه والشعبذة، حتى أجابه خلق، وقد أخذه والي العراق الاموي خالد بن عبدالله القسري وقتله ثم صلبه. ينظر الشهرستاني، الملل والنحل، ص180، هامش(1).
12. – بيان بن سمعان: زعم أن روح الاله دارت في الانبياء والائمة حتى انتهت الى علي، ثم دارت الى محمد بن الحنفية، ثم صارت الى ابنه أبي هاشم، ثم حلت بعده في بيان بن سمعان، وأدعوا بذلك إلهية بيان بن سمعان، قتله والي الكوفة الاموي خالد بن عبد الله القسري سنة120هـ. ينظر عبد القاهر البغدادي، الفر ق بين الفرق، ص191-192.
13. – محمد احمد الخطيب، الحركات الباطنية في العالم الاسلامي، ص33.
14. – كولد زيهر، العقيدة والشريعة، مرجع سابق،ى ص248.
15. – المرجع نفسه، ص241-242.
16. – سورة آل عمران، الآية 7.
17. – الفخر الرازي، أساس التقديس في علم الكلام (القاهرة: د.م ، 1935م)، ص180.
18. – سعد بن عبدالله القمي، المقالات والفرق، تحقيق: محمد جواد مشكور (طهران، 1963م)، ص80.
19. – المصدر نفسه ، ص80 81.
20. – محمد اسماعيل ابراهيم، قاموس الالفظ القرآنية، ص29.
21. – محمد بن ابي بكر الرازي، مختار الصحاح (مصر: دار المعارف،1973م)، ص33.
22. – محمد بن عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن (مصر: مطبعة البابي الحلبي،ط2،1361هـ/1962م)، ج1، ص472.
23. – سورة الاعراف: الآية 53.
24. – محمد بن الطاهر عاشور، تفسير التحرير والتنوير(تونس: المؤسسة التونسية للنشر، د.ت)، ج1، ص16.
25. – سورة يوسف : الآية 100.
26. – سورة آل عمران: الآية 7.
27. – سورة الكهف: الآي ة 78.
28. – احياء علوم الدين (مصر: شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1358هـ/1939م)ج1، ص43.
29. – فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال (بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط2،1399هـ/1979مم)، ص20
30. – محمد الهادي الطاهري، عقائد الباطنية في الإمامة والفقه والتأويل عند القاضي النعمان (بيروت- تونس، الانتشار العربي- دار محمد علي للنشر،2011م)، ص209.
31. – جميل صليبا، المعجم الفلسفي (بيروت: دار الكتاب اللبناني،1971م)، ج1، ص234.
32. – دائرة المعارف الاسلامية، مادة الباطنية، مج4، ص523.
33. – أجنتاس كولدزيهر، العقيدة والشريعة في الاسلام، ترجمة: محمد يوسف موسى وعبدالعزيز عبد الحق (بيروت بغداد : دار الجمل، 2012م)، ص156.
34. – الغزالي، فضائح الباطنية، تحقيق: عبد الرحمن بدوي (الكويت: مؤسسة دار الكتب الثقافية، د،ت)، ص 11 12.
35. – عمر فروخ، تاريخ الفكر العربي الى أيام ابن خلدون( بيروت: دار العلم للملايين،1382هـ – 1982م)، ص130.
36. – المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية (القاهرة: د،م، ط2، د.ت)، ج1، ص62.
37. – تلبيس ابليس، تحقيق: السيد الجميلي (بيروت: دار الكتاب العربي،1985م)، ص124- 125.
38. – ابو الحسن الاشعري، مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين، تصحيح: هلموت ريتر( فيسبادن، النشرات الاسلامية، ط3، 1980م)، ص26- 27.
39. – المصدر نفسه، ص29.
40. – برنارد لويس، أصول الاسماعيلية بحث تأريخي في نشأة الفاطمية،  نقله الى العربية: خليل احمد جلو وجاسم محمد الرجب، قدم له: عبد العزيز الدوري (بغداد: مكتبة المثنى، د.ت)، ص142؛ فرهاد دفتري، الاسماعيليون تاريخهم وعقائدهم، ترجمة: سيف الدين القصير(بيروت: دار الساقي- معهد الدراسات الاسماعيلية،2012م)، ص216-226.
41. – فرهاد دفتري، الاسماعيليون، ص200 وما بعدها
42. – محمد الهادي الطاهري، عقائد الباطنية، مرجع سابق، ص29.
43. – فرهاد دفتري، الاسماعيليون، ص272-273، حيث يقول الكاتب الاسماعيلي:” وقد هز انتهاك الفقرامطة للمقدسات في مكة العالم الاسلامي…”، المرجع نفسه، ص273.
44. – هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الاسلامية، ترجمة: نصير مروة وحسن قبيسي (بيروت: دار عويدات، ط2،1998م)، ص93.
45. – أبو يعرب المرزوقي، منزلة الكلي في الفلسفة العربية(تونس: جامعة تونس الاولى،1994م)، ص215-234.
46. – محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي(الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،1986م)، ص62.
47. – محمد الهادي الطاهري، عقائد الباطنية، مرجع سابق، ص31-32.
48. – حديث حسن غريب رواه الترمذي، ج5، ص595.
49. – الفرق بين الفرق، تحقيق: محمد  محيي الدين عبد الحميد (القاهرة: دار الطلائع،2005م)، ص221.
50. – المصدر نفسه، ص228-229.
51. – المصدر نفسه، ص19.
52. – المصدر نفسه، ص19.
53. – المصدر نفسه، ص221.
54. – المصدر نفسه، ص221.
55. – المصدر نفسه، ص222.
56. – المصدر نفسه، ص229.
57. – المصدر نفسه، ص232
58. – الفصل في الملل والنحل ، تحقيق محمد ابراهيم نصر وعبدالرحمن عميرة (بيروت: دار الجيل،1985م)، ج2، ص274.
59. – الاحكام في أصول الاحكام (القاهرة: دار الحديث،1404هـ)،ج3، ص279-280.
60. – سورة البقرة: الآية 93.
61. – سورة طه: الآية 99.
62. – سورة طه: الآية 100.
63. – سورة االبقرة: الآية 75.
64. – سورة البقرة: الآية 181.
65. – المصدر نفسه، ج3، ص303.
66. – سورة البقرة: الآية 104.
67. – سورة الانعام: الآية 106.
68. – سورة العنكبوت: الآية 51.
69. – سورة الانعام: الآية 50
70. – سورة الانعام: الآية 50.
71. – سورة الانعام: الآية 114.
72. – المصدر نفسه، ج3، ص304
73. – سورة الاسراء: الآية 73.
74. – المصدر نفسه، ج3، ص307.
75. – سورة الانعام: الآية 121.
76. – احمد ابن تيمية، الفرقان بين الحق والباطل(القاهرة: مكتبة الامام، د. ت )، ص55.
77. – سورة الانعام: الآية 112.
78. – سورة الشعراء: الآية 221.
79. – ابن تيمية، الفرقان بين الحق والباطل، ص24.
80. – في العصر العباسي الاول قام الايرانيون بعدة حركات معارضة للخلافة العباسية ، مثل الراوندية، والاستاذسيسية، والمقنعية، والخرمية، والمازيارية، والبابكية، وغيرها. ينظر عبد العزيز الدوري، تاريخ العصر العباسي الاول- دراسة في التاريخ السياسي والاداري والمالي ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006م)، ص92-93، 237-246.
81. –  الفصل في الملل والنحل، ج2، ص273-274.
82. – المصدر نفسف المصدر
83. – فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية، تحقيق: عبد الرحمن بدوي (الكويت: مؤسسة دار الكتب الثقافية، د.ت)، ج1، ص22. ؛ ووقارن بما ذكره البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق)، تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد، ص222-223.
84. – الغزالي، فضائح الباطنية، ج1، ص5
85. – المصدر نفسه، ج1، ص5-6.
86. – المصدر نفسه، ص56-57.
87. – المصدر نفسه، ج1، ص56.
88. – المصدر نفسه، ج1، ص57.
89. – المصدر نفسه، ج1، ص57.
90. – محمد الهادي الطاهر، عقائد الباطنية، ص54-55.
91. – المصدر نفسه، ج1، ص60.
92. – المصدر نفسه، ج1، ص61
93. – المصدر نفسه، ج1، ص60.
94. – محمد الهادي الطاهري، عقائد الباطنية، مرجع سابق، ص55.
95. – المرجع نفسه، ص55-56.
96. – المصدر نفسه: ج1، ص58.
97. – سورة آل عمران: الآية 187.
98. – سوسه: يطلق الاسماعيلية على النبي اسم الناطق والانبياء هم النطقاء، ولكل نبي أو ناطق إمام وصي هو صاحب السوس أو الاساس، والاساس هو صاحب الشريعة الباطنة في حين أن النبي هو صاحب الشريعة الظاهرة، وشيث هو أساس آدم، وسام هو أساس أبيه نوح، وهلرون هو أساس أخيه موسى. ينظر، محمد سالم إقدير، العقائد الفلسفية المشتركة بين الفرق الباطنية (القاهرة: مكتبة مدبولي،2006م)، ص95، هامش(2).
99. – الغزالي، فضائح الباطنية، ج1، ص62.
100. – محمد الهادي الطاهري، عقائد الباطنية، مرجع سابق، ص56؛ وتجدر الاشارة الى أن الباحثين الاسماعيليين شنوا حملة شعواء على الامام الغزالي وعلى كتابه (فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية) متهماً إياه بأن الظروف السياسية والاجتماعية كان لها الاثر الكبير في صياغة نظريته ضد الفرقة الباطنية الاسماعيلية. ينظر: فاروق ميثا، الغزالي والاسماعيليون العقل والسلطة في إسلام العصر الوسيط (بيروت- لبنان: دار الساقي- معهد الدراسات الاسماعيلية، 2005م).ص40 وما بعدها.
101. – التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن فرق الهالكين، تحقيق: محمد زاهد الكوثري(القاهرة: د، م، 1955م)، ص123.
102. – نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام- نشأة التشيع وتطوره(القاهرة: دار المعارف، ط8، د.ت)، ج2، ص306.
103. – الملل والنحل، حققه وقدم له: سعيد الغانمي(بيروت بغداد: دار الجمل،2013م)، ص29
104. – الملل والنحل،  ص89.
105. – الفرق بين الفرق، ص211 وما بعدها.
106. – محمد الهادي الطاهري، عقائد الباطنية، ص57.
107. – الملل والنحل، صححه وعلق عليه: احمد فهمي محمد (بيروت: دار الكتب العلمية،ط8،2009م)، ص32؛ الملل والنحل، حققه وقدم له: سعيد الغانمي (بيروت بغداد: دار الجمل،2013م)، ص117.
108. – الملل والنحل، نشرة: سعيد الغانمي، ص284، الملل والنحل، نشرة: احمد فهمي محمد، ج1، ص201-202.
109. – الافلاطونية المحدثة: مجموعة العقائد الفلسفية التي تلت الأكاديمية، وانتشرت، ما بين القرن الثاني والقرن الخامس للميلاد، في العالم المتوسطي بدءًا من الاسكندرية. وقد نشأ هذا التوجه كنتيجة لمزاوجة فلسفة أفلاطون بالروحانيتين اليهودية والمشرقية. وكان أبرز وجوهها أفلوطين، يليه بورفيريوس، فجمبليخا، فبروكليوس… أما آخر ممثليها فهو داماسكيوس (أو الدمشقي). وقد ألهمت هذه الفلسفة القديس أوغوسطينوس والآباء الأوائل للكنيسة، وأثرت خاصة في العقيدة المسيحية للكنيسة اليونانية، نشأت الأفلاطونية الجديدة في الإسكندرية على يد أمونيوس زاكاس في العام 230م، ثم انتشرت في روما على يد أفلوطين (ت270م) وتلامذته. لكنها وككل تيار فكري أو فلسفي، لم تأت من فراغ، بل سبقتها ومهدت لها تيارات فلسفية عديدة بدأت ببلوتاركوس والفيثاغوريين الجدد. تأثرت الأفلاطونية الجديدة بفيلون الاسكندراني، الذي حاول تفسير اليهودية على ضوء الفلسفات الرواقية والافلاطونية والفيثاغورية؛ كما تأثرت إلى حد ما، بالتيارات المسيحية الأولى، وأضيف اليها شيء من الفلسفات الهندية. ينظر: عمر فروخ، تاريخ الفكر العربي الى أيام ابن خلدون، ص131.
110. – الشهرستاني، الملل والنحل، نشرة: سعيد الغانمي، ص284-285؛ الملل والنحل، نشرة: احمد فهمي محمد، ج1، ص203.
111. – هنا يصل الشهرستاني الى نتيجة مفادها أن التأويل تحصيل حاصل في النظرية الكونية للباطنية.
112. – المصدر نفسه، نشرة: سعيد الغانمي، ص285-286؛ الملل والنحل، نشرة: احمد فهمي سعد، ج1، ص202-203.
113. -النزارية: هم القائلون بإمامة نزار الابن الاكبر للخليفة الفاطمي المستنصر بلله ، ولم يكتب لهم النجاح، بسبب قيام الافضل الجمالي بنصب ابن اخته (المستعلي) ابن الخليفة المستنصر بالله الاصغر وفرضه كامام (= خليفة) للدولة الفاطمية، بل جرد حملة على نزار وقتله هو واخوته، ويعد اسماعيلية آلموت في ايران بقيادة (الحسن بن الصباح) أشهر من بقي من النزارية. ينظر: عارف تامر، معجم الفرق الاسلامية (بيروت: دار المسيرة، د. ت)، ص122-123.
114. – المستعلية: هم القائلون بامامة المستعلي بلله الابن الاصغر للخليفة الفاطمي المستنصر بالله بدلا من أخيه الاكبر (نزار) الذي قتل على يد الافضل الجمالي خال المستعلي، وهم الذين ورثوا الخلافة الفاطمية في القاهرة. المقريزي، اتعاظ الحنفا بأخبار الائمة الفاطميين الخلفا، تحقيق: محمد عبدالقادر احمد عطا (بيروت: دار الكتب العلمية،2001م)، ج2، ص105 وما بعدها.
115. – محمد الهادي الطاهري، مرجع سابق، ص59-60.
116. – الملل والنحل، نشرة: سعيدالغانمي، ص284.
117. – الملل والنحل، نشرة: سعيد الغانمي، ص287؛ الملل والنحل، نشرة: احمد فهمي سعد، ج1، ص203. والالزام وهو أن يفرض المتكلم على الخصم نتيجة خارجية لم تكن في حسبانه، ولا تفضي اليها إجراءاته النقدية أصلاً. المصدر نفسه، ص63.
118. – فضائح الباطنية، ص18.
اظهر المزيد

د.فرسەت مەرعی

د.فرست مرعي اسماعيل مواليد ۱۹٥٦ دهوك ٲستاذ التاريخ الاسلامي في جامعة دهوك له ۲۱ كتابا مؤلفا باللغتين العربية والكردية ، و٤۰ بحثا ٲكاديميا في مجال تخصصه

مقالات ذات صلة